زلزال المغرب

سلطت مشاهد الدمار الكبير الذي أحدثه الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز، وسط المغرب، الضوء على المشاكل التنموية والاجتماعية المتعددة الأبعاد التي تقاسيها قرى وبلدات جبال الأطلس الكبير، التي فقدت ما يزيد عن 1643 من أبنائها.

وحتى الثلاثاء، أعلنت السلطات المغربية أن إجمالي ضحايا الزلزال المدمر بلغ 2901 قتيلا، قضى أكثر من نصفهم في إقليم الحوز الذي كان مركز الهزة الأرضية، التي خلفت أيضا 5530 إصابة بجروح متفاوتة الخطورة.

ولم تستطع بيوت وبنايات مجموعة من القرى والبلدات الفقيرة المتناثرة بقلب جبال الأطلس الكبير بالحوز، الصمود أمام قوة الهزة الأرضية القوية لتستوي مع الأرض، وتكون شاهدة عن "تعثر مسلسل التنمية بالمنطقة، الذي سبق أن لفتت إليه تقارير هيئات ومؤسسات رسمية مغربية.

معطيات وقراءات

يقطن في إقليم الحوز حوالي 572 ألف نسمة، بحسب أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط، يتمركز معظمهم بمناطق أيت أورير وأوريكة وأغواتيم وسيدي عبد الله غيات، وستي فاضمة وغمات، بنسب تتراوح بين 39 ألف و24 ألف نسمة بكل منطقة.

ويصل إجمالي السكان القرويين في الحوز إلى 488 ألف شخص، مقابل 84 ألفا يعيشون في المراكز والمناطق الحضرية التابعة للإقليم الذي يضم 37 منطقة قروية، مقابل 3 مقاطعات حضرية فقط، وفقا للمندوبية الحكومية المعنية بالإحصاءات.

وبحسب الأستاذ في جامعة القاضي عياض في مراكش، عبد الرحيم العلام، فإن الزلزال الذي قضت فيه تجمعات سكنية بكاملها تحت الأنقاض يعري حالة "الفقر والحاجة" التي يعانيها سكان الإقليم و"ضعف البنيات التحتية والخدماتية".

ويوضح العلام في تصريح لموقع "الحرة" أن إقليم الحوز يعاني من "تخلف تنموي كبير"، حيث يضم أفقر المناطق على المستوى الوطني، مشيرا إلى أن منطقة إيغيل، بؤرة الزلزال، تعد واحدة من أكثر مناطق البلاد فقرا.

وتبلغ المساحة الإجمالية للحوز 6212 كيلومترا مربعا، وتحده كل من أقاليم مراكش وقلعة السراغنة شمالا، وتارودانت وورزازات جنوبا، وشرقا أزيلال، وغربا إقليم شيشاوة.

وتشكل الجبال 74 بالمئة من إجمالي تضاريسه، وتتراوح ارتفاعاتها بين ألف و 4167 مترا، ارتفا جبل "توبقال" الذي يمثل أعلى قمة جبلية في البلاد.

ويلفت الأستاذ المغربي إلى أن قرى في المنطقة ما زالت "شبه معزولة" عن العالم الخارجي، في ظل غياب طرق معبدة نحوها، وضعف الخدمات الاجتماعية والاقتصادية المقدمة لها.

ويكشف العلام في حديثه لموقع "الحرة" أن موارد كل قرى وبلدات الحوز "ضعيفة"، باستثناء مناطق مركزية مثل إمليل وورغان ووسلي وأمزيز، التي تقوم أساسا على النشاط السياحي والتجاري.

"الأكثر فقرا في البلاد"

ويعتمد الإقليم في موارده أساسا على الزراعة، وخاصة حقول الزيتون والجوز، إضافة إلى قطاع تربية المواشي، كما  تعد السياحة إحدى ركائز الاقتصاد المحلي في الحوز، الذي يضم مناظر طبيعية خلابة والقريب من مدينة مراكش، الوجهة السياحية العالمية.

