خُمس إنتاج الكهرباء بالمغرب يأتي من مصادر الطاقة الصديقة للبيئة ـ صورة أرشيفية.
خُمس إنتاج الكهرباء بالمغرب يأتي من مصادر الطاقة الصديقة للبيئة ـ صورة أرشيفية.

تتجه أعين الدول الأوروبية نحو شمس دول أفريقيا الساطعة على مدار العام لتزويد منازل وشركات القارة بالطاقة، مع مساعي القادة الأوروبيين إلى إقامة وتوسعة مشاريع الطاقة الشمسية في دول جنوب المتوسط للتحرر نهائيا من تبعيتها الطاقية لروسيا وتنفيذ أهداف "الانتقال الأخضر".

ويبرز مسؤولون وخبراء أن الحاجة الطارئة للطاقة البديلة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، دفعت المسؤولين الأوروبيين إلى إطلاق مناقشات موسعة مع نظرائهم المغاربيين لإقامة مشاريع للطاقة الشمسية تمد أوروبا بالكهرباء.

ويرى القادة الأوروبيون، بحسب صحيفة "واشنطن بوست"، أن مشاريع الطاقة بالدول المغاربية يمكن أن تكون بديلا استراتيجيا ومناسبا لتأمين كميات كبيرة من الطاقة الخضراء، حيث يمكن لمحطات الطاقة الشمسية  أن تلبي حوالي 15 بالمئة من حاجياتهم من الكهرباء.

"فرص الحرب"

وأوردت الصحيفة أن المغرب يحظى باهتمام خاص من الجانب الأوروبي، بفضل المشاريع التي أطلقها في مجالات الطاقات المتجددة، إضافة إلى عاملي قربه الجغرافي وتوفره على كابلات كهربائية تحت ـ بحرية تربطه بأوروبا عبر مضيق جبل طارق.

وفيما تسعى أوروبا إلى بلوغ أهدافها المناخية الطموحة وقطع تبعيتها الطاقية لروسيا بشكل نهائي، يرى المسؤولون المغاربة من جانبهم المستجدات الحالية كـ"فرصة للترويج لبلدهم كعملاق للطاقة المتجددة"، بحسب الصحيفة الأميركية.

الزميلة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمتخصصة في الطاقة المتجددة في شمال إفريقيا، لورا الكثيري تقول إن  أوروبا في خضم "أزمة حقيقية وتحدي للبحث عن ذاتها في قطاع الطاقة"، غير أنها تؤكد التخلي عن الطاقة الروسية "كان حافز الدول الأوروبية الأكبر للانتقال إلى طاقة أنظف، أكثر من كل مفاوضات المناخ والإجراءات الأخرى".

من جانبه، يؤكد الخبير في مجال التغيرات المناخية والأمن الطاقي، ياسين الزكزوتي، أن الحرب بأوكرانيا دفعت الدول الأوروبية إلى البحث عن شراكات جديدة في المغرب وفي دول المنطقة، من أجل تنويع مزيجها الطاقي الذي كان يعتمد بشكل كبير على الغاز القادم من شرق روسيا.

ويوضح الخبير المغربي في تصريح لموقع "الحرة" ضرورة مساءلة المحرك الأساسي وراء السعي الأوروبي نحو هذه الشراكة، مشيرا إلى ضرورة أن تكون المشاريع التي سيتم إطلاقها "مستدامة ومستمرة لخدمة مستقبل الطرفين، وألا تكون مرتبطة فقط بالتطورات الجيوسياسية الحالية".

شراكة خضراء ومشروع ضخم

ووقع المغرب والاتحاد الأوروبي، العام الماضي، اتفاقية من أجل إقامة "شراكة خضراء"، هي الأولى من نوعها مع بلد من خارج الاتحاد، لتعزيز التعاون بين بروكسيل والرباط في مجالات الطاقات المتجددة ومواجهة الاحتباس الحراري.

