قوات أمن مغربية.. لقطة أرشيفية
قوات أمن مغربية.. لقطة أرشيفية

جاءت واقعة الاعتداء على شاب نتيجة "استضافته فتاة لا تربطه بها علاقة رسمية"، لتعيد قضية "تطبيق شرع اليد للواجهة" في المغرب، بينما تحدث حقوقيون لموقع "الحرة" عن "مادة قانونية مثيرة للجدل" تمكن البعض من "إنفاذ القانون بأنفسهم".

وتداول نشطاء على نطاق واسع فيديو يوثق الاعتداء على شاب أمام مدخل إحدى الإقامات السكنية بالعاصمة المغربية الرباط، نتيجة "شكوك بشأن استضافته شابة لا تعرف طبيعة العلاقة التي تربطه بها"، وفقا لموقع "هسبريس" المغربي.

وأظهر الفيديو الشاب بينما يتعرض للضرب من طرف 3 أشخاص، فيما وثقت مرافقته الحدث عبر تصويره، الأمر الذي دفع السلطات الأمنية إلى التفاعل مع الواقعة وفتح تحقيق لكشف ملابسات الاعتداء، وفقا لموقع "لوسيت أنفو بالعربية".

عودة "شرع اليد"؟

تعيد الواقعة للواجهة قضية الوصاية التي يمارسها أفراد بالمجتمع بشكل يتعارض مع القانون أو ما يعرف بـ"قضاء الشارع" أو "شرع اليد"، وفقا لعضوة ائتلاف 490 المطالب بإلغاء تجريم العلاقات الرضائية في المغرب، كريمة رشدي.

وفي حديثها لموقع "الحرة"، تشير إلى أن جيران الشاب اعتدوا عليه بعدما شاهدوه رفقه شابة رغم كونه "أعزب".

و"قضاء الشارع" قضية اجتماعية متمثلة في قيام الأفراد أو الجماعات باقتضاء حقوقهم بأنفسهم، أو القصاص لحقهم، أو للحق العام، بأيديهم دون انتظار تدخل مؤسسات الدولة الشرطية والقضائية منها، ويطلق عليه في المغرب أيضا "شرع اليد".

وسأل الجيران الشاب عن طبيعة علاقته بالشابة وعندما رفض الإفصاح عن ذلك "اعتدوا عليه بالضرب"، والأمن حاليا يبث في القضية، وفقا لحديثها.

وتتحدث رشدي عن تخوفات حقيقة من "سيادة شرع اليد" بعد الواقعة، وتقول "هناك قانون يجرم العلاقات الرضائية بين الراشدين والناس يستندون إليه للاعتداء على الآخرين".

ومن جانبه يوضح رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، أن "شرع اليد" سلوك مشين ومجرم قانونا ولا يوجد له "أي مشروعية ولا تبرير".

ويعتبر أن اعتداء البعض على شاب من تلقاء أنفسهم "جريمة" يجب أن يخضع فاعلوها للعقاب، ولا يوجد لديهم "صفة" ولا يخول لهم القانون "ممارسة الشرع بيدهم"، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ماذا يقول القانون المغربي؟

ولا يعاقب القانون الجنائي بالمغرب على تواجد رجل وامرأة في منزل أو شقة وانفراد بعضهما بالبعض، وفقا للمحامي المغربي، محمد ألمو.

وفي منشور عبر حسابه بموقع "فيسبوك"، قال إن القانون بشكل عام لا يمنع عليهما العيش معا تحت سقف واحد، سواء كان مسكنهما ملكا، أو على وجه الكراء (الإيجار).

حادثة المهندس ومفهوم حالة التلبس الجنسي القانون الجنائي لا يعاقب على تواجد رجل وامرأة في منزل او شقة وانفراد بعضهما...

Posted by ‎محمد المو‎ on Friday, May 26, 2023

ولا يشكل هذا الوضع قرينة على ارتكابهما لجريمة "الفساد"، لأن ذلك لا يتحقق إلا بقيام "الفعل الجنسي"، حسب الفصل ٤٩٠ من القانون الجنائي بالبلاد.

ويجب أن يكون ذلك موضوع الإثبات المحدد حصرا في حالات "التلبس، واعتراف تضمنته أوراق أو مكاتب صادرة عن المتهم، واعتراف قضائي"، وذلك بمقتضى الفصل 493 من القانون الجنائي، وفقا لمنشور المحامي.

