اكتظاظ السجون يثير قلق المنظمات الحقوقية
اكتظاظ السجون يثير قلق المنظمات الحقوقية

اشتكت مؤسسة مغربية رسمية من اكتظاظ السجون بالمعتقلين، محذرة من أن ذلك قد يتسبب بانفلاتات أمنية، في حين اعتبر متحدثون لموقع "الحرة" بلاغ المندوبية السامية للسجون "مقلقا" رغم أن كان يجب أن يوجه للحكومة مباشرة.

وفي بيان الثلاثاء، عبرت المندوبية عن قلقها بخصوص ارتفاع عدد المحتجزين في المؤسسات السجنية، مشيرة إلى أن الاكتظاظ "القياسي" قد يكون ناتجا عن "الوتيرة الحالية" للاعتقال، داعية السلطات القضائية والإدارية إلى الإسراع لإيجاد حلول كفيلة بحل إشكالية الاكتظاظ في المؤسسات.

وأثار بلاغ المؤسسة جدلا في المملكة، إذ سارعت جمعية تمثل القضاة في المغرب إلى الرد على البلاغ واعتبرته موجها لها.

وقالت جمعية رابطة قضاة المغرب إنها تفاجأت ببلاغ المندوبية واعتبرته نوعا من محاولة التأثير على قرارات الاعتقال التي قد تتخذها في المستقبل، وهذا مخالف للدستور والقانون والمعايير الدولية المتعلقة باستقلالية القضاء، وكذلك "الخطب الملكية السامية التي ما فتئت تحث على ضرورة احترام هذه الاستقلالية".

كما دعا رئيس نادي قضاة المغرب، عبد الرزاق الجباري، عبر "فيسبوك"، الجهات المشرفة على السجون إلى ضرورة "مراجعة القيام بأدوارها في التهذيب والتربية وتوفير شروط التهذيب لنزلاء المؤسسات السجنية، وأيضا بتوفير ما يلزم من تلك المؤسسات".

"جرس إنذار"

يرى الإعلامي الباحث، يوسف منصف، أن النقاش الحالي بين كل من المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج والرابطة المغربية لقضاة المغرب حول إشكالية الاكتظاظ بالسجون يعود "إلى سياق إعداد قانون العقوبات البديلة، الذي تم إيداعه بمجلس النواب للتصويت عليه".

ويرى منصف في حديث لموقع "الحرة" أن بلاغ مندوبية السجون هو أيضا "بمثابة جرس الإنذار للوضعية المؤسفة لسجون المملكة نتيجة الاكتظاظ وحالة العودة، وكأن جهود المؤسسات السجنية ومعها الفلسفة العقابية تذهب سدى، ما دامت وتيرة ارتفاع نزلاء السجون في تصاعد مطرد، دون اعتماد حلول قانونية شاملة تحد من تضخم عدد المسجونين واعتماد عقوبات بديلة عن الاحتجاز".

ويقر الباحث أن  السياسة القضائية الحالية التي تجنح للاحتجاز وسلب الحرية "تعد عائقا للنجاعة القضائية، بالأخص أمام الأساليب المتطورة لتطبيق العقاب الجنائي. والتي تبنى بعضها مشروع قانون العقوبات البديلة المعروض على البرلمان المغربي".

أما أستاذ العلوم الدستورية، رشيد لرزق، فيقول في حديث لموقع "الحرة"،  إن من يتحمل المسؤولية "هو المشرّع والحكومة بالذات، كونها لا توفر الاعتمادات المالية لإنشاء سجون، ولم تعدل القانون الجنائي وإقرار العقوبات البديلة للعقوبة السّالبة للحرية".

وتشير رابطة قضاة المغرب في ردها على بلاغ المندوبية إلى ارتفاع نسبة الجريمة بكل أنواعها خصوصا الخطيرة منها داخل المجتمع بشكل ملفت للنظر متهمة العديد من المؤسسات بالتراجع عن القيام بأدوارها في التهذيب والتربية، وشددت "على  ضرورة توفير الأمن للمواطنين أفرادا وجماعات، مع ملاحظة عدم مواكبة ذلك ببناء مؤسسات سجنية لإعادة تأهيل الجناة واستيعاب عددهم المتزايد".

وبعد الجدل الذي رافق بلاغها الأول، عادت المندوبية للسجون في بلاغ توضحي لتشير إلى أن بلاغها خضع "لتأويلات غير صحيحة".