ويعول السكان المحليون في ضمان قوت يومهم أيضا على صناعات المنتوجات المحلية والحرف اليدوية مثل صناعة الفخار والمنسوجات والنحت عى الحجر وصناعة السجاد.

وبالرغم من تسجيل جهة مراكش آسفي عامة والحوز خاصة لواحدة من أدنى مستويات البطالة، إلا أن تقارير رسمية أخرى تصنف الإقليم ضمن أقل مستويات التنمية المحلية على صعيد البلاد وأيضا من ضمن الأعلى في مستويات الفقر.

وكشفت معطيات إحصائية لترتيب الجهات المغربية (أي الوحدات الإدارية) حسب معدلات الفقر، أن جهة مراكش ـ آسفي ثاني أكثر الجهات فقرا بنسبة 11.3 بالمئة، فيما تصدرت الجهة التي ينتمي إليها إقليم الحوز، قائمة الجهات التي تضم أكبر عدد من الفقراء بالمغرب.

ويشير الجامعي المغربي إلى أن التعقيدات الجغرافية "تعمق من هشاشة وفقر سكان هذه المناطق"، موضحا أن بعضها يقع في مناطق وعرة يصعب التنقل إليها إلا عبر الدواب أو قطع مسافات طويلة مشيا.

أمام هذه الوضعية يشير إلى أن إطلاق استثمارات فيها يبقى "صعبا"، حيث إن المساحات الزراعية مثلا محدودة، ويعتمد أغلب السكان على الزراعة المعيشية وليس التسويقية، كما يبقى حجم النشاط التجاري والصناعي ضعيفا، باستثناء بعض الصناعات التقليدية، مثل الفخار وصناعة السجاد وبعض المنسوجات، وفق المتحدث ذاته.

ويوضح بالمقابل أن كل هذه التحديات "ليست مبررا من أجل إقصاء ساكنة هذه المناطق أو التخلي عنها"، مشيرا  أيضا إلى إلى أوجه القصور  ومسؤولية الدولة في ما وصلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بإقليم الحوز.

ومن نماذج ذلك، يشير العلام إلى أن جماعات تضم عشرات القرى، وجدت أنفسها بدون آلية واحدة لرفع الأنقاض، رغم أن طبيعة وجغرافية المنطقة الجبلية تستدعي بشكل بديهي التوفر على مثل هذه الأدوات.

ويشدد المتحدث ذاته على ضرورة تشجيع ودعم القطاع الفلاحي، وإطلاق مشاريع تنموية وصناعية وسياحية تنعش النشاط الاقتصادي بالمنطقة، بالإضافة إلى رفع الدعم الحكومي الموجه لها.

صدمة للتحرك 

وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، يضم الإقليم 42 مستوصفا قرويا، و9 مراكز صحية قروية و3 حضرية، بواقع 66 سريرا فقط في المستشفيات العمومية.

وفي عدد الأطباء يعمل بالإقليم 59 طبيا في القطاع العمومي و87 في القطاع الخاص، بمعدل طبيب واحد لكل 3872 مواطن، الرقم البعيد عن المتوسط الذي توصي به المنظمة العالمية للصحة.

رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، يرى من جانبه، أن الأحداث الأخيرة التي عاشتها المنطقة وصور الدمار والفقر التي ظهرت إلى دائرة الضوء "ينبغي أن تكون صفعة لنا جميعا من أجل التحرك والمبادرة للنهوض بأوضاع سكان تلك القرى الجبلية".

ويضيف الخضري في تصريح لموقع "الحرة"، أن من غير المقبول أن "تستمر معاناة هؤلاء السكان في مداشرهم دون التمتع بكامل حقوقهم الأساسية من التطبيب والتعليم والسكن اللائق في مغرب 2023".

ويلفت الناشط الحقوقي المغربي إلى أن التوزيع الجغرافي والسكاني للأرياف والبوادي، ووعورة الأراضي والمسالك "عوامل تشكل عائقا حقيقيا أمام التنمية  بالمنطقة".

