الجهات الخارجية تفضل التعامل مع قيادة فلسطينية أفرزتها صناديق الاقتراع
الجهات الخارجية تفضل التعامل مع قيادة فلسطينية أفرزتها صناديق الاقتراع

الآن وقد دخل مصير الانتخابات الفلسطينية في غياهب المجهول، بعد أن تم ربط إجرائها بشرط رآه البعض تعجيزيا وهو الحصول على موافقة إسرائيلية رسمية على مشاركة فلسطينيي القدس الشرقية، حق للكثيرين بأن يعتبروا أن هذه الانتخابات كانت فرصة (وقد ضاعت) لضخ دماء جديدة وإعطاء ديناميكية وحيوية للمؤسسات الفلسطينية، وربما ساعدت أيضا في التقريب بين مختلف الفرقاء.

لكن آخرين سوف يتساءلون أيضا وما الجديد الذي سوف تجلبه هذه الانتخابات في ظل وجود الفصائل المسلحة، ونفس الزعامات، ونفس البرامج، والعقليات؟ بل هناك من يذهب أبعد محذرا من أن فوز حماس والإسلام السياسي مثلا في الانتخابات قد يكرر من جديد التجربة القاسية التي أعقبت الانتخابات السابقة أو شيئا مشابها لها. وهناك أيضا من لا يؤمن بالانتخابات جملة وتفصيلا أو يعتبرها غير مفيدة في ظل سيطرة إسرائيل على المشهد العام.

تتعدد الآراء وتتباين المواقف، لكن برأيي أنه أيا تكن النتائج التي كان يمكن أن تأتي بها هذه الانتخابات، من الواضح أن إجراءها يظل أفضل من عدمه. ولو لم تكن هناك من فائدة سوى أن تجعل الفلسطينيين يقتربون قليلا من الدولة ويبتعدون كثيرا عن القضية، لكان هذا كافيا في حد ذاته.

فالانتخابات لا تمنح فقط الشرعية للأشخاص، ولكنها أيضا تخلق المؤسسات وترسخ العقلية والقيم المؤسساتية. وفي حال الالتزام بجانب الشفافية والنزاهة فيها فإنها تعطي معنى حقيقيا للتغيير والتجديد، الذي يمنح بدوره الفرصة للأفكار والسياسات كي تتبلور وتنضج وتأخذ مجالها على أرض الواقع. والفلسطينيون مثل غيرهم، وربما أكثر من غيرهم، بحاجة إلى كل ذلك.

والحال أن تأجيل هذه الانتخابات لم يحرم الفلسطينيين فقط من هذه الفرصة، ولكنه أيضا كشف عن صورة نمطية لما يحدث في معظم الدول والمجتمعات العربية. وهي صورة يعرفها الجميع، لعل أبرز ما فيها هو الاستبداد والتمسك بالسلطة.

ورغم أن الفلسطينيين هم الأقرب جغرافيا واتصالا مع الإسرائيليين، من الدول العربية، إلا أنهم فضلوا أن يتشبهوا بهذه الأخيرة، ولا يأخذوا شيئا من الديمقراطية الإسرائيلية أو طريقتهم في بناء المؤسسات وإدارتها والتشجيع على قيام معارضة جادة ومسؤولة.

الإسرائيليون لم يتمكنوا من إقامة دولتهم، إلا عندما أنشأوا مؤسساتهم أولا، وأداروها بشكل ديمقراطي وتعددي، ووضعوا لها القوانين وطبقوها بصرامة، واعتمدوا ثقافة تقوم على القيم الليبرالية الحديثة.

تجربة الفلسطينيين مع إسرائيل قاسية كما هو معروف، لكنها أيضا يمكن أن تشكل فرصة للاستفادة والتعلم منها في كيفية بناء الدولة.

لكن يبدو أن إدمان النخبة الفلسطينية على "القضية" أقوى بكثير من الرغبة في إقامة الدولة. لذلك لم تعدم الحجج لتأجيل الانتخابات في حال كانت نتائجها غير مضمونة أو حتى إفراغها من محتواها في حال تقرر إجراؤها. وفي هذا لا تختلف حركة حماس عن حركة فتح إلا في الدرجة فقط وليس في النوع.

طبعا الانتخابات وحدها لن تجلب للفلسطينيين الدولة، لكن من دونها سوف يصعب أيضا خلق رأي عام حقيقي وملموس قادر على تدعيم موقف أية قيادة فلسطينية وهي تتفاوض مع إسرائيل أو تصارع من أجل الحفاظ على المصالح الوطنية.

