لم يصدر أي تعليق رسمي بعد من فرنسا والمغرب بشأن البيان الجزائري - صورة أرشيفية.
لم يصدر أي تعليق رسمي بعد من فرنسا والمغرب بشأن البيان الجزائري - صورة أرشيفية.

بالتزامن مع بطولة كأس إفريقيا للاعبين المحليين التي تحتضنها الجزائر، انتشرت أخبار كاذبة مصدرها حساب يسمى "عاشقة للتراث المغربي" عن مشاركة ممثلة إباحية في حفل الافتتاح، وحظيت المنشورات بآلاف التعليقات والتفاعلات.

وفي المقابل، شارك آلاف الجزائريين أخبارا مفبركة، عن أن المغاربة كانوا أكثر من تابعوا حفل افتتاح البطولة، رغم عدم مشاركة منتخبهم الوطني، احتجاجا على عدم استثنائه من حظر الطيران الذي تفرضه الجزائر على المغرب. 

والخبران الكاذبان نموذجان لظاهرة متنامية، وهي ازدياد عدد وحجم صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المغربية والجزائرية المكرسة حصرا لنشر الأخبار الكاذبة عن البلد الآخر والتحقير من شأنه. 

وفي حين أن الخلاف بين حكومتي الجزائر والمغرب يمتد لعقود، يقول خبراء تحدثوا لموقع "الحرة" إن الظاهرة الجديدة خطيرة، إذ أن غالبية الشعبين لطالما احتفظا بعلاقات طيبة تسمو على خلافات السياسة، وأن هذه الأخبار تلعب دورا عميقا في تسميم الحوار بين الشعبين، لتغلب عليه لغة الكراهية والعنصرية. 

وضع جديد

تعليقا على انتشار الإشاعات والأخبار المضللة ومعها التعليقات المسيئة، يبرز أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، توفيق بوقاعدة، أن مثل هذه المنشورات تساهم في نقل الخلافات من المستوي السياسي بين الحكومات إلى المستوى الشعبي، وتؤسس لخطاب جديد وغريب عن ثقافة التسامح والتعايش التي ميزت علاقات الشعبين رغم الخلافات الحادة في حقب زمنية سابقة.

في نفس السياق، يقول الناشط الحقوقي المغربي، خالد البكاري، قال إنه يتابع ما يحصل بـ"قلق"، مشيرا إلى أن حجم الخلافات بين شعبي البلدين لم يسبق له أن يصل إلى هذا المستوى، رغم الأزمات والخلافات السياسية القوية التي عاشت عليها علاقات البلدين منذ القدم.

ويشير الحقوقي المغربي في تصريح لموقع "الحرة"، إلى أن المناوشات لم تعد تقتصر على النظامين، بل انتقلت إلى جزء كبير من الشعبين، وتبقى مواقع التواصل الاجتماعي واجهة شاهدة على "الملاسنات وتبادل الشتائم ونشر الإشاعات والإشاعات المضادة".

ويؤكد المتحدث ذاته، أن هذه المنشورات والحسابات، كانت موجهة في بدايتها من طرف الذباب الالكتروني التابع للجانبين، وواصلت وسائل الإعلام الرسمية (بالجزائر) والخاصة (التابعة للسلطة بالمغرب)، تغذية هذه الأحقاد عبر بروباغندا انساق وراءها جزء كبير من الرأي العام ومن الأشخاص الذاتيين الذين يتبادلون الهجمات فيما بينهم، ما يعكس انتقال نبرة العداء إلى الشعبين الشقيقين.

وتشهد علاقات البلدين توترا منذ عقود بسبب قضية الصحراء الغربية ودعم الجزائر لجبهة البوليساريو.

وتقترح المملكة التي تسيطر على نحو 80 بالمئة من المنطقة المتنازع عليها التفاوض حول منحها حكما ذاتيا تحت سيادتها، في حين تطالب جبهة بوليساريو بإجراء استفتاء لتقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة.

وزاد التوتر بينهما عندما أعلنت الجزائر في أغسطس 2021، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط، متهمة إياها "بالعداء تجاهها  منذ استقلالها  في 1962".

أجندات مختلفة

من جانبه، يرى الخبير الجزائري في تصريح لموقع "الحرة"، أن فئتين تروجان لخطاب الكراهية والعداء؛ أولها، مجموعات لها أجندة معينة مرتبطة بمخابرات أجنبية تسعى إلى بث الكراهية بين الشعبين لتحقيق مقاصد سياسية واستراتيجية في المنطقة"، على حد زعمه.

ويورد المتحدث ذاته، أن هذه المخابرات، تعمل وفق خطة محكمة لاستغلال الخلافات السياسية وتحويلها إلى عداء بين الشعبين يصعب ترميم الهوة بينهما مستقبلا وتمرر بذلك خطتها التي بدأت الكثير من ملامحها في الظهور على أرض الواقع.