وأضاف أن كل محاولات إنماء المنطقة "باءت بالفشل"، مشيرا إلى أن الربطين الكهربائي والطرقي، على سبيل المثال، "استنفذا أموالا طائلة بسبب هذه العوائق، وكثير منها استعصى تحقيقه بسبب هذا المعطى، الذي تعاطت معه المبادرات التنموية الحكومية باعتباره وضعا مسلما به، والحال أنه بحاجة إلى تغيير جذري".

وبخصوص الأنشطة الثقافية والترفيهية، تظهر الإحصائيات الرسمية أن الإقليم يضم النسبة الأقل في ما يتعلق بالتجهيزات والمرافق الرياضية بين باقي أقاليم جهة مراكش آسفي.

وتغيب عنه بشكل كلي القاعات السينمائية والمكتبات الخاصة بالقراءة ومعاهد الموسيقى، كما أن عدد الأندية النسوية بالإقليم لا يتعدى مؤسستين، ويصل عدد دور الشباب إلى ستة فقط.

ولمواجهة الأوضاع الصعبة بالمناطق الجبلية، يشدد المتحدث ذاته على ضرورة العمل على إعادة توطين سكان هذه الدواوير في قرى نموذجية تتوفر فيها الشروط الأساسية للبنى التحتية وللحياة المجتمعية، مشيرا إلى أن "التجمعات المتناثرة لن تساعد إطلاقا على التنمية، مهما رصد لها من أموال ومن إمكانيات".

ويدعو الحقوقي المغربي أيضا إلى "تعبيد الطرق وربط هذه القرى النموذجية بعضها ببعض وإيصال الربط الطرقي بمراكزها الحضرية"، مما سيمكن من "تسهيل التدفقات بين الأفراد والمؤسسات، وخلق الديناميكية اللازمة للتنمية، اقتصاديا واجتماعيا".

"برنامج للإعمار"

وقال رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، الاثنين، إن الحكومة ستطلق برنامجا لإعادة تعمير المناطق المتضررة من الزلزال.

وأشار المسؤول المغربي في تصريح صحفي أن حكومته "عازمة على تنفيذ أوامر الملك محمد السادس، ويتم العمل على اعتماد عرض واضح ومدقق بهذا الخصوص وسيتم الإعلان عنه في القادم من الأيام".

وكشف أنه ترأس "اجتماعا مع اللجنة الوزارية المكلفة بوضع برنامج استعجالي لإعادة تأهيل وتقديم الدعم لإعادة بناء المنازل المدمرة على مستوى المناطق المتضررة في أقرب الآجال".

جنود في الجيش المغربي
مخاوف إسبانية من مطالبة المغرب بسبتة ومليلية

وسط وضع دولي غير مستقر بشكل متزايد، أصبحت مقارنة الجيوش موضوعا ذا أهمية كبيرة، خاصة في المناطق التي توجد فيها توترات دبلوماسية أو تاريخية، كما هو الحال بين المغرب وإسبانيا حيث توجد مدينتي سبتة ومليلية في قلب الخلاف بين البلدين.

وفي الأسابيع الماضية، أثيرت مخاوف من وضع سبتة ومليلية الخاضعتين لإسبانيا و لا يعترف المغرب بذلك، إذ نقلت وسائل إعلام إسبانية مخاوف من تصعيد المغرب المطالبة بهما.

كما اقترح الأميرال الإسباني المتقاعد، خوان رودريغيز غارات، إنشاء جيش أوروبي موحد " له دور أساسي في حماية سبتة ومليلية في حال تعرضتا لتهديدات من المغرب".

وأمام هذه المخاوف عادت المقارنة بين الإمكانيات العسكرية للمغرب وإسبانيا في حال مواجهة محتملة بين البلدين الجارين.

ولا يتم قياس القوة العسكرية لأي بلد فقط بعدد القوات، ولكن أيضًا من خلال تقنياته العسكرية وميزانية الدفاع وقدرة نشر القوات في حالات الصراع.

وينقل تقرير من صحيفة "لاراثون" االإسبانية أنه في حالة إسبانيا والمغرب، لدى كلا البلدين قوات مسلحة منظمة بشكل جيد وخصائصهما التي تعكس أولوياتها الاستراتيجية. 

