تصاعد التوتر بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني منذ مطلع العام الجاري/ صورة تعبيرية
تصاعد التوتر بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني منذ مطلع العام الجاري/ صورة تعبيرية

دوامة مستمرة من العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تزامنت آخر فصولها مع اجتماع ضم مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، للمرة الأولى، منذ فترة طويلة.

وفي نفس يوم عقد الاجتماع، قتل شقيقان إسرائيليان في الضفة الغربية، فرد مستوطنون إسرائيليون بعمليات انتقامية في قرية فسلطينية، ما أجج أعمال العنف التي تشهد تصعيدا أصلا، منذ عدة أيام، بعد أن نفذ الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية في مدينة نابلس بحثا عن مهاجم فلسطيني.

كان فلسطينيون قد أطلقوا النار مستوطنين شقيقين (20 و22 عاما) من مستوطنة هار براخا، فرد المستوطنون بمهاجمة قرية حوارة شمال الضفة الغربية، حيث أحرقوا عشرات السيارات وعددا من منازل الفلسطينيين.

وفي هذه الأحداث، قٌتل فلسطيني بالرصاص في القرية، وفق عضو مجلس بلديتها، وجيه عودة، وأحرقوا "أكثر من 30 منزلا و100 مركبة"، حسبما صرح لوكالة فرانس برس.

من جهته، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، مساء الأحد، إلى الهدوء، وقال متوجها للمستوطنين: "أطلب منكم، رغم أن الدماء لا تزال ساخنة والرؤوس حامية، عدم أخذ العدالة بأيديكم وترك قوات الأمن تنجز مهمتها".

وقال رؤساء مجالس المستوطنات في الضفة الغربية في بيان: "لن نأخذ القانون بأيدينا ... الألم كبير ... نطالب الحكومة الإسرائيلية التحرك بأسرع ما يمكن لضمان سلامة وحياة المستوطنين".

ويوم الاثنين، نشرت إسرائيل قوات إضافية في الضفة الغربية. وأفاد الجيش الإسرائيلي، بوقوع "حادثة إطلاق نار على مفترق بيت عربة في الأغوار". وقالت السلطات الصحية إن "رجلا يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما أصيب في إطلاق النار، وإصابته بالغة".

وأفاد الهلال الأحمر الفلسطيني، الاثنين، بإصابة 10 فلسطينيين اختناقا بالغاز، خلال مواجهات في جبل صبيح بلدة بيتا، جنوبي مدينة نابلس، وباعتداء المستوطنين على ممتلكات المواطنين في حوارة.

وطغت أحداث الأحد على الاجتماع الذي استمر ليوم واحد في منتجع العقبة الأردني، والذي وصف بأنه الأول من نوعه منذ توقف مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في عام 2014، حيث تعهدوا بـ "خفض التصعيد على الأرض ومنع المزيد من العنف".

وعند حلول الظلام، مع اختتام الاجتماع، نظم مستوطنون مسيرات في نفس منطقة إطلاق النار، وبدأوا بمهاجمة الفلسطينيين.

"نقطة الغليان"

وفي تقرير بشأن تلك الأحداث، كتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية: "أعمال شغب عنيفة للمستوطنين الإسرائيليين تدفع الضفة الغربية إلى نقطة الغليان".

وقالت إن "الوضع في الضفة الغربية قد يدفع إلى وقوع الاشتباكات التي حذر منها مسؤولو الدفاع بعد شهرين من تنصيب حكومة إسرائيل اليمينية".

ومن جهته، توقع وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الاثنين "أياما معقدة أو أكثر صعوبة، وقد يكون ذلك في الضفة الغربية والقدس أو حتى على جبهة قطاع غزة".

وأكد أنه أعطى تعليماته بضرورة "الاستعداد لكافة التهديدات" إلى جانب "تكثيف الوجود والعلميات الميدانية وتوفير الحماية على الطرقات والمحاور الرئيسية والحراسة للمستوطنات".

