وقفة احتجاجية لعائلات المعتقلين بسوريا والعراق
وقفة احتجاجية لعائلات المعتقلين بسوريا والعراق

ناشدت "تنسيقية عائلات المغاربة العالقين والمعتقلين بسوريا والعراق" السلطات المغربية، لإعادة المواطنين المسجونين في العراق، في أعقاب افتتاح سفارة الرباط لدى بغداد بعد سنوات من الإغلاق، وإعلان البلدين تعزيز تنسيقهما وتعاونهما الأمني.

وجددت "تنسيقية العائلات" مطالباتها السلطات المغربية بترحيل أقاربها القابعين وراء القضبان في العراق، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية المغربي وإعادة افتتاح السفارة المغربية، حيث كان غياب تمثيلية دبلوماسية للرباط في بغداد عقبة أساسية تواجه إجراءات إعادتهم.

وقال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة خلال زيارته إلى بغداد، الأسبوع الماضي، إن افتتاح السفارة المغلقة منذ 18 عاما "إشارة مهمة بثقة المغرب في العراق الجديد"، مشيرا إلى أن لقاءه مع نظيره العراقي فرصة لتقوية العلاقات بين البلدين وتبادل الزيارات والخبرات بين الطرفين ومحاربة التطرف وتعزيز التعاون الأمني.

ومنذ عام 2011، التحق 1659  مغربيا بالحركات الإرهابية المختلفة بسوريا والعراق، انضم أغلبهم إلى "داعش" (1060)، فيما انخرط آخرون مع تنظيمات "القاعدة" و "النصرة"  أو تنظيمات أخرى أقل شهرة، وإلى حدود عام قبل 2021 عاد منهم 345 مقاتلا.

وكشفت وزارة الداخلية المغربية في تقرير  لها شهر نوفمبر الماضي، أن عدد المحتجزين المغاربة بمخيمات سوريا والعراق ولدى الأكراد، يبلغ 277 شخصا، بينهم 182 طفلا.

وأوضح التقرير الرسمي، أن من بين هؤلاء الأسرى، 65 رجلا و30 امرأة، إضافة إلى 182 طفلا، 17 منهم غير مرفقين بوالديهم، مشيرا إلى أن مصالح الداخلية تتابع أوضاعهم بتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية.

وسبق للجنة برلمانية أن قدمت في عام 2021 تقريرا رسميا، سلط الضوء على الأوضاع الصعبة والخطيرة التي يعيشها مغاربة سوريا والعراق، خصوصا النساء والأطفال.

وأوصى التقرير بـ"إصدار قوانين إطار وقوانين تضع الإطار التشريعي لمعالجة الأوضاع الخاصة والاستثنائية التي يوجد فيها الأطفال والنساء المغاربة العالقون في بؤر التوتر في سوريا والعراق، من أجل تسهيل عملية إرجاعهم بشكل سريع".

كما دعا التقرير البرلماني، السلطات إلى العمل في أقرب وقت من أجل التوقيع على مشاريع اتفاقيات التعاون القضائي والقانوني مع العراق لتسهيل عملية نقل الأشخاص المحكوم عليهم بين البلدين.

"معاناة وأمل"

مريم زبرون الكاتبة العامة للتنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين المغاربة في سوريا والعراق، تقول إن خبر إعادة افتتاح السفارة "يبعث الأمل في نفوس جميع العائلات التي تتمنى أن تكون هذا الخطوة بداية نحو إنهاء الأوجاع وحل هذا الملف الشائك".

ولفتت المتحدثة  في تصريح لموقع "الحرة"، إلى ما اعتبرته "معاناة المعتقلين المغاربة في السجون العراقية من مشاكل سوء التغذية وغياب التطبيب والأدوية وانتقال الأمراض بين السجناء".

وأكدت زبرون أن المطلب الرئيسي للتنسيقية منذ تأسيسها يتمثل في "إعادة أبنائنا إلى أرض الوطن ومحاكمتهم داخل بلدهم"، مضيفة أن عائلات المعتقلين بالعراق، تطمح أن يسرّع  افتتاح السفارة المغربية في بغداد وثيرة ترحيلهم ولم شملهم مع أسرهم.

وتتراوح الأحكام الصادرة في حق المغاربة المعتقلين في العراق بين المؤبد والإعدام، ومن بين هؤلاء السجناء من قضوا مددا سجنية تفوق 18 سنة بتهم الارتباط بتنظيم القاعدة، في حين، أن أغلب النساء المعتقلات حديثات الالتحاق نسبيا بالعراق، بحسب التنسيقية.

وأوضحت المتحدثة، أن التنسيقية، تطالب بعودة الجميع وفق الطريقة التي ترى الجهات الوصية أنها مناسبة، إما على شكل دفعات تبدأ بالنساء والشباب الذين ليس لديهم تعقيدات في وثائقهم كالذين لم يتزوجوا هناك مثلا أو لم ينجبوا هناك..

