رامابوزا شبه النزاع حول مصير الصحراء الغربية بالكفاح في جنوب أفريقيا ضد نظام الأقلية العنصري.
الصحراء الغربية مستعمرة إسبانية سابقة تعتبرها الأمم المتحدة "منطقة غير متمتعة بالحكم الذاتي"

خلال مداخلته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بخصوص ملف الصحراء الغربية، إن "إسبانيا تؤيد حلا سياسيا مقبولا للطرفين في إطار ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن".  

سانشيز الذي قرر قبل سنة دعم مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته المملكة المغربية كحل وحيد لقضية الصحراء، أكد هذه المرة بأن الحل يجب أن يكون في إطار قرارات الأمم المتحدة، فهل يمكن اعتبار ذلك تحولا في موقفه من الملف؟.

الإجابة على هذا السؤال في نظر المحلل المغربي، أشرف الطريبق، تتطلب النظر لوضع سانشيز في المشهد الإسباني العام، حيث أنه يرأس حكومة مؤقتة لحد الآن "في انتظار تعيينها الرسمي" وفق تعبيره "بينما موقفه الذي أيد من خلاله الطرح المغربي كان وهو يتمتع بجميع صلاحياته".

في اتصال مع موقع الحرة، أوضح الطريبق بأنه "حتى تأييد سانشيز للطرح المغربي كان ضمن إطار الأمم المتحدة، فهو لم يقل يوما بفرض هذا الطرح على جبهة بوليساريو".

وأضاف "لا يمكن أن يجادل أحد أن أي حل يكون تحت غطاء الأمم المتحدة".

وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة نال الحزب الشعبي الإسباني 136 مقعدا، بينما نال حزب "فوكس" اليميني المتطرف، حليفه الوحيد المحتمل في أي ائتلاف حكومي، 33 مقعدا. وبذلك، جمع الحزبان 169 مقعدا برلمانيا. 

في المقابل، حصد الحزب الاشتراكي بزعامة سانشيز 122 مقعدا، مقابل 31 لحليفه حزب سومر من أقصى اليسار، ما يمنح الحزبين معا 153 مقعدا.

رئيس الحكومة الإسبانية ونظيره المغربي

ولطالما أبدت مدريد حيادها بخصوص قضية الصحراء الغربية، قبل أن تعلن في 18 مارس 2022 دعمها لخطة الحكم الذاتي المغربية التي تعتبرها "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع". 

"تغيّر نوعي"

المحلل السياسي الصحراوي، الطالب علي سالم، يرى أن خطاب سانشيز ينم عن تغير نوعي في سياسة حكومته، رغم أنه يرى بأن "الحكومة الإسبانية معروفة دائما بتصريحاتها المتناقضة".

وفي مقابلة مع موقع الحرة، أشار سالم الذي يقيم في إسبانيا، إلى أن سانشيز كان قال السنة الماضية أن الحل الأنسب لقضية الصحراء الغربية هو الحكم الذاتي بينما أكد خلال خطابه الأخير على الحل الأممي، وبالتالي دعم الاستفتاء، "وهو تغير نوعي في الموقف الإسباني" من هذا المنظور.

ثم عاد ليذكّر بأن الأمم المتحدة لا تنظر لملف الصحراء الغربية على أنه نزاع بين دولتين بل "قضية تصفية استعمار" وذلك ليؤكد على أن هناك فعلا تغيرا في موقف مدريد "ربما أملته الظروف الدولية الحالية".

يقول سالم "كان سانشيز ينتظر أن يحدث زخم لطرح المغرب بعد دعم الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب له، لكنه تفاجأ بعدم حدوث ذلك، وربما هذا السبب وراء تغير موقفه".

والصحراء الغربية مستعمرة إسبانية سابقة تعتبرها الأمم المتحدة "منطقة غير متمتعة بالحكم الذاتي". 

وهذه المنطقة موضع خلاف منذ عقود بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر .

وتسيطر الرباط على ما يقرب من 80% من هذه المنطقة وتقترح منحها حكماً ذاتياً تحت سيادتها، فيما تدعو جبهة البوليساريو إلى إجراء استفتاء لتقرير المصير برعاية الأمم المتحدة نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.

وفي نهاية أكتوبر 2022 دعا مجلس الأمن الدولي أطراف النزاع إلى "استئناف المفاوضات" للتوصّل إلى حلّ "دائم ومقبول من الطرفين".

ولم يحصل موقع الحرة على تعليق من مدريد فيما إذا كانت تصريحات سانشسيز تمثل تغيرا في موقفها بالنسبة لقضية الصحراء.

