معبر رفح على الحدود بين غزة ومصر
معبر رفح على الحدود بين غزة ومصر

"انقلبت حياتي رأساً على عقب منذ اندلاع الحرب على غزة.. بالكاد أتمكن من النوم لساعتين في اليوم، وذلك بعد أن أطمئن أن عائلتي، التي قصدت غزة من أميركا لزيارة جدتي، قد رقدت للنوم قبلي".. بهذه الكلمات بدأ أحمد بسيسو الحديث عن معاناته، نتيجة خوفه على أفراد أسرته الذين وجدوا أنفسهم محاصرين وسط ساحة الحرب.

قبل أشهر، قصد أحمد ووالداه وشقيقتاه وابن شقيقته البالغ من العمر 10 سنوات، غزة، لزيارة جدته لوالده. وبينما عاد أدراجه إلى أميركا لارتباطه بعمل، مدد الآخرون إجازتهم إلى الثامن من أكتوبر، أي في اليوم التالي للهجوم الذي شنّته حماس على إسرائيل.

ويقول: "أخشى عليهم كثيراً، وبالكاد أتمكّن من التواصل معهم عبر الواتساب أو الرسائل النصية. أنتظر أن يتمكنوا من الوصول للإنترنت عبر الشبكة الإسرائيلية، كون في حوزتهم أرقام هواتف أميركية، وذلك بعد أن قطعت إسرائيل الإنترنت عن القطاع".

ويقتصر تواصل بسيسو مع عائلته على الرسائل النصية، ومنذ 17 يوم لم يتمكن من سماع صوتهم إلا لمرة واحدة. 

وحتى الآن اضطر أفراد عائلة بسيسو إلى التنقل بين 5 منازل، ويشرح معاناتهم قائلا: "في البداية كانوا يقيمون شمالي غزة في حي الرمال، ونتيجة القصف اضطروا للنزوح إلى حي البلح ومن ثم إلى خان يونس في جنوب القطاع".

ويتابع: "فعلوا ذلك رغم صعوبة التنقلات نتيجة عدم توفر الوقود وتوقف سيارات الأجرة عن العمل، إذ في كل بيت سكنوا فيه تعرّض جواره للقصف. يقيمون الآن في منزل صديق والدي في وضع صعب".

وفيما يتعلق بقدرتهم على الحصول على الطعام والشراب، يقول: "يقتصدون في شرب الماء لعدم توفر سوى كميات قليلة نتيجة الحصار، أما فيما يتعلق بالطعام، فمن يصدق أن 9 أشخاص يتشاركون في أكل بيضة و3 أرغفة من الخبز وقطعة جبن وصحن فول!. أهل غزة أشخاص بسطاء لم يتحضروا إلى الحرب، وأغلبهم لا يملكون المال، حيث يعيشون كل يوم بيومه". 

خيبات متتالية

وفي محاولة للخلاص من جحيم نيران القصف، قصدت عائلة بسيسو معبر رفح 4 مرات آملة العبور إلى مصر، وذلك بعد تلقيها كما يقول أحمد "رسائل إلكترونية من الخارجية الأميركية، طلبت منهم الذهاب للمعبر".

ويستطرد: "لكن في كل مرة كانوا ينتظرون لساعات طويلة هناك، ليصابوا بعدها بخيبة أمل، لا بل تم قصف المعبر مرتين أثناء تواجدهم هناك". 

ويشير الرجل إلى أن شقيقته سيرين "حساسة جداً، وحالتها النفسية سيئة، فهي تخشى الأصوات الخافتة فكيف بصوت الصواريخ والقنابل!".

ويقول: "في المرة الأولى التي قصدوا فيها المعبر، خرج والدي من صالة الانتظار لتدخين سيجارة، وإذ بقذيفة تسقط بالقرب من المكان. ظنت شقيقتي أنه فارق الحياة، خرجت تجري باحثة عنه حيث كانت في حالة هسيترية".

ويضيف بسيسو غاضبا: "لا أعلم كيف لا تستطيع الحكومة الأميركية التي أرسلت البوارج والطائرات إلى الشرق الأوسط لحماية مصالحها، أن تفتح معبراً لدقائق معدودة كي يتمكّن الأجانب من الخروج. من المؤكد أن إسرائيل هي المسؤولة الأولى عن ذلك، فلا تريد لأي فلسطيني مغادرة القطاع وإن كان يحمل جنسية أجنبية، رغم وجود عدد كبير من الأجانب من غير حملة الجنسية الفلسطينية يريدون المغادرة، مع العلم أن والدتي ولدت في أميركا".