وبخصوص مصير الحوار الذي كانت فتحته السلطات المغربية مع التنسيقية، أشارت زينون بأسف إلى أن عائلات العالقين والمعتقلين، "تلقت وعودا بتسوية الملف لكن لحد الآن لم نلمس ولا مبادرة فعلية، في الوقت الذي نتابع فيه تحرك العديد من الدول التي قامت بإعادة مواطنيها من النساء والأطفال".

"العودة مطلب حقوقي"

رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، يؤكد أن مطلب ترحيل المغاربة المتواجدين وراء القبضان بالعارق "يبقى مطلبا حقوقيا ثابتا"، مشيرا إلى  أنهم مواطنون مغاربة، "يسري عليهم ما يسري على كافة المواطنين الذين تورطوا في جرائم الإرهاب داخل أو خارج الحدود الوطنية".

ويبرز الخضري في تصريح لموقع "الحرة"، أن هذا الملف الحساس يحتاج تنسيقا أمنيا وقضائيا بين الدولتين المغربية والعراقية، من أجل العمل على ترتيب ترحيلهم إلى المغرب وإعادة محاكمتهم من جديد طبقا للقوانين المغربية، المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

وتبنى المغرب في 2015 قانونا جديدا لمواجهة ظاهرة المتطرفين العائدين من بؤر التوتر ينص على عقوبات بالسجن تتراوح بين 10 إلى 15 سنة. 

وفي سياق متصل، يوضح المتحدث ذاته، أن إعادة فتح تمثيلية دبلوماسية ببغداد، أعاد الأمل إلى مئات الأسر المغربية، ليس فقط التي يوجد ذويها في السجون العراقية، بل أيضا لمواطني البلدين الذين واجهوا في ظل الوضع السابق مجموعة من المشاكل بسبب تعقيد الإجراءات القنصلية بين البلدين، خاصة فيما يرتبط بالزواج المختلط بين العراقيين والمغاربة.

"تهديدات أمنية"

وتمثل عودة المقاتلين في صفوف التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق وبمنطقة الساحل "أحد أهم التحديات التي تواجهها المملكة"، بحسب الداخلية المغربية التي اعتبرت أن من بين هؤلاء المتطرفين "من يسعون إلى التسلل إلى بلدانهم الأصلية بغية تنفيذ عمليات إرهابية".

الخبير في الشؤون الأمنية، إحسان الحافظي، يبرز أن ملف عودة المغاربة العالقين في السجون العراقية لتورطهم في علاقات بتنظيمات إرهابية، ينطوي على مجموعة من التهديدات والتحديات الأمنية التي تواجه المصالح الأمنية المغربية.

عن طبيعة هذه التحديات، يوضح الحافظي في تصريح لموقع "الحرة"، أنها ترتبط أساسا بصعوبة تحديد البيانات الجنائية الخاصة بهؤلاء المقاتلين، خاصة أن المغرب ظل دائما على أجندة أهداف التنظيمات الارهابية بسبب مشاركته في الحرب ضد الإرهاب على الصعيد الاقليمي وكذا تعاونه الأمني سواء مع دول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة".

ويعمل المغرب على تدبير ملف مغاربة داعش في السجون العراقية والكردية، من خلال استراتيجية تقوم على تمييز أسر وأبناء المقاتلين عن آبائهم الذين شاركوا فعليا في ارتكاب جرائم ارهابية فوق التراب العراقي، بحسب الخبير الأمني.

ويلفت الحافظي إلى أن هذه الاستراتيجية تقتضي الكثير من الحيطة في ضبط سجلات المقاتلين وظروف التحاقهم ومدى تشبع مرافقيهم بالفكر المتطرف خلال فترة تواجدهم في بؤر التوتر، مبرزا أن هذا "يقتضي عملا استخباراتيا دقيقا يقوم على جمع البيانات الشخصية والاستعلام عن طبيعة الأنشطة التي تورط فيها هؤلاء المغاربة وعائلاتهم منذ التحاقهم بصفوف تنظيم داعش".

من جهة أخرى، يشير الخبير الأمني إلى ما اعتبرها "المخاوف المشروعة للمصالح الأمنية المغربية من وجود بعض "الانغماسيين" وسط صفوف الراغبين في العودة إلى المغرب"، مبرزا أن هذه الاستراتيجية "تبقى تهديدا حقيقيا ورادا".

حملة لسداد ديون الأسر المعوزة المسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) عند محل البقالة
صورة أرشيفية لسوق شعبي في المغرب (تعبيرية)

"لم أتمالك نفسي.. بكيت من شدة الفرح عندما أخبرني البقال أن ديني قد تم سداده بالكامل"، هكذا تروي خديجة (56 عاما)، الأرملة التي تعيش بأحد الأحياء الشعبية بمدينة القنيطرة قرب العاصمة الرباط، قصتها مع حملة "تحدي الكارني".

تشجع تلك المبادرة التضامنية المشاركين فيها على سداد ديون الأسر التي تعاني الحاجة لدى محلات البقالة، عبر تسوية مبالغ مسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) وفق إمكانياتهم، ويتحدى كل مشارك 5 أشخاص آخرين للقيام بالمثل ومشاركتهم في الحملة.