الوضع في إسبانيا

بينما يركز سالم على الظرف الدولي الحالي الذي يكون وراء "تغير موقف سانشيز" وفقه، يولي الطريبق اهتماما أكبر بالوضع السياسي الداخلي لإسبانيا.

يقول الطريبق بالخصوص "الظرف السياسي الذي تعيشه إسبانيا لا يخدم سانشيز، إذ أن الانتخابات لم تعطه الأغلبية، وأضحى يعتمد على أحزاب تميل لدعم البوليساريو".

وأضاف "أعتقد أنه حاول ألا يخسر حلفاءه بهذا الخطاب" مشيرا إلى أن حديثه على الصحراء الغربية لم يكن طويلا ومفصلا بالقدر الذي يجعل منه حدثا أو تحولا كبيرا في موقفه.

وقال "أعتقد أنه خطاب سياسي مرحلي" ثم أردف "سانشيز لا يريد أن يخسر رهانه السياسي داخليا وعلاقاته بالمغرب".

وفي سياق حديثه، نوه الطريبق بمساعدة إسبانيا للمغرب في الزلزال، وقال إن الرباط أيضا لفتت إلى الدعم الذي تلقته من إسبانيا خلال محنة الزلزال التي ضربتها قبل أيام.

ابراهيم غالي زعيم جبهة بوليساريو

سالم من جانبه، لفت إلى أن العديد من الزعماء الذين تداولوا على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، نوهوا لقضية الصحراء الغربية وضرورة الاستماع لمطالب الشعب الصحراوي وذكر الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، وكذا رئيس جنوب أفريقيا، وحتى ناميبيا.

إلى ذلك، انتقد سالم تناول وسائل الإعلام لخطابات زعماء العالم في نيويورك، وتجاهلها في نفس الوقت حديث بعضهم عن ملف الصحراء الغربية.

وقال أيضا "حتى لو أن خطاب سانشيز مراوغة سياسية، لا يمكن إغفال التصريحات الأخرى" في إشارة إلى الزعماء الذي طرحوا موضوع الصحراء.

وأضاف "بينما تحدث البعض عن قضية الشعب الصحراوي، لا توجد أي دولة طالبت بدعم مقترح الحكم الذاتي.. هذه نقطة لا بد من التنويه لها".

الطريبق قال من جانبه  إن "مدريد تحاول أن تقف في مرتبة بين المنزلتين" في إشارة إلى مطالبة جبهة البوليساريو بحق تقرير المصير وطرح الرباط للحكم الذاتي كحل وحيد وقال "لا يجب استغلال تصريح سانشيز الذي يدخل في هذا الإطار لنقول أنه تحول عن موقفه السابق".

وأضاف "الموقف الثابت هو السابق الذي عبر عنه سنة 2022".

"نظارة المغرب"

كان ملك المغرب محمد السادس حذّر العام الماضي من أن "ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات". 
وطالب الدول "أن توضح مواقفها، بشكل لا يقبل التأويل".

وقبل نحو أسبوعين، شدد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة على أن أي حل سياسي لقضية الصحراء الغربية ينبغي أن "يقوم بشكل حصري" على الخطة المغربية، وذلك خلال استقباله موفد الأمم المتحدة للصحراء الغربية ستافان دي ميستورا في ختام زيارته الأولى لهذه المنطقة المتنازع عليها.

وزيارة الموفد الأممي للصحراء الغربية هي الأولى من نوعها، علما أنه سبق وأن قام بجولات شملت دول المنطقة منذ تعيينه في منصبه في أكتوبر 2021، من دون أن يتمكن من إحياء العملية السياسية سعيا للتوصل إلى تسوية.

جنود في الجيش المغربي
مخاوف إسبانية من مطالبة المغرب بسبتة ومليلية

وسط وضع دولي غير مستقر بشكل متزايد، أصبحت مقارنة الجيوش موضوعا ذا أهمية كبيرة، خاصة في المناطق التي توجد فيها توترات دبلوماسية أو تاريخية، كما هو الحال بين المغرب وإسبانيا حيث توجد مدينتي سبتة ومليلية في قلب الخلاف بين البلدين.

وفي الأسابيع الماضية، أثيرت مخاوف من وضع سبتة ومليلية الخاضعتين لإسبانيا و لا يعترف المغرب بذلك، إذ نقلت وسائل إعلام إسبانية مخاوف من تصعيد المغرب المطالبة بهما.

كما اقترح الأميرال الإسباني المتقاعد، خوان رودريغيز غارات، إنشاء جيش أوروبي موحد " له دور أساسي في حماية سبتة ومليلية في حال تعرضتا لتهديدات من المغرب".

