خلص تقرير معهد بريطاني أن نظرة الطلاب المغاربة تغيرت بشكل إيجابي تجاه اليهود بعد إصلاح برامج التعليم في المملكة وإدراج الثقافة اليهودية فيها.
وقام معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي (IMPACT-se) بمراجعة الكتب المدرسية للطلاب على مدار العقد الماضي، ووجد أنه، منذ 2021، باتت الجالية اليهودية في المغرب "ممثلة بشكل متكرر وبشكل إيجابي".
وفي 2022، أعلنت الرباط أن الملك محمد السادس أقر تشكيل هيئات تنظيمية للطائفة اليهودية المغربية تهدف إلى "تدبير شؤون الطائفة" و"الاعتناء بتراثها اللامادي" بصفته "مكونا" لثقافة المملكة وتعزيز "ارتباط اليهود المغاربة المقيمين في الخارج ببلدهم الأصلي".
ويشير التقرير إلى أن البرامج تقدم اليهود على أنهم "جزء لا ينفصل" عن البلاد.
و"تصف الكتب المدرسية التاريخ والثقافة اليهودية ومساهماتها في المجتمع المغربي"، كما يتم تجنب الصور النمطية المعادية للسامية، وفق التقرير.
يقول الباحث، يوسف منصف، في حديث لموقع "الحرة" إن تغير نظرة الطلاب المغاربة لليهود "لم تأت من فراغ وإنما نتيجة لجهود الدولة في إعادة الاعتبار لهذا المكون المغربي. وذلك بدءا بالتنصيص الدستوري على كون المكون اليهودي جزء من الشخصية المغربية إلى جانب المكونات الأمازيغية والحسانية والأفريقية".
ويشير منصف في حديثه إلى أن الطلبة المغاربة خضعوا لتوجيهات هذه السياسة الجديدة عبر الكتاب المدرسي الذي يمتلئ بشتى صور التسامح بين المسلمين واليهود كما تمت مراجعة العديد من النصوص الإسلامية في مقررات التربية الإسلامية. ساهم كل ذلك، إلى جانب رعاية الدولة للموروث العبري في هذا التمثل الإيجابي عند الطلبة المغاربة.
وفي يناير الماضي، أشاد المشاركون في ندوة نظمت بالدار البيضاء، بمناسبة اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست، بالدور البارز للملك محمد السادس "في نشر قيم السلام والتسامح والحوار بين الديانات، والجهود في الحفاظ على التراث الثقافي والديني اليهودي المغربي وتعزيز إشعاعه".
وخلال الندوة، استحضر سيرج بيرديغو، الأمين العام لمجلس الطوائف اليهودية بالمغرب، الجهود الجبارة التي قام بها الملك الراحل "محمد الخامس الذي وقف في وجه حكومة فيشي عندما كان المغرب تحت الاحتلالين الفرنسي والإسباني".
وقال سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى المغرب، بونييت تالوار، إن الملك محمد الخامس استطاع أن يقف في وجه النازية ويحمي اليهود المغاربة خلال هذه الفترة العصيبة من التاريخ، مضيفا أن الأمر ذاته استمر مع الحسن الثاني، وصاحَب الملك محمد السادس.
ومن جانبها، عبرت ألونا فيشر كام رئيسة مكتب الاتصال الإسرائيلي بالنيابة في الرباط، عن اعتزازها بالمشاركة في الندوة التي تحيي ذكرى ضحايا الهولوكوست التي تشكل بالنسبة إليها مناسبة لاستحضار هذه المعاناة حتى يتم التحسيس بمخاطر الكراهية والعنصرية.
الرافد العبري في الثقافة المغربية
ويقول التقرير إن التسامح موضوع متكرر في المناهج الدراسية، ويتم تقديم ذلك للطلاب بربطه بحقوق الإنسان العالمية، والثقافة الإسلامية والهوية المغربية.
وتصف الكتب المدرسية الحياة في الأحياء اليهودية بالتفصيل وتسلط الضوء على الجهود الحكومية الحالية للحفاظ على التراث اليهودي والمساهمة اليهودية في الثقافة المغربية والاقتصاد أيضا.
ويقول منصف يوسف إن هناك معطى أنثربولوجيا يتمثل في تعايش المغاربة المسلمين مع اليهود المغاربة عبر أجيال تاريخية طويلة، وقد كان المهنيون اليهود مثل الصاغة والخياطين والعطارين وغيرهم يعملون في البوداي المغربية، ويتنقلون بينها بكل حرية، وما زالت مقابرهم ماثلة لليوم في العديد من مناطق الجنوب الشرقي.
ويعود وجود اليهود في المغرب لأكثر من ألفي سنة وتعزز جراء تدفق اللاجئين القادمين بشكل خاص من الأندلس خلال الاسترداد الكاثوليكي في القرن الخامس عشر.
وأدت النزاعات العربية الإسرائيلية المتتالية والدعوات للهجرة إلى إسرائيل ومغادرة العديد منهم إلى فرنسا وكندا إلى تراجع تواجدهم في المغرب.
إحقاق للحق
ويرى الإعلامي، عبد العزيز كوكاس، أن إدخال الموروث العبري في المناهج التربوية هو تجسيد لما ذكر بدستور عام 2011، بكونه من المكونات الأساسية للهوية المغربية.
ويقول كوكاس إن هذا الاعتراف هو "إحقاق للحق وتنزيل لبند دستوري أساسي".
ولذلك بعد 12 سنة، يقول كوكاس، من دسترة الرافد العبري باعتباره جزءا من مكونات الأمة المغربية جاء بند التنصيص على الموروث اليهودي في المناهج التربوية.
ويؤكد كوكاس أن ما أقدمت عليه وزارة التربية الوطنية هو "نوع من الإنصاف للذاكرة الوطنية، لأن هذا المكون هو مكون أصيل في الهوية المغربية بغض النظر عن الالتباسات الأيديولوجية والسياسية التي رافقت تاريخا معينا".
ويشير كوكاس إلى أنه "لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تشب الأجيال الجديدة دون أن تتعرف على هذا المكون الثقافي.
والعام الماضي، وجه الرئيس الإسرائيلي، إسحق هرتزوغ، كلمة شكر إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس على "الملجأ الآمن" الذي قدمته المملكة لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، في رسالة اطلعت عليها وكالة فرانس برس.
وخلال الحرب العالمية الثانية، عارض محمد الخامس الذي كان مهندس استقلال المغرب في عام 1956، القوانين المعادية لليهود التي أصدرتها حكومة فيشي في فرنسا رافضا "الالتزام" بهذه الإجراءات التي لم يوافق عليها.
يقدّر عدد اليهود المغاربة بنحو ثلاثة آلاف شخص، ومع ذلك يظلون الجالية اليهودية الرئيسية في شمال أفريقيا.
