حملات تنمر واجهتها لاعبات عدة بعد خسارة المنتخب بمونديال السيدات ـ صورة تعبيرية.
حملات تنمر واجهتها لاعبات عدة بعد خسارة المنتخب بمونديال السيدات ـ صورة تعبيرية.

استنكرت شخصيات سياسية ومنظمات حقوقية بالمغرب ما اعتبرتها حملات "التنمر والكراهية" التي طالت لاعبات المنتخب المغربي لكرة القدم، في أعقاب إقصائهن من منافسات كأس العالم للسيدات.

وخسر المنتخب المغربي للسيدات، الثلاثاء الماضي، برباعية نظيفة، أمام نظيره الفرنسي.

واعتبرت منظمات حقوقية أن لاعبات المنتخب المغربي كنّ "آخر ضحايا" العنف الرقمي "المتصاعد" ضد النساء على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك بعد الهزيمة التي تعرضن لها في مباراتهن الأخيرة أمام فرنسا، وقبلها في مواجهتن الأولى أمام ألمانيا بعد الخسارة، بسداسية مقابل صفر.

"تهديد معنوي"

ورصدت حقوقيات "انتشارا واسعا" لخطابات عنصرية وتمييزية في تفاعل عدد من رواد منصات التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال تداول صور وردود "تنتقص" من النساء ومن ممارستهن الرياضة، مثل تعليق: "بلاصتكم الكوزينة" (مكانكن المطبخ).

بدورها، تقول النائبة في البرلمان، فاطمة التامني، إن "الهجوم الذي تعرضت له لاعبات المنتخب المغربي الصادر من صفحات وأشخاص عبر منصات التواصل الاجتماعي، يبرز حجم العنف الذي يواجهه النساء "في كل خطوة مؤنثة للأمام".

واعتبرت البرلمانية المغربية في سؤال كتابي وجهته لوزارة الأسرة لاستفسارها عن جهودها لمواجهة العنف ضد النساء على منصات التواصل الاجتماعي، أن الحملات الأخيرة "مثيرة للاستياء وتشكل تهديدا معنويا للمرأة في مختلف المناصب".

حول العنف الرقمي ضد النساء..

Posted by ‎فاطمة التامني‎ on Wednesday, August 9, 2023

ولفتت التامني إلى أنه بالرغم من وصول منتخب كرة القدم للسيدات إلى ثمن نهائي المونديال المقام في أستراليا ونيوزلندا في إنجاز وطني وإقليمي واجهت "اللاعبات عنفا إلكترونيا، سبقه أيضا الهجوم على عدد من النساء الفاعلات في الجانب الرياضي، وكذلك السياسي.

من جانبها، تقول رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، بشرى عبدو، إن "هيمنة العقلية الذكورية التي ترفض حضور النساء في المجالات الرياضية التي تعتبرها حكرا على الرجال فقط، وراء حملات التنمر والعداء تجاه لاعبات المنتخب المغربي.

وتشير عبدو في تصريح لموقع "الحرة"، إلى أن تصاعد أشكال التنمر والخطابات التمييزية التي تدعو النساء لـ"البقاء في البيت والقيام بأعمال المطبخ وغيرها من الأدوار التقليدية، مردّه "ثقافة إقصائية تعادي النساء وحضورهن في المجال العام".

وتشدد عبدو على ضرورة محاربة الصور التي تنمّط أدوار النساء وحضورهن في المجتمع، وتكريس حقيقة أن للمرأة نفس حقوق الرجل وذات الحظوظ والأدوار.

وتتمسك بأن على مختلف مؤسسات الدولة العمل على مواجهة هذه الأفكار بحزم والسعي لتغيير العقليات الذكورية والتمييزية، ونشر ثقافة المساواة، سواء في الإعلام أو التعليم والتربية، إضافة إلى التصدي لكل أشكال العنف ضد النساء، ومنها العنف الرقمي.

"تطبيق القانون"

وتبنى المغرب عام 2018  قانونا لمكافحة العنف ضد النساء، لتعزيز الحماية القانونية للنساء المغربيات في مختلف الفضاءات، وملاءمة التشريعات الوطنية مع دستور 2011، ومع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها المملكة.