وأكد أن "قانون المسطرة الجنائية"، يسمح بشكل استثنائي، بمقتضى المادة 76، لأي شخص بضبط الفاعل وتقديمه لضابط الشرطة القضائية في حالة التلبس بارتكاب جنحة أو جناية يعاقب عليها بالحبس.

وأشار لصعوبة تحقيق تلك في جريمة الفساد نظرا لتشدد المشرع في وسائل إثباتها ولصعوبة رصد الأشخاص لحالة التلبس، ماعدا في الحالات التي يتم فيها ضبط الفاعل وهو يمارس الجنس بشكل ظاهر للجمهور.

وحسب حديثه فإن "تواجد رجل وامرأة في منزل لا يبرر للأفراد اقتحام المنزل ولا محاصرته ولا منعهما من المغادرة لأنهم لم يعاينوا بشكل مباشر حالة التلبس الجنسي".

فصل قانوني مثير للجدل؟

تشير كريمة رشدي في حديثها للفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، الذي يلجأ إليه البعض لتطبيق "شرع اليد"، وفقا لحديثها.

ويتم تطبيق هذا القانون "بشكل انتقامي" عبر تدخل بعض الأشخاص في "الحياة الشخصية للآخرين والتحكم بتصرفاتهم حتى داخل بيوتهم"، على حد تعبيرها.

وتوضح أن التطبيق لـ"شرع اليد" يستمد "المشروعية" من سريان الفصل ٤٩٠ من القانون الجنائي المغربي، نظرا لـ"تجسسه على الناس في بيوتهم وغرف نومهم"، على حد قولها.

لكن على جانب آخر، يرى عبد الإله الخضري، أنه لا توجد أي علاقة بين "الفصل ٤٩٠ من القانون الجنائي"، وبين تبرير تطبيق "شرع اليد".

ويرى أن العقاب من اختصاص القضاء وليس الشارع، وفيما يتعلق بـ"العلاقات الرضائية" ينبغي تعديل القانون لكن بتوسيع دائرة النقاش المجتمعي للحيلولة دون "مرور رأي إيدلوجي دون آخر"، وفقا لحديثه.

ويقول "نحن لسنا ضد إعادة النظر في قانون تجريم العلاقات الرضائية، لكننا نرفض سيطرة رأي واحد على تعديلات القانون".

ويجب مناقشة تعديلات القانون بشكل عميق على نحو "يحمي الحقوق والحريات ويمنع فرض الوصاية على الناس، لكنه يحافظ على قوام الأسرة من التخريب وانتشار الفوضى".

مخاوف مجتمعية؟

يوضح عبد الإله الخضري أن من حق "المتضرر من العلاقات الرضائية" اللجوء للقضاء، دون تطبيق "شرع اليد بنفسه".

وفي حالات الخيانة الزوجية أو التغرير بقاصر، يمكن للمتضرر التوجه للقضاء لتطبيق القانون، وفقا لحديثه.

ويشير إلى أن "شرع اليد" لا يرقى ليمثل ظاهرة خطيرة، وأن ما يحدث من جرائم هو "حالات فردية غير منهجية"، يتعاطى معها القضاء.

لكن على جانب آخر، تري كريمة رشدي أن الفصل 490 من القانون الجنائي، يفتح الباب لـ"سيادة تطبيق شرع اليد"، مما سيؤدي إلى "التسيب داخل المجتمع".

وتقول" رغم وجود هذا الفصل في القانون الجنائي فليس من حق الناس إنفاذه بأنفسهم، لكنهم في الحقيقة يفعلون ذلك".

ولذلك تطالب رشدي بـ"إلغاء الفصل 490 من القانون المغربي، لكونه يفتح الباب أمام الانفلات في تطبيق شرع اليد".

مدارس في المغرب تحولت إلى مسرح للعنف ضد الأساتذة (Reuters)
مدارس في المغرب تحولت إلى مسرح للعنف ضد الأساتذة (Reuters)

"كُسرت ذراعي داخل المدرسة، على يد تلميذ، أمام الجميع"، بهذه العبارة يلخص الأستاذ محمد (39 سنة) حجم العنف الذي تعرض له داخل مؤسسة تعليمية بمدينة "تيفلت" في ضواحي العاصمة الرباط، حين تحوّل من مربٍ إلى ضحية.

