الصحفي وثق رحلة صعبة
الصحفي وثق رحلة صعبة

لم يتوقع الصحفي في شبكة "سي.أن.أن" إبراهيم دهمان (36 عاما) أن يكون "جزءا من القصة". فبعد أن كان يسرد قصص الآخرين في قطاع غزة لتنقلها الشبكة الأميركية للعالم، بات هو وأسرته القصة ذاتها.

في مقطع فيديو، يروي الصحفي، الذي نشأ في حي الرمال بمدينة غزة ويعمل مع "سي.أن.أن" منذ فترة طويلة، قصة نزوحه مع آخرين من الحي إلى الجنوب بعد الإنذار الإسرائيلي لسكان القطاع، ليجبر على الفرار مع زوجته وطفليه تاركين وراءهم منزلهم وأحباءهم وحياتهم كلها. 

ويعتقد أن حوالي 500 ألف شخص غادروا شمال غزة إلى الجنوب بعد تحذير الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة، وفقا لآخر التقديرات الإسرائيلية.

 

ويظهر دهمان في الفيديو وهو يقود سيارة برفقة أفراد أسرته، بينما تتساقط قذائف القصف الإسرائيلي في مناطق قريبة من السيارة ويتصاعد دخان المباني المقصوفة في الأرجاء القريبة والبعيدة.

كان الصحفي يحاول "الهرب إلى بر الأمان" بعد أن ترك منزله ومكتب "سي.أن.أن" الذي يعمل فيه في حي الرمال. ويسمع في الفيديو وهو يقول: "ابني يشعر بالرعب، وأقول له لا تخف يا بني. لكن في الحقيقة أنا خائف جدا".

ويقع المكتب في مبنى بحي الرمال وكان بمثابة ملاذ أمان لدهمان باعتبار أن المبنى يضم العديد من المؤسسات الإعلامية ويقع في أحد المناطق الهادئة، لكن بحلول يوم الاثنين، لم تكن الأمور هادئة للغاية، وكان "يرى ويسمع أصوات الانفجارات والدخان من المكتب". 

وفي ذلك الوقت، دعا الجيش الإسرائيلي السكان في المنطقة المجاورة إلى الإخلاء.

وذهب دهمان إلى منزله مسرعا وكان يتوقع أن يعمل عن بعد من هناك، وبعد الاحتماء لبضع ساعات، بدأ يرى الدخان والغبار خارج نوافذ شقته، وعلى الفور، عبأ الملابس والأطعمة المعلبة والمياه المعبأة  في حقائب السفر، وتوجهت الأسرة إلى فندق قريب، لتبدأ رحلة النزوح.

في الفندق سأله ابنه زيد، البلغ 11 عاما: "لكنهم لا يضربون الفنادق، أليس كذلك؟"، فأجاب الأب: "لا يضربون الفنادق، لا" في محاولة لطمأنة طفله، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه "لا يوجد مكان آمن. أشاهد الغارات الجوية من نافذة الفندق، وصوت الانفجارات يبقينا مستيقظين في الليل" كما يقول في الفيديو بينما تسمع أصوات الانفجارات في الخلفية.

في اليوم الثالث من بقائه في الفندق، شاهد برجا سكنيا مجاورا بعد تعرضه للقصف، وصُدم دهمان عندما شاهد ابن عم أبيه من بين المصابين، وفي تلك اللحظة، أدرك أنه ينبغي عليه الرحيل.

ويقول في الفيديو: "كانت الغارات الجوية على الأبراج السكنية عنيفة للغاية. لم أكن أتوقع أنني سأكون على قيد الحياة. كانت تلك لحظات صعبة للغاية لأن زوجتي في شهرها الثاني من الحمل، وكنت أخشى أن يحدث لها مكروه".

ومع صعوبة الوضع في الفندق، اتجهت الأسرة جنوبا، نحو خان يونس، مع آلاف آخرين اضطروا إلى سلك طرق الإخلاء استجابة للتحذير الإسرائيلي.

إبراهيم دهمان اضطر للرحيل من مسقط رأسه

وبأقصى سرعة ممكنة، وضعوا ما استطاعوا جمعه من أمتعة في سيارتهم التي تحطمت نوافذها الخلفية بسبب الانفجارات وتضررت إحدى عجلاتها، ولاذوا بالفرار.

ويقول دهمان في الفيديو: "بعد ثوان من مغادرتنا الفندق، أطلقوا صاروخا أو قنبلة ألحق أضرارا جسيمة بالمنطقة بأكملها".

وبعد رحلة استمرت نحو الساعة، وصلت الأسرة أخيرا إلى منزل أحد الأقارب في خان يونس.

ورغم استمرارا الضربات الجوية، إلا أنهم يشعرون بالأمان أكثر هناك، ويأمل الصحفي في العودة إلى منزله وحياته السابقة يوما ما.

ومع انتقال الآلاف إلى جنوب غزة، حذرت الأمم المتحدة من وجود "قدرة محدودة للغاية" في انتظارهم.

ويتجمع مئات الآلاف المدنيين قرب الحدود مع مصر، بعد أن قطعت إسرائيل إمدادات المياه والكهرباء والغذاء عن القطاع.

وبحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإنه حتى الآن "يوجد حوالي 400 ألف نازح في مواقع مختلفة"، بما في ذلك مباني وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

وحذّرت المفوضية إسرائيل، الثلاثاء، من "الترحيل القسري للمدنيين" في غزة، قائلة إن الإخلاء المؤقت يجب أن يخضع لشروط من بينها توفير السكن.

ويعاني سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة من انقطاع الكهرباء، الأمر الذي يضع الخدمات الطبية وإمدادات المياه على حافة الانهيار، فيما ينفد الوقود الضروري لتشغيل مولدات الكهرباء في المستشفيات.

وقالت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء، إنها بحاجة إلى الوصول بشكل عاجل إلى غزة لتوصيل المساعدات والإمدادات الطبية.

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".