كذلك تفضل الجهات الخارجية سواء الأوروبيين أو الأميركيين التعامل مع قيادة فلسطينية أفرزتها صناديق الاقتراع لأن ذلك يعطيها مصداقية أكبر في التحدث باسم الفلسطينيين ومعرفة ما يريدونه. وهذا هو سبب الانزعاج الذي شهدناه من هذه الدول على خطوة التأجيل.

وقد كان ملفتا، بحسب التقارير الفلسطينية، حجم الرغبة والحماس لهذه الانتخابات ولا سيما في صفوف الشباب الفلسطيني الذين لم يعرف الكثير منهم غيرها في حياتهم، حيث أن آخر انتخابات جرت في عام 2006، وهم يعتبرون أن لديهم الحق في اختيار قيادتهم والمشاركة في عملية صنع القرار.

بقرارها تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى تكون القيادة الفلسطينية إذن قد قضت بتجميد المشهد الفلسطيني الحالي هو الآخر إلى أجل غير مسمى، وهو ما يعني الإبقاء على الوضع القائم، الذي لا يسير لصالح الفلسطينيين. لكن هذه الخطوة لا تقف عند هذا الحد، إذ هي تترك جملة من الأسئلة المهمة من دون إجابات، خصوصا تلك التي تتعلق بخلافة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وتنظيم أجهزة السلطة وكذلك الإبقاء على الانقسام الفلسطيني الداخلي.

وفي حال بقيت هذه القضايا معلقة ومن دون حل ديمقراطي فإنها تنذر بعواقب غير محمودة، من شأنها أن تزيد الوضع الفلسطيني السيئ سوءا.

تجمعات حاشدة في ساحات صلاة عيد الفطر في مصر دعما للفلسطينيين - رويترز
تجمعات حاشدة في ساحات صلاة عيد الفطر في مصر دعما للفلسطينيين - رويترز

شهدت الساحات الرئيسية المخصصة لصلاة عيد الفطر في عدد من المحافظات المصرية، صباح الإثنين، وقفات تضامنية حاشدة، تعبيرًا عن دعم الفلسطينيين ورفضًا لأي محاولات "تهجير" للسكان من قطاع غزة.

وامتدت التجمعات في ساحات الصلاة والمساجد الكبرى بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمواطنين، الذين رفعوا لافتات ورددوا هتافات تؤكد رفض "التهجير القسري وتطالب المجتمع الدولي بالتصدي للانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين".

الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة لرئاسة الجمهورية في مصر، قالت في بيان، الإثنين، إن "ملايين من المصريين احتشدوا في وقفات تضامنية عقب أداء صلاة عيد الفطر المبارك في مئات الساحات والمساجد والمراكز الإسلامية، بكل المناطق بمحافظات مصر كافة".

وأضافت: "شملت هذه الحشود الغالبية الكبيرة من الساحات المخصصة لتلك الصلاة، وعددها على مستوى الجمهورية 6240 ساحة بجميع المحافظات".

"5 رسائل"

أشارت الهيئة إلى أن الرسائل التي ركزت عليها الحشود، هي: "الدعم الكامل للقيادة السياسية" في موقفها بشأن الحرب في غزة، بجانب "الرفض الكامل والمستمر من الشعب لمخططات التهجير"، والرسالة الثالثة هي "الإدانة التامة لحرب الإبادة على قطاع غزة، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ مواقف سريعة حاسمة ضدها".

رابع الرسائل، وفق البيان جاءت "رفض قاطع لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والتي لن يتم حلها سوى بحصول الشعب الفلسطيني الشقيق على حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على أراضيه ضمن حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

أما الرسالة الخامسة "المطالبة بالوقف الفوري والتام والنهائي لإطلاق النار في غزة، بما ينهي قطعيا مأساة أهلها بسبب حرب الإبادة التي تشن عليهم".

وفي مسجد المشير طنطاوي بالقاهرة أدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكبار مسؤولين الدولة صلاة العيد.

وألقى خطبة العيد الشحات العزازي، أحد مسؤولي وزارة الأوقاف، الذي أكد خلالها "رفض الدولة المصرية القاطع لمحاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة".

"رسالة واضحة"

حضر هذه الوقفات التضامنية قادة من الأحزاب والقوى السياسية المصرية المختلفة.

رئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، قال لـ"الحرة" إن الوقفات التضامنية "جاءت لتعكس دعم الشعب المصري بكافة أطيافه، ووقوفه خلف القيادة السياسية في موقفها القوي ضد محاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ورفض أي مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية".

وأوضح الشهابي أن هذه الفعاليات "حملت رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن المصريين، بكل مكوناتهم، يقفون خلف الدولة المصرية، ويدعمون موقفها الثابت في مواجهة المخططات التي تهدف إلى الاستيلاء على الأراضي العربية وضمها لصالح إسرائيل أو أميركا".