بعد وفاة زوجها، تحملت خديجة وحدها مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة من دخلها المتواضع في تنظيف البيوت، لكن عدم استقرار عملها جعلها تلجأ إلى دفتر الديون لدى البقال لتوفير احتياجاتها الأساسية، حتى تراكم عليها مبلغ 800 درهم (حوالي 80 دولارا)، وأصبحت تخجل من دخول المحل.

وصفت خديجة في حديثها لموقع "الحرة" شعورها عندما طُلِب منها التوجه للبقال، قائلة: "شعرت بالخوف والتوتر، ظننت أنه سيطالبني بالسداد، وأنا لا أملك درهما واحدا. كنت أفكر طوال الطريق فيما سأقوله له، لكن المفاجأة كانت أكبر مما تخيلت. أخبرني أن شخصا مجهولا سدد عني الدين، دون أن يكشف عن هويته".

 وأضافت الأرملة وهي تغالب دموعها: "لم يكن الأمر مجرد إغلاق حساب، بل شعرت أن هناك من يفكر فينا، من يساعدنا دون أن نطلب. إنها لحظة لن أنساها ما حييت، لأنها أعادت إلي الأمل وسط هذا الغلاء القاتل".

وختمت خديجة حديثها بدعوة الجميع لدعم هذه الحملة، قائلة: "أتمنى أن يستمر (تحدي الكارني) كل عام، لأن هناك الكثير من الأمهات مثلي ممن ينتظرن هذه اللفتة الإنسانية في صمت".

"عبء ثقيل"

"هناك من يبقى مدينا لي لأكثر من عام.. وبعض الزبائن لم يعودوا يجرؤون على دخول المحل من شدة الإحراج"، بهذه الكلمات، يروي يوسف صابيري، صاحب محل بقالة في الدار البيضاء، لموقع "الحرة"، كيف أصبح دفتر الديون عبئا ثقيلا على زبائنه وحتى عليه كتاجر، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد الأسر التي تجد نفسها مضطرة للاستدانة لتوفير حاجياتها الأساسية.

ويضيف صابيري: "معظم من يعتمدون على الكريدي (الاستدانة) هم الأرامل أو العمال الذين يعملون بشكل متقطع، لكن حتى الموظفين أصبحوا يعانون. كيف يمكن لمن يدفع 1500 درهم (150 دولار تقريبا) للإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، أن يكفيه راتبه؟.. الناس في ضيق حقيقي".

ويتابع متحدثا عن أثر الغلاء: "أسعار المواد الأساسية ارتفعت بشكل غير مسبوق، فصار كثيرون يقترضون أكثر من قدرتهم على السداد، وهذا يجعلهم يغيبون عن المحل لأشهر، وأحيانا يغيرون بقالهم حتى لا يواجهوا إحراج الديون المتراكمة".

أما فيما يتعلق بمبادرة "تحدي الكارني"، يقول صابيري مبتسما: "رأيت أشخاصا يبكون من الفرح حين علموا أن ديونهم سددت، بعضهم ظل واقفا مصدوما غير قادر على التصديق. إنها مبادرة تخفف العبء عن الجميع، وأتمنى أن تستمر وتنتشر في كل المدن".

"تطور الحملة"

ومن جانبه، يلخص حمزة الترباوي، أحد منسقي حملة "تحدي الكارني"، النجاح المتزايد لهذه المبادرة في موسمها الرابع، بقوله "كل عام نفاجأ بمدى التفاعل.. والآن صرنا نفرح بدل أن نتفاجأ".

ويضيف، في حديثه لموقع "الحرة"، أن الحملة تتبناها وسائل الإعلام والمؤثرون بشكل واسع، كما أن انتشارها لم يعد يتطلب مجهودا كبيرا، إذ يتبناها الناس تلقائيا بروح من الكرم والتضامن.

ويشرح الترباوي أن الحملة لا تساعد فقط الأسر المعوزة، بل تخفف أيضا العبء عن أصحاب محلات البقالة الذين يتكبدون خسائر بسبب الديون غير المسددة، قائلا: "البقال يمنح الدَّين بناء على الثقة، لكنه أحيانا ينتظر طويلا دون أن يحصل على مستحقاته، بينما الفقير قد يشعر بالإحراج الشديد من العودة للمحل".

أما عن سبب ربط الحملة بشهر رمضان، فيوضح الترباوي أن رمضان هو شهر العطاء والتكافل، والمغاربة كرماء بطبعهم. مردفا "ما نقوم به ليس اختراعا، فلطالما كان الناس يسددون ديون الآخرين سرا، نحن فقط أضفنا عنصر التحدي ليكون الأمر أكثر انتشارا وحماسا".

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحملة تتطور عاما بعد عام، قائلا: "نطمح إلى أن نصل يوما إلى مستوى لا يعود فيه أحد محتاجا للديون أصلا، لكن حتى ذلك الحين، سنواصل تطوير المبادرة، وربما نوسعها لتشمل مجالات أخرى مثل الصيدليات، لأن معاناة الفقراء لا تقتصر على الغذاء فقط".