جهاد المشهراوي يحمل طفله الذي قتل في إحدى الغارات الإسرائيلية خارج مستشفى الشفاء في غزة
جهاد المشهراوي يحمل طفله الذي قتل في إحدى الغارات الإسرائيلية خارج مستشفى الشفاء في غزة



قد لا تسنح دائما للصحفيين فرصة تغطية النزاعات المسلحة حول العالم، لكن قيمة هذه الفرصة تتلاشى عندما يجد أحد الذين حظوا بها نفسه وقد تحول من ناقل للخبر إلى الخبر ذاته.

وفي الأسبوع الماضي كان هناك مثال حي على ذلك، فقد تناقل الملايين من مستخدمي المواقع الاجتماعية صورة المصور والموضب بمكتب هيئة الإذاعة البريطانية BBC في غزة جهاد المشهراوي، وهو يجهش بالبكاء وفي حضنه جثة طفله الرضيع الذي قتل في إحدى الغارات الإسرائيلية على القطاع.

لقد فقدتُ طفلا جميلا وبريئا لا يتوقف عن الضحك والابتسام.. لم يكن يبكي أبدا حتى عندما يـُحقن بالأدوية
جهاد المشهراوي


 
مأساة الرضيع عمر

هذه الصورة التي نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية على صدر صفحتها الأولى، تحولت إلى رمز إنساني للحرب التي كانت تدور رحاها في قطاع غزة.
فقد قال الصحفي جهاد في تصريح لموقع "راديو سوا" إنه تلقى اتصالات متعاطفة من مختلف أنحاء العالم ومن أشخاص لا يعرفهم، لكن الصورة مست وترا حساسا في قلوبهم.

"فقدان طفلك الذي لا يتجاوز عمره 11 شهرا بهذه الطريقة البشعة سيترك جرحا في قلبك لن يندمل أبدا.. لكنني أود أن أخبر العالم عنه وعن براءته التي اغتالها الصاروخ الإسرائيلي"، هكذا لخص جهاد مشاعره بعد مقتل طفله وكيف تحول من ناقل للخبر إلى جزء من الخبر في مدة وجيزة.

وأفاد جهاد أنه كان جالسا في مكتبه يوضب شريطا مصورا لمكتب BBC في لندن عندما اتصل به صديق يخبره أن زوجته وطفليه قتلوا جميعا في إحدى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة. وقال إنه شعر بقلبه يتوقف عن الخفقان في تلك اللحظة، لكنه رفض أن يصدق الخبر وأجاب صديقه غاضبا "الله يرضى عليك مش وقت مزح هذا أنا مشغول وماليش وقت لمزحك"، وأكد جهاد أن لهجة صديقه الحزينة وإصراره على حلف اليمين وتكرار الخبر أكثر من خمس مرات، جعلت معدته تتقلص من شدة الألم ورمي كل شيء كان بيده وجرى خارج المكتب.

صورة تداولها رواد المواقع الاجتماعية لجهاد المشهراوي وطفله الرضيع عمر

​​تابع جهاد قائلا "ركبتُ دراجتي النارية وتوجهت إلى بيتي لأجده قد تحول إلى أنقاض.. لم أستطع السيطرة على دموعي فبدأت أبكي وأقول لجميع من حولي أين زوجتي وأطفالي.. بس ورجوني إياهم.. بشرفكم بدي بس أشوفهم.. بشرفكم بس أشوفهم".

اكتشف جهاد أن زوجته أصيبت بحروق ونقلت إلى مستشفى الشفاء رفقة طفله الأكبر علي الذي يبلغ من العمر أربع سنوات، وأن طفله الرضيع عمر في غرفة العناية الفائقة بسبب إصابته بحروق بليغة. وقال جهاد إنه عانق زوجته وطفله عمر وبرغم دموعه حمد الله على نجاتهم جميعا قبل أن ينقل له أحد الأطباء خبر وفاة عمر متأثرا بجروحه البليغة.