تحافظ إسبانيا، كعضو في حلف الشمال الأطلسي "الناتو" والاتحاد الأوروبي، على تعاون وثيق مع الحلفاء الغربيين ولديها جيش تقني للغاية.

من جانبه، عزز المغرب قدرته العسكرية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مما زاد من ميزانية الدفاع والحصول على التسلح المتقدم ، بهدف تعزيز موقعه كقوة عسكرية في شمال إفريقيا.

القوة العسكرية

تكشف المقارنة بين جيشي إسبانيا والمغرب عن اختلافات كبيرة في القدرات العسكرية، أبرزها ميزانية الدفاع: تبلغ ميزانية إسبانيا حوالي 23 مليار دولار، مقارنة بنحو 13 مليار دولار يخصصها المغرب. 

يعكس هذا الاختلاف القدرة الاستثمارية لإسبانيا، المدعومة من اقتصادها وتكاملها في منظمات مثل الناتو والاتحاد الأوروبي.

فيما يتعلق بالجنود النشطين، أي أولئك الذين يقومون بتدريب عملي ويتم إعدادهم لحالات الطوارئ، يتجاوز المغرب إسبانيا، إذ يوجد في المملكة ما يقرب من 195 ألف جندي، مقارنة بـ 133 ألف في إسبانيا. 

الفرق المهم أيضا يتمثل في عدد جنود الاحتياط، بالمغرب عددهم يصل إلى 150 ألف جندي، فيما إسبانيا لا يتجاوز 15 ألف جندي.

المعدات العسكرية

فيما يتعلق بالمعدات العسكرية، تبرز إسبانيا في المجال الجوي، مع أسطول من 461 طائرة، والتي تشمل طائرات قتالية متقدمة مثل Eurofighter Typhoon.

المغرب، من ناحية أخرى، لديه 260 طائرة ، من بينها F-16 ، التي اقتناها في السنوات الأخيرة كجزء من تحديثها العسكري.

في القوة الأرضية ، تتغير المعطيات. يتقدم المغرب في عدد الدبابات، مع 903 دبابة بما في ذلك أبرامز M1 الحديثة، مقارنة مع 317 دبابة في إسبانيا، والتي تشمل نماذج مثل الفهد 2E. 

ومع ذلك ، تتجاوز إسبانيا المغرب في المركبات المدرعة، مع حوالي 17000 وحدة ، مقارنة بـ 7000 وحدة في المغرب.

من حيث القوة البحرية ، تضم إسبانيا ما مجموعه 152 سفينة، بما في ذلك خوان كارلوس الأول، واثنين من الغواصات الفئة S-80 وأحد عشر فرقاطة. فيما يمتلك المغرب 111سفينة ما يسمح له بالحفاظ على وجود كبير في مياهه الإقليمية.

تتجاوز إسبانيا أيضًا المغرب من حيث الخدمات اللوجستية، مع وجود عدد أكبر من الموانئ والمطارات الاستراتيجية، وكذلك قدرة الوصول إلى الموارد الطبيعية الرئيسية لصيانة قواتها المسلحة. تتيح هذه الميزة اللوجستية لإسبانيا نشر العمليات العسكرية والحفاظ عليها بشكل أكثر كفاءة.

من سينتصر في حالة الحرب؟

على الرغم من أن المغرب حقق تقدمًا كبيرًا في قدرته العسكرية، وزيادة ميزانيته وتحديث معداته، فإن إسبانيا تحافظ على ميزة واضحة في التكنولوجيا والقدرة البحرية، وكذلك في دعم حلفائها الغربيين. 

في المواجهة الافتراضية، يمكن للتفوق التكنولوجي والاستراتيجي لإسبانيا أن يغير التوازن لصالحها.

لكن مع ذلك يبقى هذا السيناريو غير دقيق، لأن نتيجة الصراع تعتمد على عوامل متعددة، مثل الاستراتيجية والتحالفات الدولية، وفق التقرير.