مواجهات متكررة بين مسلحين فلسطينيين والقوات الإسرائيلية بالضفة الغربية
مواجهات متكررة بين مسلحين فلسطينيين والقوات الإسرائيلية بالضفة الغربية

منذ مارس الماضي، كثف الجيش الإسرائيلي نشاطه داخل مناطق متفرقة من الضفة الغربية تحت حملة أطلق عليها "كاسر الأمواج" لدرجة أن هذه العمليات العسكرية باتت روتينية تنتهي غالبا بمواجهات بين القوات ومسلحين فلسطينيين.

وغالبا ما تسفر هذه المواجهات المتجددة عن سقوط قتلى وجرحى أغلبهم من الجانب الفلسطيني، آخرها، الجمعة، بعد وقوع قتيلين فلسطينيين اثنين أحدهما طبيب في مخيم جنين للاجئين.

وفي الوقت الذي يقول الجيش الإسرائيلي إن عمليات الدهم التي تقوم بها قواته تأتي "لاعتقال مطلوبين يشتبه في ارتكابهم جرائم إرهابية"، ترى السلطة الفلسطينية أن هذا النشاط العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية يمثل "عدوانا ضد الشعب الفلسطيني وأرضه".

وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية، الجمعة، بمقتل شخصين بينهما الطبيب، عبدالله الأحمد، متأثرا بإصابته جراء رصاصة اخترقت رأسه أطلقها جنود إسرائيليون أمام مستشفى جنين الحكومي، وفقا لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا).

وأدانت الرئاسة الفلسطينية ما وصفته بـ "الجريمة الجديدة" وقالت إن حكومة إسرائيل "تجاوزت كل الخطوط الحمراء ولن نسمح باستمرار الوضع الحالي"، بحسب ما نقلت "وفا" عن المتحدث باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة.

في الطرف الآخر، قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنه اعتقل 4 مطلوبين في مخيم جنين للاجئين، أحدهم ناشط في حركة حماس المصنفة على لائحة الإرهاب في الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأفاد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، بأن "ضياء محمد يوسف سلامة (24 عاما) من سكان المخيم والناشط في حماس وضبط بحوزته سلاح M-16".

وقال أدرعي على تويتر إنه "خلال نشاطها في جنين تعرضت قوات الأمن إلى إلقاء عبوات ناسفة ورصاص حي مكثف حيث ردت القوات مستهدفة بشكل دقيق مسلحين فلسطينيين تم رصدهم في المنطقة".

"سببان للعمليات"

في الجانب الفلسطيني، يرى المحلل السياسي، جهاد حرب، أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية بالضفة الغربية لها سببان رئيسيان.

وقال حرب لموقع "الحرة" إن السبب الأول يتمثل في "استمرار احتلال الضفة ومنع أي مقاومة محتملة"، فيما أشار إلى أن السبب الآخر يكمن في الانتخابات.

وأضاف: "عمليات اقتحام مناطق (أ) وقتل فلسطينيين لها غايات انتخابية للحصول على أصوات اليمين واليمين المتطرف في انتخابات نوفمبر".

والضفة الغربية مصنفة لثلاث مناطق هي (أ) و(ب) و(ج) طبقا لاتفاقية أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل. وتعتبر المنطقة (أ) هي مدن الضفة الغربية الرئيسية، وهي مناطق خاضعة أمنيا لسيطرة قوات السلطة الفلسطينية، بموجب الاتفاقية.

في المقابل، قال المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرن، إن "البداية الحقيقية" لهذه المواجهات "جاءت بعد استهداف المدنيين الإسرائيليين في تل أبيب ومدن أخرى في سلسلة عمليات نفذها مسلحون فلسطينيون من شمال الضفة وبعضهم من داخل إسرائيل".

في حديثه لموقع "الحرة"، أوضح شتيرن أن الأجهزة الأمنية في إسرائيل وصلت لاستنتاج مفاده "ضعف الأمن من جانب السلطة الفلسطينية في تلك المناطق" مما جعل إسرائيل تطلق "اتهامات وتحذيرات ومن ثم تهديدات بأن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تكثيف الوجود الأمني الإسرائيلي في الضفة، وخصوصا في الشمال".

وقال إن "قوات الأمن الفلسطينية تغيب عن هذه المناطق ولا تعمل ما تتوقع منها إسرائيل على الأقل"، مما جعل عمليات الجيش مستمرة وتكثفت خلال الأسابيع الأخيرة، على حد قوله.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن عملية "كاسر الأمواج" تأتي ضد "أوكار إرهابية فلسطينية في مناطق يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية) في أعقاب سلسلة من الاعتداءات والعمليات التخريبية نفذها مخربون فلسطينيون في مدن إسرائيلية"، مشيرا إلى أن حملة الاعتقالات تستهدف "مطلوبين أمنيين ينتمون لمنظمات إرهابية".