وقالت في بيان جديد نشرته وكالة الأنباء المغربية أنه "على إثر بلاغ المندوبية العامة المنشور بتاريخ 07 غشت (أغسطس) 2023 الذي تنبه فيه إلى الإكراهات التي يطرحها الاكتظاظ المتزايد بالسجون، فيما يخص ظروف الاعتقال والتأهيل لإعادة الإدماج، تم تسجيل تأويلات غير صحيحة لهذا المعطى، وذلك بتبخيس الجهود المتواصلة التي تبذلها المندوبية العامة في هذا المجال".

يقول المحامي أحمد مجيب، في حديث لموقع "الحرة" إن المندوبية العامة "أحيانا تلبس لباس النيابة العامة لتكيل الاتهامات لجهة ما، وأحيانا أخرى لباس وزارة الداخلية، متجاوزة صلاحيتها المحددة بنصوص القانون".

ويضيف المحامي "ما يثير الاستغراب هذه المرة أن بلاغها جاء موجها للسلطة القضائية ومن يطلع على البيان قد يعتقد أنه صادر عن منظمة حقوقية أو نشطاء".

ويرى مجيب "أن المنطق كان يُلزم المؤسسة أن تتوجه إلى المؤسسات الرسمية المعنية بالاعتقال الاحتياطي وما ينجم عنه منه من اكتظاظ".

ويعتبر مجيب أن رد القضاة، رغم أنه "لامس جزءا من المسؤولية عندما اعتبر بلاغ المندوبية مجانبا للأطر القانونية والدستورية، إلا أنه لم يتحل بالجرأة الكافية للتطرق إلى مشكل الاعتقال الاحتياطي كمشكل يؤرق المؤسسات الرسمية".

من جانبه، يقول المختار الطبيطبي، أستاذ باحث متخصص في القانون العام، في حديث لموقع "الحرة" أنه "بعيدا عن إلقاء اللوم، فالمسؤولية مشتركة بين عدة جهات، وهي فشل المنظومة التربوية والوسط الأسري".

ويرى أنه يجب التطرق إلى مشاكل بعينها لحل مسألة الاكتظاظ، "لأن الكثير من السجناء يأتون من قضايا مثل شغب الملاعب أو الغش في الامتحانات"، وهي حالات تجد السلطات نفسها مضطرة إلى "وسائل الردع والتي تؤدي حتما إلى السجون".

ويرى الخبير في القانون أن إجراءات إعادة الإدماج الحالية "دون جدوى"، داعيا إلى اللجوء للعقوبات البديلة.

وسبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو هيئة رسمية، أن أوصى في تقرير حول أوضاع السجون بتجنب الاعتقال الاحتياطي وتعويض عقوبة السجن بأخرى بديلة لتخفيف الاكتظاظ وضمان حقوق أفضل للسجناء.

حملة لسداد ديون الأسر المعوزة المسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) عند محل البقالة
صورة أرشيفية لسوق شعبي في المغرب (تعبيرية)

"لم أتمالك نفسي.. بكيت من شدة الفرح عندما أخبرني البقال أن ديني قد تم سداده بالكامل"، هكذا تروي خديجة (56 عاما)، الأرملة التي تعيش بأحد الأحياء الشعبية بمدينة القنيطرة قرب العاصمة الرباط، قصتها مع حملة "تحدي الكارني".

تشجع تلك المبادرة التضامنية المشاركين فيها على سداد ديون الأسر التي تعاني الحاجة لدى محلات البقالة، عبر تسوية مبالغ مسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) وفق إمكانياتهم، ويتحدى كل مشارك 5 أشخاص آخرين للقيام بالمثل ومشاركتهم في الحملة.

بعد وفاة زوجها، تحملت خديجة وحدها مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة من دخلها المتواضع في تنظيف البيوت، لكن عدم استقرار عملها جعلها تلجأ إلى دفتر الديون لدى البقال لتوفير احتياجاتها الأساسية، حتى تراكم عليها مبلغ 800 درهم (حوالي 80 دولارا)، وأصبحت تخجل من دخول المحل.

وصفت خديجة في حديثها لموقع "الحرة" شعورها عندما طُلِب منها التوجه للبقال، قائلة: "شعرت بالخوف والتوتر، ظننت أنه سيطالبني بالسداد، وأنا لا أملك درهما واحدا. كنت أفكر طوال الطريق فيما سأقوله له، لكن المفاجأة كانت أكبر مما تخيلت. أخبرني أن شخصا مجهولا سدد عني الدين، دون أن يكشف عن هويته".

