لم تتخيل إلهام أن كل القصص الوردية الجميلة التي رسمتها عن الزواج في طفولتها، ستتلاشى أياما فقط بعد زواجها وهي قاصر، وتدفعها اليوم إلى الرغبة في أن تصرخ في وجه القائمين على تشريع القانون في البلاد: "كفى.. إنها جريمة".
تحاول إلهام إعادة ترتيب حياتها بعد زواج في سن غير قانوني استمر لـ12 عاما أنجبت فيه طفلين، "لكنها تجربة من الماضي"، وتقول إنها تتمنى ألا تعيش تجربتها فتيات أخريات من الجيل الجديد.
خيبة أمل
في مساء أحد أيام عام 2007، عادت إلهام (اسم مستعار) من المدرسة، لتجد عائلة من الجيران في بيت أهلها، يطلبون يدها للزواج، وبضغط من الأهل وافقت، وهي بالكاد تبلغ 17 عاما.
في القانون المغربي الحديث، إلهام فتاة قاصر ولا يمكن السماح بزواجها إلا بإذن من قاض حتى مع موافقة الأهل وولي أمرها، وهو الأب في غالب الأحوال أو الأخ في حال غياب الأب.
لكن المنظمات الحقوقية تدق ناقوس الخطر، إذ رغم تقييد زواج القاصرات بالمغرب ووضعه حصرا بيد قاض يفحص جميع الشروط، إلا أن هذه الزيجات مستمرة، إذ وافقت النيابة العامة المغربية، في عام 2023، على 8452 طلب لزواج قاصرات وهو رقم تراه حقوقيات مرتفعا ويشير إلى أن الظاهرة لا تزال مستمرة حتى في المدن الكبرى من المملكة.
وفي افتتاح السنة القضائية الجديدة هذا الأسبوع، كشف الحسن الداكي، رئيس النيابة العامة، أنه فيما يتعلق بتزويج القاصرات؛ فقد سجلت سنة 2023 حوالي 14197 طلبا للحصول على الإذن بزواج قاصر، تم رفض 5240 منها، بينما تمت الاستجابة إلى 8452 طلبا. وخلال سنة 2022، تم تسجيل حوالي 20097 طلبا للإذن بهذا الزواج، تم رفض 6445 طلبا منها.
أرقام النيابة العامة تظهر انخفاضا في الموافقة على الطلبات، لكن ذلك غير كاف بالنسبة للجمعيات المدافعة عن حقوق النساء، إذ تطالب بالقطع مع الزواج دون السن القانوني الذي يحدده القانون المغربي في 18 سنة.
ترى بشرى عبدو، مديرة جمعية تحدي للمساواة، أن الحل للقضاء على الظاهرة هو المنع الكلي والتام لزواج القاصرات دون منح استثناءات "الزواج دون سن 18 عاما" ولا غير ذلك، وفق ما ذكرته الناشطة في حديث لموقع "الحرة".
وبعد عقد من الزواج، باتت إلهام تتبنى نفس الموقف، أي منع زواج القاصرات، وتبرر أنها كامرأة عاشت التجربة ترى أن "الزواج في سن القاصر، هو تجربة عذاب نفسي وجسدي لن تحس بها إلا امرأة عاشتها بكل تفاصيلها، عاشتها ولا ترغب اليوم في أن تجربها أخريات".
"تجربة تخطف القاصر من سن الدراسة وتحقيق الأحلام" تقول إلهام، الأم لمحمد وليلى، "وليلى لن تتزوج وهي قاصر حتى لو حاربتُ الجميع من أجلها"، تؤكد الشابة التي تتحسر على 12 سنة ضاعت في زواج حرمها من الدراسة ومن تحقيق أحلامها.
كنت سأكمل دراستي
وتقول إلهام: "في سن 17 عاما، كانت فكرتي عن الزواج كل ما أراه في المسلسلات العاطفية، حب وغرام بين شخصين"، وبعد الزواج "اكتشفت أنني ممنوعة من إتمام دراستي أو العمل، لأن زوجي يرفض عمل المرأة أو تعليمها، والأخطر أني فهمت أنني لست ناضجة نفسيا وجسديا، بعد تجربة الحمل الأول، لأكون زوجة".
أثمر الزواج طفلين، تكافح إلهام كطباخة في مدرسة خاصة طوال أيام الأسبوع لإعالتهما، ويسمح للطفلين بالدراسة مقابل عمل والدتهم، وتقول: "هذا ما وجدت نفسي أجيده بعد الطلاق".
ثقافة سائدة تتجاوز القانون
تتحسر إلهام في حديثها لموقع "الحرة" أن لا أحد من عائلتها وقف ليعارض زواجها في سن 17 عاما، "عائلتي محافظة ترى أن المرأة مستقبلها في زواجها" لذلك تمت الزيجة ووافقت.
ترى الناشطة عبدو أن زواج القاصرات تعد معضلة حقيقية بالمملكة "نناضل من أجل حذف الفصول القانونية التي تبيحه"، وتضيف أن المشكلة الكبرى تبقى في عادات وثقافة سائدة تقبله وتشجعه.
تحاول إلهام إعادة ترتيب حياتها بعدما طوت صفحة زواج مبكر "كانت جحيما، لكنها الآن جزء من الماضي"، كما تقول بصوت واثق أنها تحدثت لموقع "الحرة" كي "تشجع الجيل الجديد على عدم الوقوع في نفس الخطأ".
وعن مطالب الحركات النسائية بتجريم زواج القاصرات أمام القانون، تقول إلهام إنها من أشد الداعمين لذلك، "سأقف في الصف الأمامي وأصرخ 'لا لزواج القاصرات'"، مبررة ذلك بأن تجربة حملها الأول علمتها أن الزواج في سن صغيرة "معاناة جسدية" لا يمكن لفتاة صغيرة تحملها.
ورغم طابعها الاستثنائي، تنتشر ظاهرة زواج القاصرات بقوة في المغرب، إذ لا تزال محاكم الأسرة تمنح الإذن بزواج القاصرات.
وتندد جمعيات نسائية وحقوقية بهذا الوضع مطالبة بسد هذه الثغرة القانونية. بينما يصفها رئيس النيابة العامة "بالمعضلة التي تستوجب مزيدا من اليقظة".
أما إلهام، ابنة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، فتختتم حديثها مع موقع "الحرة" أمام كل هذا الجدل بالبلاد عن الظاهرة بالتحسر عن 12 سنة من زواج كان ممكن أن تحقق فيها أحلامها وتكمل دراستها، وتقول: "لو يعود بي الزمن كنت سأضع حلما وأقاتل لتحقيقه".