وأضاف غالانت خلال جولة ميدانية في موقع عملية إطلاق النار في حوارة: "لن نسمح بالإرهاب ضد الإسرائيليين وسنتصرف حسب الضرورة، وفي نفس الوقت أدعو الجميع إلى الهدوء والتهدئة".

وأضاف: "يجب ألا نسمح تحت أي ظرف من الظروف بموقف يأخذ فيه الناس القانون بأيديهم، أطلب من الجميع الامتثال لتعليمات القانون وقبل كل شيء أن يثقوا بالجيش وقوات الأمن، نحن نقوم بالمهمة".

رغبة في التهدئة.. ولكن

ومن جانبها، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الاجتماع الأخير يعكس "مستوى من البراغماتية من جانب حكومة إسرائيل الأكثر يمينية والتي بلغ عمرها شهرين"، كما أظهر رغبة واشنطن في اتفاقات قد تساعد في منع الوضع من الخروج عن نطاق السيطرة".

لكن أعمال العنف التي وقعت الأحد "أظهرت التحديات"، وأنها أسفرت فقط عن حقيقة أن الجانبين قد التقيا.

كان المجتمعون قد قالوا في بيانهم المشترك عقب المحادثات إن "الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أكدا التزامهما بجميع الاتفاقات السابقة بينهما... وجددا التأكيد على ضرورة الالتزام بخفض التصعيد على الأرض ومنع المزيد من العنف". وقال الأردن إن الأطراف الخمسة اتفقت على الاجتماع مرة أخرى الشهر المقبل في مصر.

ورحبت الولايات المتحدة بالتزام الإسرائيليين والفلسطينيين بـ"تفادي أعمال العنف الجديدة"، مشيرة إلى أن "التطبيق سيكون حاسما".

وقال مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، في بيان: "ندرك أن هذا الاجتماع هو نقطة انطلاق وأنه سيكون هناك كثير من العمل يتعين القيام به في الأسابيع والأشهر المقبلة من أجل بناء مستقبل مستقر ومزدهر للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء".

ومن جانبه، اعتبر مئير مصري، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس وعضو اللجنة المركزية لحزب العمل "أن للاجتماع دورا هاما في تحجيم حالة الفلتان الأمني التي تشهدها المنطقة من خلال وضع آليات للعمل المشترك بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من ناحية، ولاسيما مع اقتراب قدوم شهر رمضان والأعياد اليهودية حيث يزداد التوتر تقليديا".

قال مصري في تصريحات لموقع "الحرة" إنه ينبغي" اتخاذ إجراءات فنية على الأرض من شأنها أن تدعم السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية التي فقدت السيطرة على عدة مدن في مناطق الحكم الذاتي".

لكن وقوع الأحداث الأخيرة أثار غضب أطراف من المعارضة ومسؤولين إسرائيليين.

والاثنين، تحدث زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد عن "فوضى عارمة"، وكتب على تويتر أن "الحكومة فقدت السيطرة على الإرهاب العربي والإرهاب اليهودي ومجلس الوزراء والكنيست والمستوطنين".

وقال غانتس إنه "هذه الأيام لا توجد حكومة في إسرائيل. هناك فوضى. يجلس المتهمون بالإرهاب والمحرضون على طاولة الحكومة تحت رعاية نتانياهو، ويضرون بمصالح إسرائيل الأمنية العميقة".

وأضاف غانتس أنه "قلق للغاية من وقوع كارثة أمنية علينا، وأجزاء من الحكومة تغذي الإرهاب. الكلمات تؤدي إلى الأفعال، والأفعال تؤدي إلى أفعال أصعب".

ومن جانبه، اعتبر المحلل السياسي المقيم في واشنطن، حسن منيمنة، في تصريحات لموقع "الحرة" أن الاجتماع جرى في إطار رسمي فقط، وأن الجانب الإسرائيلي يريد طمأنة الأميركيين وأنه يريد "التعاون والذهاب قدما مع الإدارة الأميركية لكن بصورة شكلية، في حين أن الجانب الفلسطيني غير قادر على تنفيذ المطالب".