ووسع القانون الذي رافقه الكثير من الجدل، آنذاك، أوجه وأشكال العنف ضد النساء، ليشمل المجالات العمومية والافتراضية، مشددا العقوبات على التحرش الجنسي والإساءة والتشهير.

وينص ابند 1-1-503 من قانون مناهضة العنف على أنه "يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر.. كل من أمعن في مضايقة الغير في الحالات التالية: الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية، أو بواسطة وسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية".

كما ينص البند 447.2 من القانون الجنائي، أنه "يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى ثلاثة سنوات كل من قام بأي وسيلة بما في ذلك أنظمة المعلومات، ببث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته، أو قام ببث أو توزيع وقائع كاذبة، بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم".

ورغم هذه الترسانة القانونية،  إلا أن تقريرا للمندوبية السامية للتخطيط (جهة رسمية)، كشف أن ما يقرب من 1.5 مليون امرأة مغربية كن ضحايا للعنف الإلكتروني، بواسطة الرسائل الإلكترونية أو المكالمات الهاتفية أو الرسائل النصية.

وكشفت بيانات المندوبية المعنية بالإحصاءات الرسمية، خلال مارس الماضي، أن العنف الإلكتروني بات يمثل 19 بالمئة من مجموع أشكال العنف ضد النساء في المغرب.

في هذا السياق، تقول الناشطة الحقوقية، بشرى عبدو، إن حملات التنمر والكراهية المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي في التفاعل مع مشاركة المنتخب المغربي بكأس العالم، تدخل في "باب العنف الرقمي".

وتشير عبدو، في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن بعض "الممارسات والتعليقات المشينة مرت دون حسيب أو رقيب".

وطالبت المتحدثة بضرورة العمل على تطبيق القوانين المذكورة في محاربة "مختلف الخطابات السلبية التي تروج للكراهية والعنصرية، وتنزيل أشد العقوبات على المخالفين لتفادي حالات العود وتكون عبرة لكل عنصري على منصات التواصل الاجتماعي".

حملة لسداد ديون الأسر المعوزة المسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) عند محل البقالة
صورة أرشيفية لسوق شعبي في المغرب (تعبيرية)

"لم أتمالك نفسي.. بكيت من شدة الفرح عندما أخبرني البقال أن ديني قد تم سداده بالكامل"، هكذا تروي خديجة (56 عاما)، الأرملة التي تعيش بأحد الأحياء الشعبية بمدينة القنيطرة قرب العاصمة الرباط، قصتها مع حملة "تحدي الكارني".

تشجع تلك المبادرة التضامنية المشاركين فيها على سداد ديون الأسر التي تعاني الحاجة لدى محلات البقالة، عبر تسوية مبالغ مسجلة في "الكارني" (دفتر الديون) وفق إمكانياتهم، ويتحدى كل مشارك 5 أشخاص آخرين للقيام بالمثل ومشاركتهم في الحملة.

بعد وفاة زوجها، تحملت خديجة وحدها مسؤولية إعالة أطفالها الثلاثة من دخلها المتواضع في تنظيف البيوت، لكن عدم استقرار عملها جعلها تلجأ إلى دفتر الديون لدى البقال لتوفير احتياجاتها الأساسية، حتى تراكم عليها مبلغ 800 درهم (حوالي 80 دولارا)، وأصبحت تخجل من دخول المحل.

وصفت خديجة في حديثها لموقع "الحرة" شعورها عندما طُلِب منها التوجه للبقال، قائلة: "شعرت بالخوف والتوتر، ظننت أنه سيطالبني بالسداد، وأنا لا أملك درهما واحدا. كنت أفكر طوال الطريق فيما سأقوله له، لكن المفاجأة كانت أكبر مما تخيلت. أخبرني أن شخصا مجهولا سدد عني الدين، دون أن يكشف عن هويته".