وأمام هذه المخاوف عادت المقارنة بين الإمكانيات العسكرية للمغرب وإسبانيا في حال مواجهة محتملة بين البلدين الجارين.

ولا يتم قياس القوة العسكرية لأي بلد فقط بعدد القوات، ولكن أيضًا من خلال تقنياته العسكرية وميزانية الدفاع وقدرة نشر القوات في حالات الصراع.

وينقل تقرير من صحيفة "لاراثون" االإسبانية أنه في حالة إسبانيا والمغرب، لدى كلا البلدين قوات مسلحة منظمة بشكل جيد وخصائصهما التي تعكس أولوياتها الاستراتيجية. 

تحافظ إسبانيا، كعضو في حلف الشمال الأطلسي "الناتو" والاتحاد الأوروبي، على تعاون وثيق مع الحلفاء الغربيين ولديها جيش تقني للغاية.

من جانبه، عزز المغرب قدرته العسكرية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مما زاد من ميزانية الدفاع والحصول على التسلح المتقدم ، بهدف تعزيز موقعه كقوة عسكرية في شمال إفريقيا.

القوة العسكرية

تكشف المقارنة بين جيشي إسبانيا والمغرب عن اختلافات كبيرة في القدرات العسكرية، أبرزها ميزانية الدفاع: تبلغ ميزانية إسبانيا حوالي 23 مليار دولار، مقارنة بنحو 13 مليار دولار يخصصها المغرب. 

يعكس هذا الاختلاف القدرة الاستثمارية لإسبانيا، المدعومة من اقتصادها وتكاملها في منظمات مثل الناتو والاتحاد الأوروبي.

فيما يتعلق بالجنود النشطين، أي أولئك الذين يقومون بتدريب عملي ويتم إعدادهم لحالات الطوارئ، يتجاوز المغرب إسبانيا، إذ يوجد في المملكة ما يقرب من 195 ألف جندي، مقارنة بـ 133 ألف في إسبانيا. 

الفرق المهم أيضا يتمثل في عدد جنود الاحتياط، بالمغرب عددهم يصل إلى 150 ألف جندي، فيما إسبانيا لا يتجاوز 15 ألف جندي.

المعدات العسكرية

فيما يتعلق بالمعدات العسكرية، تبرز إسبانيا في المجال الجوي، مع أسطول من 461 طائرة، والتي تشمل طائرات قتالية متقدمة مثل Eurofighter Typhoon.

المغرب، من ناحية أخرى، لديه 260 طائرة ، من بينها F-16 ، التي اقتناها في السنوات الأخيرة كجزء من تحديثها العسكري.

في القوة الأرضية ، تتغير المعطيات. يتقدم المغرب في عدد الدبابات، مع 903 دبابة بما في ذلك أبرامز M1 الحديثة، مقارنة مع 317 دبابة في إسبانيا، والتي تشمل نماذج مثل الفهد 2E. 

ومع ذلك ، تتجاوز إسبانيا المغرب في المركبات المدرعة، مع حوالي 17000 وحدة ، مقارنة بـ 7000 وحدة في المغرب.

من حيث القوة البحرية ، تضم إسبانيا ما مجموعه 152 سفينة، بما في ذلك خوان كارلوس الأول، واثنين من الغواصات الفئة S-80 وأحد عشر فرقاطة. فيما يمتلك المغرب 111سفينة ما يسمح له بالحفاظ على وجود كبير في مياهه الإقليمية.

تتجاوز إسبانيا أيضًا المغرب من حيث الخدمات اللوجستية، مع وجود عدد أكبر من الموانئ والمطارات الاستراتيجية، وكذلك قدرة الوصول إلى الموارد الطبيعية الرئيسية لصيانة قواتها المسلحة. تتيح هذه الميزة اللوجستية لإسبانيا نشر العمليات العسكرية والحفاظ عليها بشكل أكثر كفاءة.

من سينتصر في حالة الحرب؟

على الرغم من أن المغرب حقق تقدمًا كبيرًا في قدرته العسكرية، وزيادة ميزانيته وتحديث معداته، فإن إسبانيا تحافظ على ميزة واضحة في التكنولوجيا والقدرة البحرية، وكذلك في دعم حلفائها الغربيين. 

في المواجهة الافتراضية، يمكن للتفوق التكنولوجي والاستراتيجي لإسبانيا أن يغير التوازن لصالحها.

لكن مع ذلك يبقى هذا السيناريو غير دقيق، لأن نتيجة الصراع تعتمد على عوامل متعددة، مثل الاستراتيجية والتحالفات الدولية، وفق التقرير.