"لن أنسى تلك اللحظة ما حييت.. توقف الزمن خلالها وشعرت بألم لم أشعر به من قبل في حياتي.. لقد فقدتُ طفلا جميلا وبريئا لا يتوقف عن الضحك والابتسام.. لم يكن يبكي أبدا حتى عندما يـُحقن بالأدوية.. كل من رأى عمر كان يحبه لأنه كان طفلا جميلا جدا". بعد أن تلقى الخبر، حمل جهاد جثة رضيعه وخرج بها إلى الشارع وهو يصرخ ولا يقوى على التوقف عن سكب الدموع ويتساءل لماذا دفع طفله ثمن حرب لم يشارك فيها.

وأضاف جهاد أن مقتل طفله الرضيع جعله يتساءل في قرارة نفسه عن شعور ذلك الطيار الإسرائيلي الذي ضغط على زر إطلاق الصاروخ خلال الغارة على غزة "هل كان مبتسما وهو يطلق الصاروخ؟ هل كان حزينا؟ هل كان يشعر بتأنيب الضمير وهو يعلم أنه سيقتل مدنيين أبرياء بعمله ذلك؟ أريد أن أعرف وأريد أجوبة لكل هذه الأسئلة التي تعذبني".

"الصحافي ليس بشرا خارقا"

وغير بعيد عن قطاع غزة، أعرب الصحافي الإسرائيلي داني روبنشتاين وهو صحافي سابق في صحيفة "هاآرتس" وأستاذ الإعلام في الجامعة العبرية في القدس، عن أسفه لسقوط مدنيين خلال المواجهات المسلحة التي تجري بين بلاده وبين حركة حماس، لكنه استدرك قائلا "أتطلع حولي وأرى الخوف والقلق في عيون أفراد أسرتي وأحبتي وأشعر بحزنهم وتخوفهم على سلامتهم وسلامة أطفالهم.. صحيح أنا صحافي لكنني بشر أيضا وأشعر بما يشعر به شعبي في اللحظات الحاسمة مثل الحروب التي نخوضها من أجل البقاء".
 
كما عبر الصحافي الإسرائيلي عن تعاطفه الشديد مع جيرانه وأصدقائه ومعارفه الذين قال إنهم يتحولون إلى مجرد "أهداف" لصواريخ حماس، وشدد على أن "الصحافي ليس بشرا خارقا" وأنه يشعر بآلام شعبه ويدافع عن مصلحة بلاده، وأن الصحافيين الإسرائيليين لا يشذون عن القاعدة مثلهم مثل الصحافيين الفلسطينيين الذين يتبنون خطاب حماس أو السلطة الفلسطينية.

أطفال إسرائيليون مختبؤون في ملاجئ طلبا للحماية من الصواريخ التي تطلقها حركة حماس-أرشيف

​​
وقال روبنشتاين إن الصحافيين الإسرائيليين غاضبون ومستاؤون من كيفية إنهاء حكومتهم للغارات الإسرائيلية على قطاع غزة.

وأوضح روبنشتاين قائلا "حركة حماس احتفلت بفوزها خلال الغارات الأخيرة، وكصحافي إسرائيلي أشعر بالغبن والغضب بسبب كل ما عاناه سكان جنوب إسرائيل والذين يفوق عددهم مليون ونصف شخص"، وأفاد أن الصحافيين الإسرائيليين "يتبنون مصلحة إسرائيل العليا ولا يقبلون أن يبقى جزء من بلادهم في مرمى صواريخ حماس التي تشن حربا شاملة ضد المدنيين الإسرائيليين".

أتطلع حولي وأرى الخوف والقلق في عيون أفراد أسرتي وأحبتي وأشعر بحزنهم وتخوفهم على سلامتهم وسلامة أطفالهم.
داني روبنشتاين
علاج جماعي

وحتى بعد خفوت أصوات المدافع والصواريخ في قطاع غزة مع دخول اتفاق التهدئة حيز التنفيذ، فإن الآثار النفسية المدمرة على سكان القطاع بدت جلية في تغريداتهم على موقع "تويتر" وعلى جدران حساباتهم الخاصة على موقع "فيسبوك"ولا فرق في ذلك بين مواطن عادي وصحافي.

فقد كتبت المذيعة الفلسطينية نيفين أبو هربيد على حسابها الشخصي بموقع "فيسبوك" "بعد هذه التجربة المريرة التي عاشها كل أهل غزة أشعر أننا كلنا بحاجة لأطباء نفسيين حتى نتغلب على مشاعر الحزن والخوف داخلنا".

