يعزز المغرب استثماراته في مشروعات إنتاج "الأمونيا الخضراء" ضمن استراتيجية لتعزيز صادرات الأسمدة والفوسفات منخفضة الكربون ودعم مجالات الصناعة والزراعة، بينما يكشف خبراء لموقع "الحرة" أسباب توجه المملكة للاستثمار في الطاقة المتجددة، وتأثير ذلك على اقتصاد البلاد.
استثمارات ضخمة
تعتزم مجموعة "أو.سي.بي" المغربية استثمار سبعة مليارات دولار في مصنع للأمونيا يستخدم الهيدروجين الأخضر المنتج من الوقود المتجدد، مع سعي واحدة من أكبر شركات الفوسفات والأسمدة في العالم لزيادة الإنتاج وتلبية أهداف خفض الكربون.
ومجموعة "أو.سي.بي" المملوكة للدولة في المغرب هي واحدة من أكبر مستوردي الأمونيا حيث أنفقت ملياري دولار على المواد الخام العام الماضي مع ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة الحرب في أوكرانيا.
وتخطط المجموعة على المدى الطويل لتعزيز سلسلة التوريد المحلية من الأمونيا بما في ذلك من خلال بناء مصنع في طرفاية بجنوب المغرب.
وبحلول عام 2026، سيبلغ إنتاج المصنع 200 ألف طن من الأمونيا سنويا، ثم يرتفع إلى مليون طن بحلول عام 2027، وثلاثة ملايين طن بحلول عام 2032، بحسب "رويترز".
ما هي الأمونيا الخضراء؟
يتم إنتاج الأمونيا الخضراء عن طريق تفاعل الهيدروجين والنتروجين معا عند درجات حرارة مرتفعة وضغط عال، فيما يعرف بعملية "هابر-بوش"(Haber-Bosch) ، وفقا لموقع "ساينس دايكرت".
وعلى عكس "الأمونيا البنية"، التي يتم تصنيعها باستخدام الوقود الأحفوري أو الغاز الطبيعي كمادة وسيطة، فإن المواد الخام للأمونيا الخضراء هي الهيدروجين الذي يتم الحصول عليه من خلال التحليل الكهربائي للماء.
وتعمل الأمونيا الخضراء، التي تنتج عن تفاعل النيتروجين مع الهيدروجين الأخضر الناتج عن التحليل الكهربائي من مصادر الطاقة المتجددة، على تقليل انبعاثات غازات الدفيئة المنبثقة من الأسمدة الضرورية للتنمية الزراعية، في وقت تواجه الكثير من البلدان، بما في ذلك أوروبا، تحديات كبيرة في مجال الأمن الغذائي، وفقا لوكالة "فرانس برس".
وتستخدم الأمونيا الخضراء في إنتاج الأسمدة المحايدة الكربون، وإزالة الكربون من سلسلة القيمة الغذائية، ولديها أيضا إمكانات كوقود شحن محايد مناخيا في المستقبل، وفقا لـ"شركة يارا" النرويجية لتصنيع الأسمدة النيتروجينية.
وعلى غرار الوقود الأحفوري، تعتبر الأمونيا حاملة للطاقة الكيميائية ووقودا محتملا، ويمكن استغلالها في توليد الكهرباء، وإنتاج وقود نظيف للشاحنات وسفن الشحن لمسافات طويلة، وسماد غير ملوث للبيئة.
وتتمتع الأمونيا بميزة عدم إطلاق أي انبعاثات كربونية إذا تم استخدامها كوقود، ويمكن تعزيز "أوراق اعتمادها الخضراء" بشكل أكبر إذا تم استخدام الطاقة المستدامة لتشغيل إنتاج الأمونيا.
والأمونيا هي ثاني أكثر السلع الكيميائية إنتاجا على مستوى العالم، حيث يبلغ حجم إنتاجها السنوي أكثر من 180 مليون طن، ويتم تداول ما يقرب من 20 مليون طن سنويا.
وتستخدم الأمونيا في الغالب في الزراعة، حيث يذهب 80 بالمئة من إنتاج الأمونيا العالمي إلى الأسمدة و20 بالمئة للتصنيع.
ويمكن أن تكون الأمونيا الخضراء ضرورية لتمكين "الإنتاج الغذائي المستدام"، بالإضافة إلى أنها تبرز باعتبارها الناقل الواعد للطاقة محايدة الكربون، حسب "مؤسسة يارا استراليا".
لماذا يستثمر المغرب في "الأمونيا الخضراء"؟
خطة "أو.سي.بي" لاستخدام الهيدروجين الناتج عن التحليل الكهربائي الذي يعمل بالطاقة الشمسية والرياح كمادة خام لتصنيع الأمونيا هي جزء من استراتيجية تكلفتها 13 مليار دولار أعلنت عنها الشركة في ديسمبر للتحول إلى الطاقة المتجددة.
وتهدف تلك الاستراتيجية لتطوير القطاعات المرتبطة بإنتاج صناعات الفوسفات وتطويرها على مدى 5 سنوات.
ويستثمر المغرب بكثافة في مصادر الطاقة المتجددة، ويرجع ذلك جزئيا إلى ما يتمتع به من أراض وشمس ورياح وساحل طويل الامتداد، لكن هذا يرجع أيضا لافتقاره للنفط أو الغاز وعلاقته الشائكة بالجزائر، الدولة المجاورة المنتجة للنفط والغاز، وفقا لـ"رويترز".