 وأضافت الأرملة وهي تغالب دموعها: "لم يكن الأمر مجرد إغلاق حساب، بل شعرت أن هناك من يفكر فينا، من يساعدنا دون أن نطلب. إنها لحظة لن أنساها ما حييت، لأنها أعادت إلي الأمل وسط هذا الغلاء القاتل".

وختمت خديجة حديثها بدعوة الجميع لدعم هذه الحملة، قائلة: "أتمنى أن يستمر (تحدي الكارني) كل عام، لأن هناك الكثير من الأمهات مثلي ممن ينتظرن هذه اللفتة الإنسانية في صمت".

"عبء ثقيل"

"هناك من يبقى مدينا لي لأكثر من عام.. وبعض الزبائن لم يعودوا يجرؤون على دخول المحل من شدة الإحراج"، بهذه الكلمات، يروي يوسف صابيري، صاحب محل بقالة في الدار البيضاء، لموقع "الحرة"، كيف أصبح دفتر الديون عبئا ثقيلا على زبائنه وحتى عليه كتاجر، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد الأسر التي تجد نفسها مضطرة للاستدانة لتوفير حاجياتها الأساسية.

ويضيف صابيري: "معظم من يعتمدون على الكريدي (الاستدانة) هم الأرامل أو العمال الذين يعملون بشكل متقطع، لكن حتى الموظفين أصبحوا يعانون. كيف يمكن لمن يدفع 1500 درهم (150 دولار تقريبا) للإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، أن يكفيه راتبه؟.. الناس في ضيق حقيقي".

ويتابع متحدثا عن أثر الغلاء: "أسعار المواد الأساسية ارتفعت بشكل غير مسبوق، فصار كثيرون يقترضون أكثر من قدرتهم على السداد، وهذا يجعلهم يغيبون عن المحل لأشهر، وأحيانا يغيرون بقالهم حتى لا يواجهوا إحراج الديون المتراكمة".

أما فيما يتعلق بمبادرة "تحدي الكارني"، يقول صابيري مبتسما: "رأيت أشخاصا يبكون من الفرح حين علموا أن ديونهم سددت، بعضهم ظل واقفا مصدوما غير قادر على التصديق. إنها مبادرة تخفف العبء عن الجميع، وأتمنى أن تستمر وتنتشر في كل المدن".

"تطور الحملة"

ومن جانبه، يلخص حمزة الترباوي، أحد منسقي حملة "تحدي الكارني"، النجاح المتزايد لهذه المبادرة في موسمها الرابع، بقوله "كل عام نفاجأ بمدى التفاعل.. والآن صرنا نفرح بدل أن نتفاجأ".

ويضيف، في حديثه لموقع "الحرة"، أن الحملة تتبناها وسائل الإعلام والمؤثرون بشكل واسع، كما أن انتشارها لم يعد يتطلب مجهودا كبيرا، إذ يتبناها الناس تلقائيا بروح من الكرم والتضامن.

ويشرح الترباوي أن الحملة لا تساعد فقط الأسر المعوزة، بل تخفف أيضا العبء عن أصحاب محلات البقالة الذين يتكبدون خسائر بسبب الديون غير المسددة، قائلا: "البقال يمنح الدَّين بناء على الثقة، لكنه أحيانا ينتظر طويلا دون أن يحصل على مستحقاته، بينما الفقير قد يشعر بالإحراج الشديد من العودة للمحل".

أما عن سبب ربط الحملة بشهر رمضان، فيوضح الترباوي أن رمضان هو شهر العطاء والتكافل، والمغاربة كرماء بطبعهم. مردفا "ما نقوم به ليس اختراعا، فلطالما كان الناس يسددون ديون الآخرين سرا، نحن فقط أضفنا عنصر التحدي ليكون الأمر أكثر انتشارا وحماسا".

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحملة تتطور عاما بعد عام، قائلا: "نطمح إلى أن نصل يوما إلى مستوى لا يعود فيه أحد محتاجا للديون أصلا، لكن حتى ذلك الحين، سنواصل تطوير المبادرة، وربما نوسعها لتشمل مجالات أخرى مثل الصيدليات، لأن معاناة الفقراء لا تقتصر على الغذاء فقط".