 وأضافت الأرملة وهي تغالب دموعها: "لم يكن الأمر مجرد إغلاق حساب، بل شعرت أن هناك من يفكر فينا، من يساعدنا دون أن نطلب. إنها لحظة لن أنساها ما حييت، لأنها أعادت إلي الأمل وسط هذا الغلاء القاتل".

وختمت خديجة حديثها بدعوة الجميع لدعم هذه الحملة، قائلة: "أتمنى أن يستمر (تحدي الكارني) كل عام، لأن هناك الكثير من الأمهات مثلي ممن ينتظرن هذه اللفتة الإنسانية في صمت".

"عبء ثقيل"

"هناك من يبقى مدينا لي لأكثر من عام.. وبعض الزبائن لم يعودوا يجرؤون على دخول المحل من شدة الإحراج"، بهذه الكلمات، يروي يوسف صابيري، صاحب محل بقالة في الدار البيضاء، لموقع "الحرة"، كيف أصبح دفتر الديون عبئا ثقيلا على زبائنه وحتى عليه كتاجر، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد الأسر التي تجد نفسها مضطرة للاستدانة لتوفير حاجياتها الأساسية.

ويضيف صابيري: "معظم من يعتمدون على الكريدي (الاستدانة) هم الأرامل أو العمال الذين يعملون بشكل متقطع، لكن حتى الموظفين أصبحوا يعانون. كيف يمكن لمن يدفع 1500 درهم (150 دولار تقريبا) للإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، أن يكفيه راتبه؟.. الناس في ضيق حقيقي".

ويتابع متحدثا عن أثر الغلاء: "أسعار المواد الأساسية ارتفعت بشكل غير مسبوق، فصار كثيرون يقترضون أكثر من قدرتهم على السداد، وهذا يجعلهم يغيبون عن المحل لأشهر، وأحيانا يغيرون بقالهم حتى لا يواجهوا إحراج الديون المتراكمة".

أما فيما يتعلق بمبادرة "تحدي الكارني"، يقول صابيري مبتسما: "رأيت أشخاصا يبكون من الفرح حين علموا أن ديونهم سددت، بعضهم ظل واقفا مصدوما غير قادر على التصديق. إنها مبادرة تخفف العبء عن الجميع، وأتمنى أن تستمر وتنتشر في كل المدن".

"تطور الحملة"

ومن جانبه، يلخص حمزة الترباوي، أحد منسقي حملة "تحدي الكارني"، النجاح المتزايد لهذه المبادرة في موسمها الرابع، بقوله "كل عام نفاجأ بمدى التفاعل.. والآن صرنا نفرح بدل أن نتفاجأ".

ويضيف، في حديثه لموقع "الحرة"، أن الحملة تتبناها وسائل الإعلام والمؤثرون بشكل واسع، كما أن انتشارها لم يعد يتطلب مجهودا كبيرا، إذ يتبناها الناس تلقائيا بروح من الكرم والتضامن.

ويشرح الترباوي أن الحملة لا تساعد فقط الأسر المعوزة، بل تخفف أيضا العبء عن أصحاب محلات البقالة الذين يتكبدون خسائر بسبب الديون غير المسددة، قائلا: "البقال يمنح الدَّين بناء على الثقة، لكنه أحيانا ينتظر طويلا دون أن يحصل على مستحقاته، بينما الفقير قد يشعر بالإحراج الشديد من العودة للمحل".

أما عن سبب ربط الحملة بشهر رمضان، فيوضح الترباوي أن رمضان هو شهر العطاء والتكافل، والمغاربة كرماء بطبعهم. مردفا "ما نقوم به ليس اختراعا، فلطالما كان الناس يسددون ديون الآخرين سرا، نحن فقط أضفنا عنصر التحدي ليكون الأمر أكثر انتشارا وحماسا".

ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن الحملة تتطور عاما بعد عام، قائلا: "نطمح إلى أن نصل يوما إلى مستوى لا يعود فيه أحد محتاجا للديون أصلا، لكن حتى ذلك الحين، سنواصل تطوير المبادرة، وربما نوسعها لتشمل مجالات أخرى مثل الصيدليات، لأن معاناة الفقراء لا تقتصر على الغذاء فقط".