وكانت نيفين حريصة على تسجيل تفاصيل التطورات الميدانية خلال الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة وتدوينها على جدارها بموقع "فيسبوك"، والذي تحول إلى "بيت" افتراضي تلجأ إليه مع طفلتها الصغيرة ليندا وجيرانها والكثير من أصدقائها من مختلف الدول العربية الذين كانوا يطمئنون على سلامتها ويصلون لأجلها ولأجل طفلتها الصغيرة، وغالبا ما كانوا ينهون رسائلهم بـ"الله معكم.. الله ينجيكم.. قلوبنا معك يا نيفين ومع كل أهل غزة".

تجمعات حاشدة في ساحات صلاة عيد الفطر في مصر دعما للفلسطينيين - رويترز
تجمعات حاشدة في ساحات صلاة عيد الفطر في مصر دعما للفلسطينيين - رويترز

شهدت الساحات الرئيسية المخصصة لصلاة عيد الفطر في عدد من المحافظات المصرية، صباح الإثنين، وقفات تضامنية حاشدة، تعبيرًا عن دعم الفلسطينيين ورفضًا لأي محاولات "تهجير" للسكان من قطاع غزة.

وامتدت التجمعات في ساحات الصلاة والمساجد الكبرى بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمواطنين، الذين رفعوا لافتات ورددوا هتافات تؤكد رفض "التهجير القسري وتطالب المجتمع الدولي بالتصدي للانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين".

الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة لرئاسة الجمهورية في مصر، قالت في بيان، الإثنين، إن "ملايين من المصريين احتشدوا في وقفات تضامنية عقب أداء صلاة عيد الفطر المبارك في مئات الساحات والمساجد والمراكز الإسلامية، بكل المناطق بمحافظات مصر كافة".

وأضافت: "شملت هذه الحشود الغالبية الكبيرة من الساحات المخصصة لتلك الصلاة، وعددها على مستوى الجمهورية 6240 ساحة بجميع المحافظات".

"5 رسائل"

أشارت الهيئة إلى أن الرسائل التي ركزت عليها الحشود، هي: "الدعم الكامل للقيادة السياسية" في موقفها بشأن الحرب في غزة، بجانب "الرفض الكامل والمستمر من الشعب لمخططات التهجير"، والرسالة الثالثة هي "الإدانة التامة لحرب الإبادة على قطاع غزة، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ مواقف سريعة حاسمة ضدها".

رابع الرسائل، وفق البيان جاءت "رفض قاطع لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والتي لن يتم حلها سوى بحصول الشعب الفلسطيني الشقيق على حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على أراضيه ضمن حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

أما الرسالة الخامسة "المطالبة بالوقف الفوري والتام والنهائي لإطلاق النار في غزة، بما ينهي قطعيا مأساة أهلها بسبب حرب الإبادة التي تشن عليهم".

وفي مسجد المشير طنطاوي بالقاهرة أدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكبار مسؤولين الدولة صلاة العيد.

وألقى خطبة العيد الشحات العزازي، أحد مسؤولي وزارة الأوقاف، الذي أكد خلالها "رفض الدولة المصرية القاطع لمحاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة".

"رسالة واضحة"

حضر هذه الوقفات التضامنية قادة من الأحزاب والقوى السياسية المصرية المختلفة.

رئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، قال لـ"الحرة" إن الوقفات التضامنية "جاءت لتعكس دعم الشعب المصري بكافة أطيافه، ووقوفه خلف القيادة السياسية في موقفها القوي ضد محاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ورفض أي مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية".

وأوضح الشهابي أن هذه الفعاليات "حملت رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن المصريين، بكل مكوناتهم، يقفون خلف الدولة المصرية، ويدعمون موقفها الثابت في مواجهة المخططات التي تهدف إلى الاستيلاء على الأراضي العربية وضمها لصالح إسرائيل أو أميركا".

وأشار إلى أن توقيت هذه الوقفات جاء ردا على تقارير ذكرت "وجود انقسام داخل المجتمع المصري بشأن موقف الدولة من القضية الفلسطينية".