تعليقا على ذلك، قال حرب إن "أغلب المطلوبين الذين قتلوا على يد القوات (الإسرائيلية) في جنين ونابلس لم يقوموا بعمليات داخل الخط الأخضر، بل قاموا بعمليات في أراضي 1967 وهذا حق مشروع في مقاومة الاحتلال".

وأشار إلى أن "عمليات القتل التي تجري ليست مرتبطة بعمليات داخل المدن الإسرائيلية بقدر ما هي محاولة لتمكين قوات الاحتلال من الاستمرار في الأراضي المحتلة".

"دروع بشرية"

وكانت الرئاسة الفلسطينية قالت في بيانها، الجمعة، إن حكومة إسرائيل "تريد استغلال الدم الفلسطيني في حساباتها الانتخابية الرخيصة".

وفي هذا الإطار، يستبعد شتيرن أن تستغل إسرائيل هذه المواجهات لصالحها، قائلا إنه ليس من مصلحة الحكومة الحالية أن تتصاعد حدة المواجهات.

وتابع: "المستفيد من هذه المواجهات هي الأحزاب اليمينية التي تقف في المعارضة، لا سيما حال سقوط خسائر بشرية من الجانب الإسرائيلي"، وهو ما حدث مؤخرا.

ويشرح ذلك بقوله إن "الناخب الإسرائيلي سيتوجه إلى الليكود والأحزاب اليمنية الأخرى على اعتبار أنها ترفض المرونة مع الجانب الفلسطيني، والناخب يرى فيها أنها تواجه التطرف الفلسطيني بقسوة".

ومن المقرر إجراء الانتخابات الإسرائيلية في الأول من نوفمبر المقبل، في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتانياهو، للعودة للسلطة مجددا. 

ويؤيد رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، يائير لبيد، حل الدولتين، بحيث تقام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل بالضفة الغربية، لكن الأحزاب اليمينية تعارض ذلك بقوة.

منذ الربيع الماضي، قتل أكثر من 20 شخصا غالبيتهم من المدنيين داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية في هجمات نفذها فلسطينيون بعضهم من سكان إسرائيل، وقتل ثلاثة من المهاجمين خلالها.

وردا على ذلك، كثفت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية في الضفة الغربية حيث قتل وفقا لأرقام وزارة الصحة الفلسطينية منذ مطلع العام الحالي أكثر من 109 فلسطينيين بينهم نشطاء ومدنيون والصحفية الفلسطينية الأميركية، شيرين أبو عاقلة.

ويقول الجيش الإسرائيلي في تصريحاته السابقة إن "الإرهابيين الفلسطينيين يعرضون حياة السكان المدنيين للخطر في مخيم جنين عندما يطلقون النار عشوائيا من الساحات وأسطح المنازل"، متهما المسلحين الفلسطينيين باستخدام السكان كـ "دروع بشرية".

وكان لمدينتي جنين ونابلس، حيث توجد مخيمات للاجئين مترامية الأطراف، نصيب كبير من أعمال العنف الأخيرة. إلا أن حوادث تقع أيضا في مناطق أخرى في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث قُتل جنديان إسرائيليان هذا الأسبوع.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، احتشد مئات الفلسطينيين للاحتجاج عند نقاط تفتيش مؤدية إلى مخيم رئيسي للاجئين في القدس.

وحذر شتيرن من تصاعد الاشتباكات في القدس التي فيها نقاطا ساخنة كالمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، مما قد يؤدي إلى مزيد من العنف وإراقة الدماء.

وقال: "عندما تصل إلى القدس، عندها تتسع رقعة المواجهات وهناك نقاط ساخنة وحساسة وسط تواجد مكثف للمستوطنين وقوات الأمن من جهة، والفلسطينيين من جهة أخرى".

"صعود الشباب في الضفة"

وامتد العنف مؤخرا، إلى شوارع القدس الشرقية، حيث قالت الشرطة الإسرائيلية إنها اشتبكت مع "مثيري شغب" واعتقلت عدة أشخاص أشعلوا النار في الإطارات ورشقوا السيارات المارة بالحجارة وهاجموا الضباط.

ويقول حرب إن عمليات دهم الجيش الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية بدأت عام 2002 خلال الانتفاضة الثانية، ولم يكن هذا النشاط شائعا قبل ذلك.

