صورة جوية لمستشفى المعمداني في غزة
صورة جوية لمستشفى المعمداني في غزة

شككك مصدر استخباراتي أوروبي في صحة عدد القتلى الذي أعلنته السلطات الفلسطينية جراء ضربة المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" في قطاع غزة، الأمر الذي رفضه بشكل قاطع مسؤولون فلسطينيون تحدثوا لموقع "الحرة"، مؤكدين سقوط مئات الضحايا.

ويأتي هذا التشكيك وسط تبادل إسرائيل وفصائل فلسطينية الاتهام بشأن الضربة التي طالت المستشفى، الثلاثاء، وأسفرت بحسب المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، أشرف القدرة، عن مقتل 471 شخصا وإصابة أكثر من 314 آخرين.

تشكيك ورفض

بيد أن فرانس برس نقلت في تقرير نشرته، الأربعاء، عن مصدر استخباري أوروبي قوله "لم يسقط 200 أو 500 قتيل، لكن بضع عشرات، الأرجح بين 10 و50 شخصا"، مرجحا أن "إسرائيل لم تقم بذلك" استنادا إلى "خيوط جادة" بناء على معلومات استخبارية متوافرة.

وأضاف المصدر الاستخباري الأوروبي، الذي قالت فرانس برس إنه رفض الكشف عن هويته، أن مبنى المستشفى "لم يتعرض للتدمير"، وأن "المستشفى تمّ على الأرجح إخلاؤه في وقت سابق، كما العديد من المستشفيات الواقعة في شمال غزة" بعد إنذار وجهته إسرائيل لإخلاء شمال القطاع.

ما أوردته فرانس برس عن لسان هذا المصدر، نفاه بشدّة اختصاصي العظام في مستشفى المعمداني، الدكتور فضل نعيم، الذي كان في المستشفى لحظة القصف، في حديث لموقع "الحرة".

وأكد أنه "كان يتواجد عدد كبير من النازحين الذين هربوا من القصف الإسرائيلي، لاسيما بعد تعرض حي الزيتون لأكثر من مئة غارة. وقد سقط المئات منهم بين قتيل وجريح".

كلام نعيم، سبق أن أكده مدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر الفلسطيني، محمد أبو مصبح، لموقع "الحرة"، حيث قال إن "أكثر من 3 آلاف شخص نزحوا من بيوتهم إلى المستشفى بحثا عن الأمان، افترشوا باحتها الخارجية، لكن الموت لحق بهم خاطفا ما يزيد عن 500 شخص".

أما ما نقله المصدر الاستخباري لناحية عدم تسبب القذيفة بدمار كبير في المستشفى، فأكده نعيم، إلا أن ذلك يثبت كما يشير إلى أن "إسرائيل تقف خلفها، كونها من النوع المخصص للقتل وليس الدمار"، ويشرح "تضررت البنى التحتية للمستشفى أي الأسلاك والكهرباء والإنترنت، كما سقطت أسقف المكاتب وغرف العمليات".

وكان البيت الأبيض أكد أن المعلومات الاستخبارية الأميركية تؤكد عدم وقوف إسرائيل وراء قصف المستشفى.

وقالت الناطقة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، أدريين واتسون، على وسائل التواصل، الأربعاء، "بينما نواصل جمع المعلومات، يفيد تقييمنا الحالي بناء على تحليل صور من الأعلى وعمليات اعتراض (لاتصالات) ومعلومات مفتوحة المصدر، بأن إسرائيل لا تتحمل مسؤولية الانفجار في المستشفى".

وتشمل المعلومات الاستخبارية الأميركية بيانات من الأقمار الاصطناعية والأشعة تحت الحمراء تظهر إطلاق مقذوف من مواقع تابعة لفصائل مسلحة داخل غزة، وفق ما ذكرت "نيويورك تايمز" نقلا عن مسؤولين أميركيين.

وفي سياق متصل، قال خبراء لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إن حجم الأضرار يبدو أيضا غير متسق مع  الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة في غزة.

