An aerial view shows destoyed buildings in al-Zahra city south of Gaza City on October 20, 2023 following Israeli bombardment…
دمار كبير في منطقة الزهراء بمدينة غزة جراء القصف الإسرائيلي العنيف

ما مستقبل قطاع غزة في حال نفذت إسرائيل هجومها البري المرتقب وأزالت حركة حماس من السلطة؟ سؤال بات يشغل كثيرا من صناع القرار والمراقبين.

يتميز هذا السؤال بأهمية بالغة لدرجة أن كبار المسؤولين الأميركيين طرحوه على قادة إسرائيل مؤخرا، وفق ما ذكرته تقارير ومحللون في تصريحات لموقع "الحرة".

ورغم أن إسرائيل وضعت لنفسها هدفا هو "القضاء" على حركة حماس، ردا على هجوم السابع من أكتوبر، إلا أن مستقبل قطاع غزة يبقى مفتوحا على سيناريوهات متعددة.

وقال المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، إيلون ليفي، لوكالة فرانس برس: "الأمر الوحيد الواضح هو أن قطاع غزة لن يكون تحت سيطرة حماس بعد هذه الحرب".

ومنذ اندلاع الحرب في أعقاب الهجوم غير المسبوق الذي شنّته الحركة داخل إسرائيل، حشدت إسرائيل عشرات آلاف من جنودها قرب قطاع غزة معززين بالدبابات والآليات المدرعة.

وأدى الهجوم إلى مقتل 1400 شخص واختطاف عشرات آخرين، معظمهم من المدنيي، وفق السلطات الإسرائيلية.

وفرضت إسرائيل منذ ذلك الحين حصارا على القطاع الذي تبلغ مساحته 362 كلم مربعا ويقطنه 2.4 مليون نسمة، وأدلى القصف المكثف إلى مقتل نحو 5 آلاف شخص حتى الآن، وفقا لوزارة الصحة في القطاع.

لكن في حين تستعد إسرائيل لهجوم متوقع، تزداد الضغوط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، لتأجيل أي عملية برية من أجل إتاحة المجال لإطلاق سراح الرهائن عبر المفاوضات.

وقالت  وكالة بلومبرغ الأميركية إن الضغط الأميركي من أجل إطلاق سراح الرهائن قد يؤخر الهجوم البري لكنه لن يوقفه، إذ قال مسؤولون أميركيون إن إطلاق سراح عدد أكبر من المحتجزين لدى حماس سيؤخر العملية البرية لكنها ستحدث في النهاية لاستئصال حماس، وإلا سينظر إلى إسرائيل على أنها دولة ضعيفة في نظر أعدائها، بحسب مسؤولين إسرائيليين

ولم تحدد إسرائيل تصورها لمستقبل القطاع في حال حققت هدفها المعلن،  بينما أبدى العديد من سكان القطاع خشيتهم من "نكبة" ثانية، خصوصا بعدما أنذر الجيش الإسرائيلي أكثر من مليون شخص بإخلاء شمال غزة والانتقال جنوبا.

وردا على سؤال لفرانس برس، قال المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية "نحن نبحث الخيارات مع شركائنا".

ولم تتطرق إسرائيل إلى إمكان إعادة احتلال غزة عسكريا، أو أي احتمال أن تتولى بنفسها إدارة شؤون القطاع.

ويرى محلل السؤون الإسرائيلية، جاكي خوري، في تصريحات لموقع الحرة أن "السؤال الأكبر الآن هو ما نوعية القوات التي ستبقى في غزة إذا قضت إسرائيل على حماس كما يقول قادة إسرائيل؟ هل سيكون هناك نظام أممي أم فلسطيني أم عربي؟"

يعتقد ديع عواودة، وهو محلل مختص في الشؤون الإٍسرائيلية أنه ليس من المؤكد أن تنفذ إسرائيل العملية البرية، مشيرا إلى أنها في "حالة تردد وتخبط" في ما يتعلق بما سيحدث بعد العملية.

ويقول عواودة لموقع "الحرة" إن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم تشير إلى أنهم ليست لديهم خطة.

ويتفق المحلل الإسرائيلي، أمير أورن، أيضا على أن إسرائيل ليست لديها خطة، "ولا أحد يعرف من سيتولى مسؤولية القطاع".

خيارات

ويقول المحلل الإسرائيلي، إيلي نيسان، في تصريحات لموقع "الحرة" إن مستقبل غزة بعد إقصاء حماس هو السؤال الكبير الذي طرحه الرئيس الأميركي، جوب بايدن، على قادة إسرائيل لدى زيارته لإسرائيل.

ويستبعد المحللون الذين تحدث معهم الحرة إمكانية أن تتولى إسرائيل المسؤولية بنفسها بسبب "التكلفة" المرتفعة التي سوف تتكبدها لو حصل ذلك.

وكانت تقارير سابقة قد حذرت من أن العملية البرية ذاتها ستؤدي إلى كلفة كبيرة على المدنيين من الجانبين.

ويرى عواودة أن هناك حالة من عدم "الثقة" من أن إسرائيل ستجد "بديلا مفيدا" بعد حماس، وأنها ربما "ستسبدل السيء بالأسوأ"، مشيرا إلى تجارب سابقة لإسرائيل في هذا الصدد، من بينها "اغتيال" زعيم حزب الله السابق، عباس الموسوي، ليأتي من هو أشد منه خطرا (حسن نصرالله).

وقال وزير الدفاع الاسرائيلي، يوآف غالانت، الجمعة، إن الهدف الأبعد هو "إنهاء مسؤوليات إسرائيل بشأن مصير قطاع غزة وإنشاء واقع أمني جديد لمواطني إسرائيل... والمنطقة"، من دون إعطاء تفاصيل.