الفئة الثانية بحسب الأستاذ الجزائري ذاته، هي المنخرطة في خطاب السلطتين في البلاد، والتي تدعم توجهاتها مهما كان مسارها في العلاقة بين الدولتين، مشيرا إلى أن بعض الأشخاص يستغل هذا الخطاب كأداة للتقرب للسلطة عبر تبرير سلوكها والزيادة على خطابها بحقائق او إشاعات شعبوية.

وأكد بوقاعدة أن هذه السلوكات "تنخر في جيد الترابط والتلاحم بين الشعبين الممتد عبر الزمن"، غير أنه يشير إلى أنها لم تنجح بعد في تأسيس حدود فاصلة من الكراهية بين الشعبين، مضيفا أن غالبية الشعبين، تفصل بين توجهات حكوماتها الخلافية وبين ضرورة بقاء الود والترابط بين الشعبين قائم لغاية تسوية هذه الخلافات.

بدوره، يشير الحقوقي المغربي إلى أن الأنظمة تبقى المستفيد الوحيد من هذه الأوضاع، رغم ادعاء كل طرف أنه ضحية الثاني، ضمن مساعي خلق عدو خارجي، يتم توجيه اهتمام الناس نحوه، وتغذية شعور وطني يقوم على سردية أن العداء للعدو الخارجي أسبق، وبالتالي التفات الحكومات عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للشعبين، بحسب كلامه.

وسبق لمنصة فيسبوك أن أبطلت مئات الصفحات والحسابات الجزائرية والمغربية في 2021، بحسب تقريرها الدوري حول الذباب الإلكتروني، مؤكدة إنها نشأت حصرا لنشر الدعاية المضللة والمعلومات الخاطئة. 

خطورة الشائعات

المستشار والخبير في التحول الرقمي وأمن المعلومات، يبرز رولان أبو نجم، يقول إن ثلاثة أرباع الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تتكبد عناء التحقق من المعلومات والأخبار التي تتلقاها، بالتالي فإن بعض الشائعات التي يتم بثها على هذه المنصات ضد جهات أو أطراف أخرى، يتفاعل معها أشخاص حقيقيون، ويعيدون بثها وترويجها.

ويوضح أبي نجم في تصريح لموقع "الحرة"، أن نشر الشائعات والمعلومات الخاطئة، أصبح يتم بطرق احترافية لا تترك لمستعملي المنصات الرقمية، مجالا للشك من خلال الاعتماد على تقنيات التضليل، بالاعتماد على تقنيات المونتاج والتوضيب، بل وبث أخبار، ونسبها إلى مؤسسات إعلامية معترفة بها.

ويشدد المتحدث ذاته، على خطورة الشائعات التي تبث على مواقع التواصل الاجتماعي، كونها تنتشر بشكل سهل، كما أن نفيها ودحضها للأسف لا ينتشر بنفس سرعة انتشارها.

وبخصوص الحسابات الوهمية أو المتخصصة في إدارة المعارك على مواقع التواصل الاجتماعي، يوضح أبي نجم، أنه أصبح أمرا طبيعيا ونراه بكل دول المنطقة، حيث تنظم مجموعة من الجهات هجماتها على الطرف المعارض أو المقابل، عبر جيوش إلكترونية تسمى "ذبابا إلكترونيا"، عبارة عن بوتس أو روبوتس، يكون هدفها نشر موضوع أو هاشتاغ معين أو مهاجمة طرف آخر.

ويلفت أبي نجم إلى العديد من الجهات تلجأ إلى إنشاء حسابات وهمية وكتائب إلكترونية، مشكلة من أشخاص حقيقيين، يديرون حسابا أو أكثر، لتوجيه النقاشات أو مهاجمة الأشخاص أو التحريض على جهات، عبر أساليب تؤدي إلى تعزيز انتشار خطابات الكراهية والدعوة إلى العنف.

حملة لسداد ديون الأسر المعوزة المسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) عند محل البقالة
صورة أرشيفية لسوق شعبي في المغرب (تعبيرية)

"لم أتمالك نفسي.. بكيت من شدة الفرح عندما أخبرني البقال أن ديني قد تم سداده بالكامل"، هكذا تروي خديجة (56 عاما)، الأرملة التي تعيش بأحد الأحياء الشعبية بمدينة القنيطرة قرب العاصمة الرباط، قصتها مع حملة "تحدي الكارني".

تشجع تلك المبادرة التضامنية المشاركين فيها على سداد ديون الأسر التي تعاني الحاجة لدى محلات البقالة، عبر تسوية مبالغ مسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) وفق إمكانياتهم، ويتحدى كل مشارك 5 أشخاص آخرين للقيام بالمثل ومشاركتهم في الحملة.