وأشار محلل الاستخبارات، بليك سبندلي، إلى أن الأدلة ومقاطع الفيديو والصور التي راجعها، كانت أكثر اتساقا مع عدد القتلى الذي بلغ نحو 50 شخصا بدلا من 500 الذين أعلنتهم حماس في البداية.

وهو نفس ما أكده المحلل في معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، ناثان روسر، عبر حسابه بمنصة "أكس" (تويتر سابقا).

وقال إن المشهد الذي يظهر في الصور "لا يتوافق مع غارة جوية ولا يتوافق مع الادعاءات التي تفيد بمقتل أكثر من 500 شخص".

ما الرد الفلسطيني؟

في المقابل، تقول مديرة المستشفى المعمداني بغزة، الدكتورة سهيلة ترزي، إنها لم تكن موجودة أثناء الانفجار، لكن الفريق الطبي أخبرها أن عدد الضحايا 500 بين قتيل وجريح.

وفي حال الطوارئ لا يمكن تحديد أعداد القتلى والجرحى بشكل "دقيق"، لكن المستشفى كانت مليئة بالناس وتتراوح أعدادهم بين ألفين إلى ثلاثة آلاف وقت الضربة، ومن عائلة واحدة فقط سقط 33 شخصا، وفق حديثها لموقع "الحرة".

وتشير إلى سقوط عدد كبير من الأطفال، لكنها لا تؤكد ولا تنفي "سقوط المئات أو العشرات"، جراء الانفجار.

وفي سياق متصل، يؤكد المدير التنفيذي للهلال الأحمر بالأراضي الفلسطينية، الدكتور بشار مراد، أن إحصائية وزارة الصحة "صحيحة"، نافيا ما ذكرته المصادر الاستخبارية.

وسقط ما يزيد عن 470 شخصا جراء الضربة التي طالت الباحة الخارجية للمستشفى التي كان يحتمي بها مواطنون، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وقال مراد إنه تم استهداف الباحة الخارجية التي كانت مكتظة بالمواطنين خارج المستشفى، ما تسبب في سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين وغالبيتهم من الأطفال والنساء.

من جهته، يصر المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، إبراهيم ملحم، في حديثه لموقع "الحرة"، على أن الأرقام التي أعلنت عنها وزارة الصحة "دقيقة وصحيحة".

وكانت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" قالت إن طائرات إسرائيلية شنت غارة على المستشفى أثناء وجود آلاف المواطنين النازحين الذين لجأوا إليه، بعد أن دمرت منازلهم، وبحثوا عن مكان آمن".

إلا أن الجيش الإسرائيلي نفى ذلك، وقال إن "فحصا دقيقا لأنظمة المراقبة" أثبت أن القصف الذي طال المستشفى، ناجم عن "عملية إطلاق صواريخ فاشلة" تقف خلفها حركة الجهاد الإسلامي، التي نفت هذه الاتهامات، مؤكدة أن "المجزرة ناجمة عن غارة جوية إسرائيلية".

صورة قمر صناعي تظهر المستشفى الأهلي بغزة في 18 أكتوبر 2023
مصادر استخباراتية وأدلة وخبراء.. تحليل لضربة مستشفى المعمداني بغزة
تشير مصادر استخباراتية وأدلة أولية إلى أن "صاروخا فلسطينيا" أطلقته حركة الجهاد الإسلامي المصنفة إرهابية، تسبب في الانفجار المميت الذي وقع بمحيط المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في غزة، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".

واندلعت الحرب بعد الهجوم الذي شنته حماس واستهدف، صباح 7 أكتوبر، مدنيين بالإضافة إلى مقرات عسكرية، وأدى لمقتل أكثر من 1400 شخص، واختطاف العشرات، أغلبهم مدنيون وبينهم أطفال ونساء.

وأسفر الرد الإسرائيلي، الذي استهدف مناطق واسعة في غزة، عن مقتل ما لا يقل عن 3785 فلسطينيا، أغلبهم مدنيون وبينهم أطفال ونساء، وإصابة أكثر من 12 ألفا بجروح، حسبما أعلنت وزارة الصحة في غزة، الخميس.

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".