ورأى منيمنة، وهو مدير مؤسسة بدائل الشرق الأوسط، والأستاذ في معهد الشرق الأوسط، أن التحركات الدبلوماسية الإسرائيلية تعبر عن "التزام شكلي" بالتوافقات، أي يقدمون للأميركيين الحد الأدنى المطلوب حتى لا يظهر أن موقفهم هو موقف رافض، والدليل أنه في مرحلة سابقة، عندما جرت التوافقات، أقرت الولايات المتحدة بحق الإسرائيليين في حال العمليات الساخنة، في حال كان هناك خطر داهم، لكن إسرائيل أقدمت على عملية نابلس دون أن تكون استباقية أو وقائية".

ورأى أن "ما نشهده هو التزام بشكل الاتفاقات دون الالتزام بروح الاتفاقات التي تسعى في نهاية المطاف لخفض التوتر".

وأضاف أنه "تم السماح للمستوطنين بالتخريب، بينما الفلسطينيين ليست لديهم قدرة على ضبط الأمور.. الأحداث على الأرض تأخذ زخما خاصا بها دون أن تتمكن هذه اللقاءات من تحقيق ما تصبو إليه".

وقال: "هناك نوع من الإساءة المتعمدة او غير المتعمدة من جانب الحكومة الإسرائيلية بالسماح للمستوطنين بهذا العبث".

ومن جابه، اعتبر المحلل الإسرائيلي، إيلي نيسان، في تصريحات لموقع "الحرة" أن "الاجتماع ليس له علاقة بالأطراف ولكن بالرسائل التحريضية من "حماس" و"الجهاد" وشبكات التواصل التي دفعت الشاب الذي قام بالعملية التي أسفرت عن مقتل مستوطنين، وكلك العملية الأخيرة التي وقعت الاثنين".

وقال إن الولايات المتحدة "تريد أن يسود الهدوء في المنطقة بشكل خاص قبل شهر رمضان، وألا يتخذ الجانبان خطوات أحادية الجانب سواء من ناحية عدم ذهاب الجانب الفلسطينيين للمنابر الدولية بهدف وقف الاستيطان، أو بمطالبة إسرائيل بعدم بناء مستوطنات جديدة، ولكن المشكلة هي أن الميدان لن ينصاع لأي أوامر".

وقال إن "أبو مازن فقط فقد السيطرة على جنين ونابلس، والسؤال هو بعد هذه القمة هل يأخذ زمام الأمور ويدخل قوات الأمن الفلسطينية مخيم جنين ونابلس ومصادرة الأسلحة هناك؟ لن يفعل لأنه لو قام بذلك سيكون هناك معارضة من الفلسطينيين".

كان البيان المشترك قد تطرق أيضا لقضية المستوطنات، حيث أشار إلى أن الطرفين لديهما "استعداد مشترك العمل الفوري لوقف الإجراءات الأحادية الجانب لمدة من ثلاثة إلى ستة أشهر، ويشمل ذلك التزاما إسرائيليا بوقف مناقشة إقامة أي وحدات استيطانية جديدة لمدة أربعة أشهر، ووقف إقرار أي بؤر استيطانية جديدة لمدة ستة أشهر". 

وأكد المشاركون على دعمهم لتعزيز خطوات بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين من أجل معالجة القضايا العالقة من خلال الحوار المباشر، "وسيعمل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي بحسن نية على تحمل مسؤولياتهم في هذا الصدد".

لكن وصول حكومة يمينية إلى السلطة في إسرائيل، فضلا عن تدهور العلاقات بين الجانبين منذ فترة طويلة، قلصت الآمال في إمكانية حدوث ذلك.

وبعد الاجتماع، أكد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش أنه "لن يكون هناك تجميد للبناء والتطوير في المستوطنات" رغم إشارة البيان لذلك.

وأجرت إسرائيل، بقيادة نتانياهو، والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، عدة جولات من المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة من أجل السلام، منذ عام 2009، عندما بدأ نتانياهو فترة ولايته الثانية رئيسا للوزراء.