وستمكن هذه الشراكة الخضراء الاتحاد الأوروبي والمغرب من التقدم في إنجاز أهدافهما المشتركة المتمثلة في "الانتقال إلى اقتصادات منخفضة الكربون وصامدة أمام تغير المناخ والتحول إلى اقتصاد أخضر، بالإضافة إلى تعزيز الحوار السياسي والتنسيق في مجال الطاقة، وتطوير تعاون ثلاثي مع فاعلين دوليين آخرين من أجل التزام أقوى إزاء أهداف اتفاق باريس.."، بحسب بعثة الاتحاد الأوروبي في المغرب.

وأفادت صحيفة "واشنطن بوست"، بأن المغرب يتوفر بالفعل على محطة رئيسية للطاقة الشمسية، فضلا عن وجود خطط جارية لبناء المزيد، ولذلك يعتبره القادة الأوروبيون شريكا طبيعيا.

محطة الطاقة الشمسية نور 3 بالمغرب

وعام 2016، دشنت المملكة واحدة من أضخم محطات الطاقة الشمسية في العالم، تساهم اليوم في إنتاج إجمالي قدره 1.7 تيراواط في الساعة، ما يلبي احتياجات حوالي 1.7 مليون نسمة من الكهارباء.

ويؤكد خبراء في مجال الطاقات المتجددة على الفرص التي يوفرها المغرب لإقامة مشاريع جديدة للطاقة، بالنظر للظروف الجغرافية والمناخية المناسبة، متمثلة في شمس المملكة التي لا تغيب على مدار العام تقريبا والمساحات الشاسعة من الأراضي التي لا تستغل زراعيا، كما أن ربط البلد بالكابلات البحرية "غير صعب تقنيا ولا باهظ التكلفة" بالنظر لقربه من أوروبا.

في هذا الجانب، يوضح الخبير المغربي، أن المغرب يجذب الجانب الأوروبي بفضل بنيته التحتية المتقدمة في المجال والتي تساهم في تنفيذ هذه المشاريع، إضافة إلى منظومته القانونية التي تسهل إطلاقها، علاوة على بروز مراكز خاصة بالبحث العلمي في المجال.

وبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، تتوفر بلدان شمال أفريقيا على قدرات لإنتاج ما يصل إلى 2792 جيغاوات من الطاقة الشمسية و 223 جيغاوات من طاقة الرياح، وتلفت الكتيري إلى أن ذلك يمكن أن يولد أكثر من ضعفي إنتاج أوروبا من الكهرباء في عام 2021.

آفاق ورهانات

وليست هذه المرة الأولى التي تتطلع فيها أوروبا نحو طاقة شمال أفريقيا الشمسية، حيث سبق أن أطلقت مشروعا لم يكتب له النجاح قبل أزيد من عقد، حمل أهداف توفير حوالي 15 في المائة من احتياجات أوروبا الطاقية باستثمار يصل إلى 436 مليار دولار، غير أنه (المشروع) انهار في نهاية المطاف بسبب الأزمة الاقتصادية التي عرفتها القارة العجوز، وتدفق الوقود الأحفوري الرخيص من روسيا.

وبعد أكثر من عقد من الزمن، يشير محللون إلى أن إطلاق مشاريع الطاقة الطموحة يبقى اليوم "منطقيا أكثر"، بالنظر إلى انخفاض تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية في مقابل ارتفاع الوقود الأحفوري بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

في هذا الجانب، يقول جوناثان والترز، اقتصادي الطاقة المتخصص في منطقة البحر الأبيض المتوسط والمدير السابق في البنك الدولي، إن كمية الكهرباء التي يمكن توليدها من المنطقة "تعتمد بشكل كامل تقريبا على مدى السرعة التي تريدها أوروبا لتزويد إمداداتها من الطاقة النظيفة، مشيرا في حديثه أن "هناك إمكانيات لا محدودة تقريبا".