يروي محمد لموقع "الحرة"، أن الحادث وقع عندما كان يزاول مهامه كالمعتاد داخل الصف، قبل أن يخرج منه بعد سماع ضجة، فطلب من تلميذ الابتعاد إلا أن الشاب كان في حالة غير طبيعية، فانقض عليه فجأة ووجه له ضربة قوية تسببت في كسر بذراعه.

حضرت الشرطة إلى عين المكان، وتم توقيف التلميذ الذي كان تحت تأثير الحبوب المهلوسة "القرقوبي" فورا، فيما نقل الأستاذ إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الأولية.

ورغم تقديمه شكوى، إلا أن محمد قرر لاحقا التنازل عنها مراعاة لمستقبل التلميذ، كما قال، مؤكدا أنه فعل ذلك عن قناعة، رغم "شعوره العميق بالخذلان من المؤسسة التي لم تقدم له أي سند أو دعم قانوني أو نفسي".

بعد 11 عاما من الممارسة التعليمية، أقر محمد أن تلك الحادثة غيرت نظرته للمهنة، وبات اليوم يدخل القسم وقد تسرب الخوف إلى قلبه. "لم أعد أرى نفسي أستاذا، بل هدفا سهلا في ساحة بلا حماية، حيث كلمة واحدة قد تكلّفك عاهة أو حتى حياتك".

"لا أشعر بالأمان"

وغير بعيد عن تيفلت، تحكي ابتسام (34 سنة) التي تدرس الرياضيات بمدينة سلا منذ ست سنوات، أنها تعرضت للتهديد والاعتداء الجسدي من تلميذة في المستوى الأولى ثانوي، أثناء حصتها دراسية بالمؤسسة التعليمية، حيث حاولت التلميذة ضربها بالكتف بسبب خلاف على سلوكها داخل الفصل.

⁠وتقول ابتسام في حديث لموقع "الحرة"، "في لحظة الاعتداء، كانت التلميذة تجلس بشكل مستفز على الطاولة، وعندما نبهتها لرفع قدميها، انفجرت في وجهي بكلمات تتضمن شتائما وتحقيرا وتهديدا علنيا أمام الجميع، فاستدعت شقيقتها التي بدأت تهددني هي الأخرى بطرق غير لائقة أمام التلاميذ".

تقدمت ابتسام بشكوى لدى السلطات الأمنية بعد أن شعرت بأن التهديدات أصبحت أكثر جدية، وأن الوضع قد ينقلب إلى خطر حقيقي. ورغم التزامها بالقانون وطلبها للعدالة، فإن الألم النفسي لا يزال يعشش في قلبها، وقد تأثرت حياتها بشكل كبير بسبب هذه الحادثة. بحسب تعبيرها.

اليوم، ابتسام تجد صعوبة في التفاعل مع أي تلميذة أخرى، وتشعر بقلق دائم. "كيف لي أن أكون في بيئة تعليمية، وأنا لا أشعر بالأمان؟" تساءلت بحسرة وأسى. حيث أصبحت حياتها اليومية مليئة بالترقب والخوف من مواجهة أي مواقف مشابهة قد تعيدها إلى نفس الحالة التي عاشتها.

"شروع في القتل"

ويروي يوسف وهو مدير ثانوية تأهيلية بإقليم خنيفرة، تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له على يد تلميذ في يوم الخميس الماضي. حيث أوضح أنه تم استدعاء التلميذ بسبب تورطه في أعمال تخريبية داخل المؤسسة، ولكنه رفض التعاون مع الإدارة، مما أدى إلى تصاعد الموقف وتحول إلى مشادة كلامية بينه وبين الحارس العام.

ويضيف المدير أنه عندما حاول التدخل لتهدئة الموقف، تزايد التلميذ في التصرفات العدوانية ورفض الاستماع، ليقوم بعدها برشقه بحجرين في ساحة المدرسة، مما أسفر عن ضربة قوية على رأسه أفقدته الوعي مباشرة.

ويصف يوسف الحادث قائلا: "الضربة كانت شديدة لدرجة أنها كانت بمثابة محاولة قتل، لولا الألطاف الإلهية كان من الممكن أن تودي بحياتي".