وأشار إلى أن توقيت هذه الوقفات جاء ردا على تقارير ذكرت "وجود انقسام داخل المجتمع المصري بشأن موقف الدولة من القضية الفلسطينية".

وقال إن هذه الادعاءات تستند إلى "معلومات مغلوطة مصدرها جهات مشبوهة وإعلام منحاز، ولا تعكس حقيقة التضامن الشعبي المصري مع القضية الفلسطينية ورفض أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي المصري".

كما قال النائب عصام عفيفي، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن ووكيل اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، إن هذه الوقفات تعد "تعبيرًا شعبيًا خالصًا تخلى فيه الجميع عن انتماءاتهم السياسية والحزبية، وجاءت تأييدًا لمواقف الرئيس المصري والدولة المصرية الرافضة للتهجير، مع التشديد على الحفاظ على الأراضي الفلسطينية والقضية الفلسطينية".

وأضاف عفيفي في تصريحات لمراسل "الحرة" أن الشعب المصري يرى "حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون جراء الهجمات الإسرائيلية، ولم يكن ليحتفل بعيد الفطر دون أن يعلن تأييده لمواقف القيادة المصرية، والتأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين".

وانتقد ما وصفه بـ"ثبات الضمير العالمي تجاه ما يعانيه الفلسطينيون"، معتبرًا أن هذه الوقفات "تأتي كمحاولة لاستنفار الضمير العالمي وتحفيز القوى الشعبية في مختلف الدول لاتخاذ مواقف أكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية".

 

تحضير قبل أسبوع

وأضاف الشهابي للحرة أن الوقفات التضامنية شملت جميع المحافظات المصرية، حيث شارك الحزب في تنظيمها في محافظات البحيرة، ودمياط، والمحلة، وطنطا، والمنصورة، وبني سويف، وأسيوط، وسوهاج، وأسوان، وبورسعيد، والإسماعيلية، والسويس.

وأشار إلى أن هذه الوقفات "لم تكن عفوية، بل جاءت بتنظيم مسبق من الأحزاب المصرية، التي بدأت الإعداد لها قبل أسبوع، لتأكيد دعمها لموقف القيادة السياسية المصرية، ورسالتها الواضحة للشعب الفلسطيني بأن مصر لن تتخلى عنه".

وأوضح رئيس حزب الجيل أن هذه الفعاليات لم تقتصر على حزبه فقط، بل شهدت مشاركة واسعة من مختلف الأحزاب المصرية، بما في ذلك "حزب مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين".

وأضاف أن "قيادات وشباب هذه الأحزاب تواجدت بين جموع المصلين، وانضمت إليهم حشود شعبية واسعة، مما يعكس أن هذه المظاهرات لم تكن مجرد تحركات حزبية، بل تعبيرًا عن موقف شعبي واسع داعم للقيادة المصرية ومناهض للتهجير القسري للفلسطينيين".

وأدانت دول عربية من بينها مصر، في وقت سابق هذا الشهر، قرار الحكومة الإسرائيلية المصادقة على إنشاء وكالة لدعم عملية "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من قطاع غزة، معتبرة أنه قرار يمثل "انتهاكا" للقانون الدولي.

وأكد بيان لوزارة الخارجية المصرية  انتفاء أساس ما يسمى "المغادرة الطوعية"، وشددت أن "المغادرة التي تتم تحت نيران القصف والحرب وفي ظل سياسات تمنع المساعدات الإنسانية وتستخدم التجويع كسلاح يعد تهجيرا قسريا وجريمة ومخالفة بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".

وصادق المجلس الوزاري للشؤون السياسية والأمنية في إسرائيل (الكابنيت)، على مقترح وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بإقامة إدارة "نقل طوعي" لسكان غزة الذين يبدون اهتمامهم بذلك إلى دول ثالثة، وفقا لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقال مكتب وزير الدفاع، إن الإدارة ستكون "مخولة بالعمل بالتنسيق مع المنظمات الدولية وغيرها من الكيانات، وفقاً لتوجيهات المستوى السياسي، وتنسق أنشطة جميع الوزارات الحكومية ذات الصلة".

وعارضت الدول العربية خطة ترامب التي تقترح "نقل" الفلسطينيين" خارج قطاع غزة من أجل إعادة الإعمار. وقدمت مصر مدعومة من الدول العربية مقترحا بديلا، يسمح بإعادة الإعمار مع عدم نقل الفلسطينيين.

ورفضت إسرائيل والولايات المتحدة الخطة المصرية.