من جهته، يشير الخبير البيئي عبد الرحيم الكسيري، إلى آفاق التعاون الواعدة بين الجانبين المغربي والأوروبي، والتي ستساهم أزمة الطاقة الحالية في تسريع استغلالها.

ويوضح المتحدث أن هناك توجها من الدول الغربية للاستفادة من إمكانيات إنتاج الطاقات الجديدة بالمغرب، سواء الشمسية والريحية، ما يفرض على الرباط العمل على تسريع إصلاحاته المؤسساتية والقانونية والتقنية لتسهيل هذه الشراكات.

وأشارت "واشنطن بوست" إلى أن تحديات تواجه مزارع الطاقة الشمسية الكبيرة، خاصة مع حاجتها إلى المياه، وهو ما يصعب الحصول عليه في المناطق الصحراوية التي تقام فيها هذه المشاريع، حيث تواجه دول المنطقة توالي مواسم جفاف قاسية.

في هذا السياق، يوضح الزكزوتي ضرورة ملاءمة الخطط والمشاريع المستقبلية للوضع المناخي للمغرب من فترات جفاف موسمية، لافتا في هذا الجانب إلى أهمية تطوير التقنيات التكنولوجية التي من شأنها أن تخفف من استغلال الماء في هذه المشاريع، بالإضافة إلى تعزيز البحث العلمي في المجال.

من جانبه، يشدد الكسيري على ضرورة أن يسعى المغرب للاستفادة من هذه الشركات، من خلال الاتفاق على نقل التكنولوجيات المتقدمة في المجال وتحقيق اندماج اقتصادي أقوى في هذه المجالات، وخلق مناصب شغل، مبرزا أن هذا  "يبقى الرهان والتحدي" الأكبر أمام المملكة.

حملة لسداد ديون الأسر المعوزة المسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) عند محل البقالة
صورة أرشيفية لسوق شعبي في المغرب (تعبيرية)

"لم أتمالك نفسي.. بكيت من شدة الفرح عندما أخبرني البقال أن ديني قد تم سداده بالكامل"، هكذا تروي خديجة (56 عاما)، الأرملة التي تعيش بأحد الأحياء الشعبية بمدينة القنيطرة قرب العاصمة الرباط، قصتها مع حملة "تحدي الكارني".

تشجع تلك المبادرة التضامنية المشاركين فيها على سداد ديون الأسر التي تعاني الحاجة لدى محلات البقالة، عبر تسوية مبالغ مسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) وفق إمكانياتهم، ويتحدى كل مشارك 5 أشخاص آخرين للقيام بالمثل ومشاركتهم في الحملة.

بعد وفاة زوجها، تحملت خديجة وحدها مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة من دخلها المتواضع في تنظيف البيوت، لكن عدم استقرار عملها جعلها تلجأ إلى دفتر الديون لدى البقال لتوفير احتياجاتها الأساسية، حتى تراكم عليها مبلغ 800 درهم (حوالي 80 دولارا)، وأصبحت تخجل من دخول المحل.

وصفت خديجة في حديثها لموقع "الحرة" شعورها عندما طُلِب منها التوجه للبقال، قائلة: "شعرت بالخوف والتوتر، ظننت أنه سيطالبني بالسداد، وأنا لا أملك درهما واحدا. كنت أفكر طوال الطريق فيما سأقوله له، لكن المفاجأة كانت أكبر مما تخيلت. أخبرني أن شخصا مجهولا سدد عني الدين، دون أن يكشف عن هويته".

 وأضافت الأرملة وهي تغالب دموعها: "لم يكن الأمر مجرد إغلاق حساب، بل شعرت أن هناك من يفكر فينا، من يساعدنا دون أن نطلب. إنها لحظة لن أنساها ما حييت، لأنها أعادت إلي الأمل وسط هذا الغلاء القاتل".