تم نقل المدير إلى المستشفى حيث تبين أنه تعرض لكسر في الجمجمة، مما استدعى إجراء عملية جراحية. ورغم تحسن حالته، أكد أنه "لا يزال يعاني من آلام شديدة بسبب شدة الضربة". معتبرا أن الحادث "شروع في القتل" بسبب خطورة الاعتداء.

وأشار المدير إلى أن التلميذ لا يزال فارا، وأن السلطات المحلية قد أصدرت مذكرة بحث ضده. وفي ختام تصريحه، شدد يوسف على ضرورة تدخل السلطات المعنية لإعادة هيبة المدرسة ووقف انتشار هذه الظاهرة العنيفة التي تهدد الأمن داخل المؤسسات التعليمية.

"ظروف صعبة"

تتقاطع قصص العنف المدرسي لكل من ابتسام ومحمد ويوسف مع عشرات الحوادث العنيفة التي شهدتها مدارس المغرب في الآونة الأخيرة وأثارت جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث كان ضحاياه الأساتذة والكوادر التعليمية.

هذه الحوادث أظهرت تنامي ظاهرة العنف في المؤسسات التعليمية، وهو ما أكده "المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين" في بيان له، مما يثير تساؤلات حول كيف فقدت المدرسة هيبتها؟ وأين الخلل في علاقة التلميذ بالأستاذ؟ وما هي الحلول التي من خلالها يمكن إعادة التوازن لقيم الاحترام والانضباط داخل المؤسسات التعليمية.

وفي رده على هذه التساؤلات، يوضح رئيس "المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين"، محمد الدرويش، أن تنامي حالات العنف في المؤسسات التعليمية يعود إلى عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وتربوية. مؤكدا أن الظروف الصعبة التي يعيشها العديد من التلاميذ، مثل الفقر وضعف الاستقرار الاجتماعي، تساهم في انتشار هذا السلوك العدواني.

ويتابع الدرويش حديثه لموقع "الحرة"، أن "العنف ليس تصرفا فرديا، بل نتيجة لغياب التأطير الاجتماعي والتربوي السليم". مشيرا إلى أن "الظروف النفسية والاجتماعية للأساتذة والتلاميذ تؤدي إلى تفشي هذه الاعتداءات، مما يؤثر على الأداء التعليمي".

وبشأن الحلول، يدعو الدرويش إلى ضرورة تحسين الظروف الاجتماعية والتعليمية للأساتذة والتلاميذ على حد سواء مع إعادة التربية على احترام الآخر داخل المدارس، مطالبا بتعديل المناهج الدراسية لتشمل مواد تساهم في تعزيز الوعي بالقيم الإنسانية والاختلاف وتحقيق بيئة مدرسية آمنة وصحية.

"التركيز على النقطة"

ومن جانبه، يؤكد الأخصائي المغربي في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، أن العنف المدرسي ضد الأساتذة ليس مجرد تصرفات فردية بل هو نتيجة لبنية مهيكلة داخل المؤسسات الاجتماعية. موضحا أن غياب الوعي الكافي بمشكلة العنف وعدم الاعتراف بها يزيد من تفشي هذه الظاهرة.

ويشير بنزاكور في تصريح لموقع "الحرة"، إلى أن المسؤولية الكبرى في العنف بين التلميذ والأستاذ تقع على وزارة التربية الوطنية، معتبرا أن "العلاقة بين الطرفين تأثرت بفقدان الاحترام وأن التركيز على النقطة (الدرجات) بدلا من التربية يعمق الفجوة بينهما".

وذكر بنزاكور أن "وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الجيل الحالي يركز على الاستهلاك والمتعة دون جهد، ما يعزز الرغبة في الحصول على ما يريد دون استحقاق". مردفا أن "هذا التوجه يقود الشباب إلى العنف، في غياب القيم الأخلاقية الأساسية".

ويدعو الأخصائي المغربي إلى ضرورة إعادة بناء العلاقة النبيلة بين المعلم والتلميذ، مشددا على أهمية استرجاع البعد التربوي والأخلاقي. كما نوه بضرورة إعادة تفعيل دور جمعية الآباء لتحسين التواصل بين الأسرة والمدرسة.