وقال إن هذه الادعاءات تستند إلى "معلومات مغلوطة مصدرها جهات مشبوهة وإعلام منحاز، ولا تعكس حقيقة التضامن الشعبي المصري مع القضية الفلسطينية ورفض أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي المصري".

كما قال النائب عصام عفيفي، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن ووكيل اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، إن هذه الوقفات تعد "تعبيرًا شعبيًا خالصًا تخلى فيه الجميع عن انتماءاتهم السياسية والحزبية، وجاءت تأييدًا لمواقف الرئيس المصري والدولة المصرية الرافضة للتهجير، مع التشديد على الحفاظ على الأراضي الفلسطينية والقضية الفلسطينية".

وأضاف عفيفي في تصريحات لمراسل "الحرة" أن الشعب المصري يرى "حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون جراء الهجمات الإسرائيلية، ولم يكن ليحتفل بعيد الفطر دون أن يعلن تأييده لمواقف القيادة المصرية، والتأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين".

وانتقد ما وصفه بـ"ثبات الضمير العالمي تجاه ما يعانيه الفلسطينيون"، معتبرًا أن هذه الوقفات "تأتي كمحاولة لاستنفار الضمير العالمي وتحفيز القوى الشعبية في مختلف الدول لاتخاذ مواقف أكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية".

 

تحضير قبل أسبوع

وأضاف الشهابي للحرة أن الوقفات التضامنية شملت جميع المحافظات المصرية، حيث شارك الحزب في تنظيمها في محافظات البحيرة، ودمياط، والمحلة، وطنطا، والمنصورة، وبني سويف، وأسيوط، وسوهاج، وأسوان، وبورسعيد، والإسماعيلية، والسويس.

وأشار إلى أن هذه الوقفات "لم تكن عفوية، بل جاءت بتنظيم مسبق من الأحزاب المصرية، التي بدأت الإعداد لها قبل أسبوع، لتأكيد دعمها لموقف القيادة السياسية المصرية، ورسالتها الواضحة للشعب الفلسطيني بأن مصر لن تتخلى عنه".

وأوضح رئيس حزب الجيل أن هذه الفعاليات لم تقتصر على حزبه فقط، بل شهدت مشاركة واسعة من مختلف الأحزاب المصرية، بما في ذلك "حزب مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين".

وأضاف أن "قيادات وشباب هذه الأحزاب تواجدت بين جموع المصلين، وانضمت إليهم حشود شعبية واسعة، مما يعكس أن هذه المظاهرات لم تكن مجرد تحركات حزبية، بل تعبيرًا عن موقف شعبي واسع داعم للقيادة المصرية ومناهض للتهجير القسري للفلسطينيين".

وأدانت دول عربية من بينها مصر، في وقت سابق هذا الشهر، قرار الحكومة الإسرائيلية المصادقة على إنشاء وكالة لدعم عملية "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من قطاع غزة، معتبرة أنه قرار يمثل "انتهاكا" للقانون الدولي.

وأكد بيان لوزارة الخارجية المصرية  انتفاء أساس ما يسمى "المغادرة الطوعية"، وشددت أن "المغادرة التي تتم تحت نيران القصف والحرب وفي ظل سياسات تمنع المساعدات الإنسانية وتستخدم التجويع كسلاح يعد تهجيرا قسريا وجريمة ومخالفة بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".

وصادق المجلس الوزاري للشؤون السياسية والأمنية في إسرائيل (الكابنيت)، على مقترح وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بإقامة إدارة "نقل طوعي" لسكان غزة الذين يبدون اهتمامهم بذلك إلى دول ثالثة، وفقا لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقال مكتب وزير الدفاع، إن الإدارة ستكون "مخولة بالعمل بالتنسيق مع المنظمات الدولية وغيرها من الكيانات، وفقاً لتوجيهات المستوى السياسي، وتنسق أنشطة جميع الوزارات الحكومية ذات الصلة".

وعارضت الدول العربية خطة ترامب التي تقترح "نقل" الفلسطينيين" خارج قطاع غزة من أجل إعادة الإعمار. وقدمت مصر مدعومة من الدول العربية مقترحا بديلا، يسمح بإعادة الإعمار مع عدم نقل الفلسطينيين.

ورفضت إسرائيل والولايات المتحدة الخطة المصرية.