بعد وفاة زوجها، تحملت خديجة وحدها مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة من دخلها المتواضع في تنظيف البيوت، لكن عدم استقرار عملها جعلها تلجأ إلى دفتر الديون لدى البقال لتوفير احتياجاتها الأساسية، حتى تراكم عليها مبلغ 800 درهم (حوالي 80 دولارا)، وأصبحت تخجل من دخول المحل.

وصفت خديجة في حديثها لموقع "الحرة" شعورها عندما طُلِب منها التوجه للبقال، قائلة: "شعرت بالخوف والتوتر، ظننت أنه سيطالبني بالسداد، وأنا لا أملك درهما واحدا. كنت أفكر طوال الطريق فيما سأقوله له، لكن المفاجأة كانت أكبر مما تخيلت. أخبرني أن شخصا مجهولا سدد عني الدين، دون أن يكشف عن هويته".

 وأضافت الأرملة وهي تغالب دموعها: "لم يكن الأمر مجرد إغلاق حساب، بل شعرت أن هناك من يفكر فينا، من يساعدنا دون أن نطلب. إنها لحظة لن أنساها ما حييت، لأنها أعادت إلي الأمل وسط هذا الغلاء القاتل".

وختمت خديجة حديثها بدعوة الجميع لدعم هذه الحملة، قائلة: "أتمنى أن يستمر (تحدي الكارني) كل عام، لأن هناك الكثير من الأمهات مثلي ممن ينتظرن هذه اللفتة الإنسانية في صمت".

"عبء ثقيل"

"هناك من يبقى مدينا لي لأكثر من عام.. وبعض الزبائن لم يعودوا يجرؤون على دخول المحل من شدة الإحراج"، بهذه الكلمات، يروي يوسف صابيري، صاحب محل بقالة في الدار البيضاء، لموقع "الحرة"، كيف أصبح دفتر الديون عبئا ثقيلا على زبائنه وحتى عليه كتاجر، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد الأسر التي تجد نفسها مضطرة للاستدانة لتوفير حاجياتها الأساسية.

ويضيف صابيري: "معظم من يعتمدون على الكريدي (الاستدانة) هم الأرامل أو العمال الذين يعملون بشكل متقطع، لكن حتى الموظفين أصبحوا يعانون. كيف يمكن لمن يدفع 1500 درهم (150 دولار تقريبا) للإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، أن يكفيه راتبه؟.. الناس في ضيق حقيقي".

ويتابع متحدثا عن أثر الغلاء: "أسعار المواد الأساسية ارتفعت بشكل غير مسبوق، فصار كثيرون يقترضون أكثر من قدرتهم على السداد، وهذا يجعلهم يغيبون عن المحل لأشهر، وأحيانا يغيرون بقالهم حتى لا يواجهوا إحراج الديون المتراكمة".

أما فيما يتعلق بمبادرة "تحدي الكارني"، يقول صابيري مبتسما: "رأيت أشخاصا يبكون من الفرح حين علموا أن ديونهم سددت، بعضهم ظل واقفا مصدوما غير قادر على التصديق. إنها مبادرة تخفف العبء عن الجميع، وأتمنى أن تستمر وتنتشر في كل المدن".

"تطور الحملة"

ومن جانبه، يلخص حمزة الترباوي، أحد منسقي حملة "تحدي الكارني"، النجاح المتزايد لهذه المبادرة في موسمها الرابع، بقوله "كل عام نفاجأ بمدى التفاعل.. والآن صرنا نفرح بدل أن نتفاجأ".

ويضيف، في حديثه لموقع "الحرة"، أن الحملة تتبناها وسائل الإعلام والمؤثرون بشكل واسع، كما أن انتشارها لم يعد يتطلب مجهودا كبيرا، إذ يتبناها الناس تلقائيا بروح من الكرم والتضامن.

ويشرح الترباوي أن الحملة لا تساعد فقط الأسر المعوزة، بل تخفف أيضا العبء عن أصحاب محلات البقالة الذين يتكبدون خسائر بسبب الديون غير المسددة، قائلا: "البقال يمنح الدَّين بناء على الثقة، لكنه أحيانا ينتظر طويلا دون أن يحصل على مستحقاته، بينما الفقير قد يشعر بالإحراج الشديد من العودة للمحل".

أما عن سبب ربط الحملة بشهر رمضان، فيوضح الترباوي أن رمضان هو شهر العطاء والتكافل، والمغاربة كرماء بطبعهم. مردفا "ما نقوم به ليس اختراعا، فلطالما كان الناس يسددون ديون الآخرين سرا، نحن فقط أضفنا عنصر التحدي ليكون الأمر أكثر انتشارا وحماسا".

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحملة تتطور عاما بعد عام، قائلا: "نطمح إلى أن نصل يوما إلى مستوى لا يعود فيه أحد محتاجا للديون أصلا، لكن حتى ذلك الحين، سنواصل تطوير المبادرة، وربما نوسعها لتشمل مجالات أخرى مثل الصيدليات، لأن معاناة الفقراء لا تقتصر على الغذاء فقط".