وتريد الحكومة زيادة الطاقة المتجددة إلى 52 بالمئة من سعة الطاقة القائمة، ارتفاعا من 38 بالمئة، بحلول عام 2030، وتسعى لزيادة تحلية المياه لمساعدة المدن والزراعة على التكيف مع آثار سنوات من الجفاف.
ومن جانبه يشير أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد السادس، عبدالخالق التهامي، إلى استراتيجية وطنية تهدف لاستغلال مصادر الطاقة المتجددة في المغرب نظرا لـ"ظروف الإنتاج السهلة" وسهولة التصدير لأوروبا.
وتتيح الاستثمارات على المدى البعيد وضع حد لاعتماد الشركة الحكومية المغربية على الواردات، مثل "الأمونيا الخضراء" في المغرب التي سيجري إنتاجها من خلال الهيدروجين الأخضر، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".
ويوضح أستاذ الاقتصاد أن المغرب يمتلك احتياطات ضخمة من "الفوسفات"، وقد قررت منذ سنوات عديدة عدم الاكتفاء بتصدير المواد، وتسعى لأن تكون أحد أكبر منتجي الأسمدة في العالم، وفقا لأستاذ الاقتصاد.
ومن المعطيات اللازمة لإنتاج الأسمدة "الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر"، ما دفع المغرب لزيادة استثماراته في ذلك المجال.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي المغربي، إدريس عيسوي، الذي يرى أن تلك الخطوة جاءت في إطار "استراتيجية اقتصادية متكاملة للاستفادة من موارد المغرب".
ويتحدث لموقع "الحرة" عن كون المغرب أكبر مخزون للفوسفات في العالم، وقادرة على إنتاج "الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر"، وتصدير ذلك لعدة دول أوروبية وأفريقية.
طاقة نظيفة لاستغلال "مخزون هائل"
يستخدم الفوسفات في العديد من المنتجات، ويشكل المكون الأساسي للأسمدة، ويمتلك المغرب أكثر من سبعين بالمئة من احتياطي العالمي، وفقا لـ"أو.سي.بي".
ويعد المغرب أكبر منتج لـ"الفوسفات" في إفريقيا والثاني في العالم بعد الصين، وتمثل حصتها من السوق الدولية لهذا المعدن حوالي 31 بالمئة.
وفي العام الماضي، سجلت" أو.سي.بي" عائدات بلغت 11.29 مليار دولار بفضل ارتفاع الأسعار، بزيادة 40 بالمئة عن عام 2021، وبلغ صافي الأرباح 4.9 مليار دولار، بزيادة 38 بالمئة.
وقالت "أو.سي.بي" التي تمتلك أكبر احتياطيات من الفوسفات في العالم وتخطط لزيادة طاقة إنتاج الأسمدة إلى 15 مليون طن هذا العام و20 مليون طن في عام 2027، "سنعزز إنتاجنا لتلبية الطلب المتزايد".
ويشير إدريس إدريس عيسوي إلى سعي المغرب لـ"استغلال مخزونه الهائل من الفوسفات" لدعم المجال الزراعي والصناعي محليا وجذب استثمارات كبرى لداخل البلاد، والتصدير للخارج.
ويتفق معه عبدالخالق التهامي، الذي يؤكد أن المغرب يسعى لإنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، ليتم استخدامها "محليا" وكذلك للتصدير.
دعم التصنيع والزراعة
يؤكد إدريس عيسوي إمكانية استغلال مصادر الطاقة المتجددة، في دعم قطاع تصنيع وإنتاج السيارات الذي شهد طفره خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى دخول المغرب مجال "تصنيع السيارات" بعد الكشف عن نموذج أول سيارة مغربية الصنع، والنموذج الأولي لمركبة تعمل بالهيدروجين قام بتطويرها مغربي، في سبق على مستوى التصنيع بـ"الدول الأفريقية والنامية".
وبذلك سيكون لـ"إنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر"، واقعا هاما وتأثيرا إيجابيا على الاقتصاد المغربي، حسب الخبير الاقتصادي.
ويمكن استغلال "الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر"، في دعم قطاع الزراعة الذي يعد الفاعل الأساسي في خلق الثروة وجلب الاستثمارات للبلاد، وفقا لحديثه.
ويشير الخبير الاقتصادي إلي نجاح المغرب في "زيادة رقعة المساحات الخضراء" بفضل وجود تقنيات ري حديثة ومتطورة، وهو ما يعطي ثروة أخرى للاقتصاد المغربي.
وستمكن تلك العوامل مجتمعة المغرب من زراعة منتجات يقوم باستيرادها من الخارج، وسيكون لذلك واقع هام وسيفتح "أبواب رحبة" بالنسبة للاقتصاد المغربي، على حد تعبير إدريس.
ومن جانبه يتحدث عبدالخالق التهامي، عن استغلال المغرب لتلك المصادر المتجددة للطاقة في مجال إنتاج وتصنيع السيارات، بهدف زيادة العملة الصعبة، وتشغيل الأيدي العاملة، وكذلك التصدير إلى الدول الأوروبية، وفقا لحديث أستاذ الاقتصاد.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن دخول المغرب في مجال إنتاج الأمونيا الخضراء يغير من "بنية الاقتصاد المغربي"، من بلد يصدر مواد زراعية أو خامات أساسية إلى أخر يضيف "قيمة مضافة" على صادراته.