وتابع: "المجموعات المسلحة في جنين ونابلس غير مرتبطة بإطار تنظيمي محدد، وهي مجموعات محلية في أغلبها تواجه الاحتلال بإرث تاريخي واسع".

وأردف بقوله: "الشبان الذين يقاتلون في العشرينات من العمر وبالتالي هم لم يكونوا موجودين أو كانوا أطفالا عندما اجتاحت إسرائيل المخيم عام 2002. اليوم لديهم رد فعل إزاء ما لحق بأهلهم وأقاربهم ممن استشهدوا خلال السنوات الماضية".

لكن شتيرن يعتقد أن هناك "أطرافا فلسطينية مستفيدة من تصاعد المواجهات مع إسرائيل".

وأضاف أن "هناك جهات فلسطينية لها مصلحة في التصعيد والاستمرار هذه المواجهات ... أتحدث عن منظمات مثل حماس والجهاد الإسلامي، كما أن الأشهر الأخيرة خرجت مجموعات لا نعرف مرجعيتها مثل جماعة عرين الأسود".

ومجموعة "عرين الأسود" تأسست حديثا على يد عدد من النشطاء الفلسطينيين في البلدة القديمة لمدينة نابلس، حيث أعلنت مسؤوليتها عن هجوم قتل فيه ضابط إسرائيلي خلال الأسبوع الماضي، وفق فرانس برس.

وتتخذ هذه المجموعة المسلحة الجديدة راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" شعارا لها، وهي راية أشبه تماما بالعلم السعودي، حيث تهدف لمقاومة التواجد العسكري الإسرائيلي بمدن الضفة الغربية.

وقال شتيرن إن "هناك توجه جديد في الضفة كما يبدو بصعود جهات شابة لا تقبل التركيبة السياسية الفلسطينية الحالية وتريد المواجهة مع الطرف الإسرائيلي وتستغل الفرص للاحتكاك مع الجيش والمستوطنين".

كان من المقرر أن يتألف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من ثلاث مراحل (رويترز)
أرشيفية لآثار المعارك في غزة

قال مسؤولون بالأمم المتحدة، الاثنين، إنه جرى انتشال جثث 15 من عمال الطوارئ والإغاثة من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني الفلسطيني والأمم المتحدة من مقبرة في الرمال، في جنوب قطاع غزة.

وذكر توم فليتشر وكيل، الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، منسق الإغاثة في حالات الطوارئ على إكس أن الجثث دفنت بالقرب من "سيارات محطمة وعليها علامات واضحة (تدل على هويتها)".

وأضاف "قتلوا على يد القوات الإسرائيلية أثناء محاولتهم إنقاذ أرواح. نطالب بإجابات وتحقيق العدالة".

وقال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إن تحقيقا خلص إلى أنه في 23 مارس، أطلقت قواته النار على مجموعة مركبات تضم سيارات إسعاف وإطفاء، عندما اقتربت المركبات من موقع دون تنسيق مسبق ودون تشغيل المصابيح الأمامية أو إشارات الطوارئ.

وأضاف أن عددا من المسلحين المنتمين إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي قُتلوا.

 وقال في بيان "يستنكر جيش الدفاع الإسرائيلي استخدام المنظمات الإرهابية البنية التحتية المدنية في قطاع غزة على نحو متكرر، بما في ذلك استخدام المرافق الطبية وسيارات الإسعاف لأغراض إرهابية".

وفي بيان أرسل لوكالة رويترز، قال الجيش إنه سهل عملية نقل الجثث من المنطقة التي وصفها بأنها منطقة قتال نشطة. 

وقال فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) على إكس، الاثنين، إن الجثث ألقيت "في قبور ضحلة، وهو انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية".

وأضاف لازاريني أن هذه الوفيات ترفع إجمالي عدد موظفي الإغاثة الذين قُتلوا منذ بدء الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة إلى 408.

وفي بيان صدر في وقت متأخر من مساء أمس الأحد، عبرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن "صدمتها" إزاء هذه الوفيات.

وأضافت "جرى التعرف على هوية جثثهم اليوم، وتم انتشالها لدفنها بكرامة. كان هؤلاء الموظفون والمتطوعون يخاطرون بحياتهم لتقديم الدعم للآخرين".

وأعلن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن أحد موظفي فريق الهلال الأحمر، المكون من تسعة أفراد، لا يزال مفقودا.

ولم يعلق الاتحاد بعد على تفاصيل الموقع الذي عُثر فيه على الجثث. وكانت المجموعة قد فُقدت في 23 مارس، بعد أن استأنفت إسرائيل هجومها الشامل على حركة حماس.