وبقيت محادثات السلام متوقفة منذ أكثر من ثماني سنوات، عندما انهارت آخر جولة بقيادة وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، في أبريل 2014، بعد تسعة أشهر من المفاوضات، وفق تايمز أوف إسرائيل.

وكان عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية، قد توقع في تصريح سابق لموقع "الحرة" أن يكون نتانياهو "محصورا" بما سيمليه عليه اليمين المتطرف، وهو العصب الرئيسي للائتلاف، "الذي تكمن أولويته في توسيع الاستيطان وتهويد القدس".

من جانبه، أعرب المحلل مئير مصري عن اعتقاده أن التجربة "أثبتت أنه لا بديل عن العمل المشترك والتواصل المباشر بين الأطراف المعنية بخفض التوتر، وأنه السبيل الوحيد للخروج من الأزمة قبل فوات الأوان".

وقال: "على الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي على حدٍ سواء، أن يعيا جيدا بن تحجيم قوى التطرف بشكل جاد وبدون مواربة هو أولوية مطلقة ويجب أن يكون عنوان المرحلة، حتى لو أفقدهما ذلك جزء من شعبيتهما، كلٌ منهما في معسكره".

وقال منيمنة في تصريحاته أيضا إن الحكومة الإسرائيلية الحالية "تعتبر الاستيطان أهم أولوياتها وهو ما يجري على قدم وساق ويرفع منسوب التوتر".

وأضاف: "بالمطلق ليس هناك حسن نوايا من الجانب الإسرائيلي، وليست هناك قدرة على التنفيذ من الجانب الفلسطيني، أي أن الأمور ذاهبة إلى توترات وليس لخفض التوترات".

وأشار نيسان إلى تصريحاته لموقع الحرة إلى تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي التي قال فيها إنه يتوقع "أياما صعبة"، وقال نيسان إن هناك مخاوف من "إشعال الفتيل في الضفة أو غزة قرب شهر رمضان".

وقال إنه بالنظر إلى تلك المعطيات، فإن قمة العقبة وحتى قمة شرم الشيخ في مارس، لن يكون لهما تأثير على مجريات الأمور على أرض الواقع.

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

رحب دبلوماسيون من دول عربية وإسلامية ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بالخطة العربية لإعادة إعمار غزة التي تم تقديمها خلال قمة القاهرة في 4 مارس، واعتمدتها لاحقًا منظمة التعاون الإسلامي.

واستضافت العاصمة المصرية، الأحد، اجتماعًا للجنة الوزارية العربية-الإسلامية المعنية بغزة، بمشاركة عدد من وزراء الخارجية العرب والمسلمين، وبحضور الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس.

وناقش الاجتماع الذي ترأسه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، التطورات الأخيرة في قطاع غزة، إذ أعرب المشاركون عن قلقهم البالغ إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية نتيجة استمرار العمليات العسكرية.

وأكدوا رفضهم لاستئناف الأعمال العدائية واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

كما شددوا على أهمية العودة الفورية إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير الماضي، الذي تم برعاية مصر وقطر والولايات المتحدة.

وأكدوا ضرورة التقدم نحو المرحلة الثانية من الاتفاق، بما في ذلك إطلاق سراح جميع الرهائن، وإنهاء الأعمال العدائية بشكل دائم، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2735.

وأكد الاجتماع أن الخطة العربية لإعادة إعمار غزة تضمن بقاء الفلسطينيين في القطاع، مشددين على رفض أي محاولات لنقل الفلسطينيين قسرًا.

وأكد الوزراء أهمية توحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية، وضمان قدرة الحكومة الفلسطينية على إدارة شؤون القطاع بفعالية.

وفي ختام الاجتماع، جدد الوزراء دعمهم لعقد مؤتمر دولي رفيع المستوى في يونيو المقبل بمدينة نيويورك، تحت رعاية الأمم المتحدة وبرئاسة مشتركة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية، وذلك بهدف دفع جهود السلام والاستقرار في المنطقة.