ويتوقع وديع استقطاع أجزاء من القطاع وجعلها شريطا أمنيا كما فعلت في لبنان لحماية حدودها.

محلل الشؤون الإسرائيلية، جاكي خوري، أوضح أيضا في تصريحات لموقع "الحرة" أن البعض اقترح فكرة إقامة حيز فاصل بين الشريط الحدود الدولي وبين غزة لمئات الأمتار.

وإذا شنت إسرائيل هجوما بريا، تتوقع مجموعة الأزمات الدولية، أن تسعى أولا للاستيلاء على الأجزاء الشمالية والوسطى من غزة، وربما تسعى إلى حماية محيطها في غزة بإقامة منطقة أمنية تسيطر عليها في شمال غزة، وعلى طول حافتها الغربية، على سبيل المثال.

ويظل من غير المؤكد ما إذا كانت ستحاول الاستيلاء على مزيد من الأراضي أو تطهيرها من حماس، وربما يعتمد ذلك على تكلفة الحملة بالنسبة لإسرائيل، والتسامح الذي يظهره الإسرائيليون تجاه الخسائر العسكرية، والرأي العام العالمي، وفق المجموعة.

و"نظرا لجذور حماس وتاريخها الطويل في غزة، فضلا عن حجم منشآتها السرية وشعبيتها في بعض الأوساط، فمن المرجح أن يكون تحطيم قدراتها العسكرية عملية طويلة الأمد".

وأوضح مصدر في وزارة الخارجية الإسرائيلية لفرانس برس أن إسرائيل ترغب في "تسليم مفاتيح" قطاع غزة إلى طرف ثالث قد يكون مصر، من دون أي ضمان أن تقبل القاهرة هذا المخرج المطروح إسرائيليا منذ عقود.

وترى مجموعة الأزمات الدولية في بيان: "لا يبدو من المرجح أن تضع أمنها في أيدي شكل ما من أشكال الوصاية الدولية. ومن المؤكد أنه لا توجد حكومة عربية أو إسلامية تقدم قواتها لحراسة القطاع".

من جهته، يدعم زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، مقترح إعادة السلطة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس، إلى إدارة غزة، والتعاون معها كما يحصل في الضفة الغربية.

لكن عواودة يستبعد تولي عباس بالنظر إلى الصعوبات التي يواجهها بالفعل في الحفاظ على سلطته في الضفة الغربية، وسيجد صعوبة في العودة إلى القطاع "بدبابة إسرائيلية" حسبما سينظر إليه البعض.

ويتفق المحلل الإسرائيل، إيلي نيسان، في تصريحات لموقع "الحرة" أيضا أنه لو عاد سيقال إنه خائن وعاد بالدبابة الإسرائيلية.

واستبعدت مجموعة الأزمات الدولية "أن تعود السلطة الفلسطينية التي لا تحظى بشعبية واسعة أساسا، إلى غزة في أعقاب اجتياح إسرائيلي، وسيتم التعامل معها كعدو".

وعلاوة على ذلك، "ليس من الواضح"، وفق مجموعة الأزمات الدولية، "ما إذا كانت إسرائيل تريد الضفة الغربية وغزة تحت سلطة واحدة، فقد استثمرت بكثافة في فصل الضفة الغربية عن غزة، لأسباب أمنية تتمثل في منع نقل الخبرة العسكرية بين الفصائل الفلسطينية، وسياسية تتمثل في منعهم من العمل معا من أجل إقامة الدولة الفلسطينية".

وترى المجموعة أيضا "صعوبة أن نرى إسرائيل تتحمل بنفسها المسؤولية والعبء المالي والخطر المتمثل في السيطرة المباشرة على 2.3 مليون فلسطيني".

ويستبعد أورن أن تتولى إسرائيل مسؤولية القطاع قائلا إن التكلفة ستكون مرتفعة.

ويشير عواودة إلى تسريبات لبعض الوزراء طالبوا بإعادة بناء المستوطنات التي تم التخلي عنها، لكن أغلبية الإسرائيليين "سيعتبرون أن تولي إدارة القطاع ضربا من الجنون وستتكبد تكلفة إضافة 2.3 مليون فسلطيني مع ما يترتب على ذلك من واجبات".

وفضلا عنذ لك، وفق عواودة، سيعود الأمر إلى نقطة الصفر، أي تعرض إسرائيل لهجمات مثلما حدث عندما كانت تدير القطاع.

ويتوقع نيسان في حال إقصاء حماس، أن يتم إسناد المسؤولية إلى الأمم المتحدة لتدير كافة الأمور في المرحلة الأولى حتى يتم استكشاف من يصلح للحكم.

دور أميركي؟ 

ومن الاحتمالات المطروحة على الطاولة إشراف دولي مختلط على القطاع، وفق فرانس برس.

وقال مدير مركز بيغن السادات للأبحاث إيتان شامير للوكالة إن "الخيار المفضل للأميركيين والإسرائيليين هو هيكلية دولية مع السلطة الفلسطينية، وعلى سبيل المثال أموال سعودية، بدعم أميركي أو أوروبي في شؤون الإدارة".

وقال شامير إن "الأميركيين انضموا إلى مجلسنا الحربي ويمكن القول إنهم هم من يشرفون على العمليات" الإسرائيلية.

ولم يطرح بايدن علنا أي خطة لمستقبل غزة بعد اجتياح محتمل، لكنه دعا إسرائيل للتفكير في ما سيكون عليه.

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الأحد "ثمة أفكار مختلفة عما يمكن أن يلي (الهجوم البري)، لكن يجب أن يتم البحث في كل ذلك وإن كانت إسرائيل تواجه التهديد الراهن".

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".