وختمت خديجة حديثها بدعوة الجميع لدعم هذه الحملة، قائلة: "أتمنى أن يستمر (تحدي الكارني) كل عام، لأن هناك الكثير من الأمهات مثلي ممن ينتظرن هذه اللفتة الإنسانية في صمت".

"عبء ثقيل"

"هناك من يبقى مدينا لي لأكثر من عام.. وبعض الزبائن لم يعودوا يجرؤون على دخول المحل من شدة الإحراج"، بهذه الكلمات، يروي يوسف صابيري، صاحب محل بقالة في الدار البيضاء، لموقع "الحرة"، كيف أصبح دفتر الديون عبئا ثقيلا على زبائنه وحتى عليه كتاجر، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد الأسر التي تجد نفسها مضطرة للاستدانة لتوفير حاجياتها الأساسية.

ويضيف صابيري: "معظم من يعتمدون على الكريدي (الاستدانة) هم الأرامل أو العمال الذين يعملون بشكل متقطع، لكن حتى الموظفين أصبحوا يعانون. كيف يمكن لمن يدفع 1500 درهم (150 دولار تقريبا) للإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، أن يكفيه راتبه؟.. الناس في ضيق حقيقي".

ويتابع متحدثا عن أثر الغلاء: "أسعار المواد الأساسية ارتفعت بشكل غير مسبوق، فصار كثيرون يقترضون أكثر من قدرتهم على السداد، وهذا يجعلهم يغيبون عن المحل لأشهر، وأحيانا يغيرون بقالهم حتى لا يواجهوا إحراج الديون المتراكمة".

أما فيما يتعلق بمبادرة "تحدي الكارني"، يقول صابيري مبتسما: "رأيت أشخاصا يبكون من الفرح حين علموا أن ديونهم سددت، بعضهم ظل واقفا مصدوما غير قادر على التصديق. إنها مبادرة تخفف العبء عن الجميع، وأتمنى أن تستمر وتنتشر في كل المدن".

"تطور الحملة"

ومن جانبه، يلخص حمزة الترباوي، أحد منسقي حملة "تحدي الكارني"، النجاح المتزايد لهذه المبادرة في موسمها الرابع، بقوله "كل عام نفاجأ بمدى التفاعل.. والآن صرنا نفرح بدل أن نتفاجأ".

ويضيف، في حديثه لموقع "الحرة"، أن الحملة تتبناها وسائل الإعلام والمؤثرون بشكل واسع، كما أن انتشارها لم يعد يتطلب مجهودا كبيرا، إذ يتبناها الناس تلقائيا بروح من الكرم والتضامن.

ويشرح الترباوي أن الحملة لا تساعد فقط الأسر المعوزة، بل تخفف أيضا العبء عن أصحاب محلات البقالة الذين يتكبدون خسائر بسبب الديون غير المسددة، قائلا: "البقال يمنح الدَّين بناء على الثقة، لكنه أحيانا ينتظر طويلا دون أن يحصل على مستحقاته، بينما الفقير قد يشعر بالإحراج الشديد من العودة للمحل".

أما عن سبب ربط الحملة بشهر رمضان، فيوضح الترباوي أن رمضان هو شهر العطاء والتكافل، والمغاربة كرماء بطبعهم. مردفا "ما نقوم به ليس اختراعا، فلطالما كان الناس يسددون ديون الآخرين سرا، نحن فقط أضفنا عنصر التحدي ليكون الأمر أكثر انتشارا وحماسا".

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحملة تتطور عاما بعد عام، قائلا: "نطمح إلى أن نصل يوما إلى مستوى لا يعود فيه أحد محتاجا للديون أصلا، لكن حتى ذلك الحين، سنواصل تطوير المبادرة، وربما نوسعها لتشمل مجالات أخرى مثل الصيدليات، لأن معاناة الفقراء لا تقتصر على الغذاء فقط".