ولا يزال حملة الجنسية الأميركية في غزة، بانتظار السماح لهم بالخروج من خلال معبر رفح على الحدود المصرية، وذلك بعد أن دخلت مساعدات إنسانية إلى القطاع عبر المعبر نفسه.

وكانت تقارير مصرية قد أشارت إلى أن القاهرة "لن تسمح بمغادرة حملة الجنسيات الأجنبية عبر رفح، إلا بعد السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين في القطاع"، لكن رغم دخول شاحنات المواد الإغاثية لا يزال المعبر مغلقاً أمام الخروج.

وتسلم الهلال الأحمر الفلسطيني، الخميس، 12 شاحنة مساعدات من الهلال الأحمر المصري عند معبر رفح، تحتوي ماء وغذاء وأدوية ومستلزمات طبية، ليصل عدد الشاحنات المستلمة إلى 74 شاحنة، فيما لم يتم السماح بإدخال الوقود حتى الآن، كون إسرائيل تخشى وصوله إلى حماس.

السلطات المصرية نفت مسؤوليتها عن عدم تمكّن مزدوجي الجنسية من العبور، ملقية تهمة وضع العقبات في طريقهم على إسرائيل، "التي قصفت المعبر 4 مرات"، وفق رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ضياء رشوان، الثلاثاء.

وشرح رشوان أنه "من الأسباب المؤدية إلى تعطيل خروج الرعايا الأجانب عبر رفح، هو أن السفارات الأجنبية بعدما جمعت رعاياها عند المعبر، لعدة أيام، تزايد القصف الإسرائيلي من الجانب الفلسطيني للمعبر، وبالتالي، خشيت السفارات على رعاياها، ونصحتهم بتركها، والعودة إلى مساكنهم".

وشدد المسؤول المصري على أن معبر رفح "ليس مصرياً خالصاً، وهو في الأصل ليس مخصصاً لدخول السلع والشاحنات، وما يحدث الآن من حيث إدخال المساعدات إلى قطاع غزة استثناء"، متهما إسرائيل بـ "التعنت" في مرور المساعدات.

واتهم رشوان إسرائيل أيضاً بـ"تهديد الموظفين الفلسطينيين الذين يعملون في المعبر من الجانب الفلسطيني"، وقال إن "إسرائيل تتهمهم بأنهم تابعون لحركة حماس".

من جانبه، أكد المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، لئور بن دور، في 16 أكتوبر، أن "هناك ترتيباً محدداً للسماح لبعض الأجانب في غزة لعبور معبر رفح"، مشيراً في حديث تلفزيوني إلى "وجود تنسيق حول ذلك بين إسرائيل والأمم المتحدة ومصر".

وأضاف: "أردنا تنفيذ ذلك قبل يومين، لكن ما حدث هو أن عناصر من حماس والجهاد الإسلامي أرادوا استغلال نية فتح الممر الإنساني للتسلل والهرب من العقاب، وهو ما لن نمسح به".

اتهامات متبادلة

من جانبه، اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، حركة "حماس"، بـ"تعطيل عملية مغادرة الرعايا الأجانب"، معتبراً أن وجود عناصرها عند المعبر "جعل الوضع صعبا للغاية".

ميلر لفت في تصريح لشبكة "سي إن إن" الأميركية، إلى أن المصريين "على استعداد لاستقبال المواطنين الأميركيين والأجانب الذين يصلون إلى جانبهم من الحدود".

وتابع: "في بعض الأحيان، لم يكن لدى حماس أحد يحرس المحطة الحدودية، وفي أوقات أخرى، رأينا مسلحي حماس هناك بالبنادق ويمنعون الناس من الاقتراب من المعبر"، مؤكداً أن أميركا "تواصل التعاون مع مصر وإسرائيل والأمم المتحدة في هذا الشأن".

في المقابل، رفضت حماس اتهامات الخارجية الأميركية، وقال عضو المكتب السياسي ورئيس مكتب العلاقات الوطنية في الحركة، حسام بدران، في تصريح صحفي، إن "القصف المتواصل على كل قطاع غزة من قبل الجيش الإسرائيلي أوقف كل أوجه الحياة الطبيعة في غزة".

انتظار الخلاص

سبق أن أشارت السفارة الأميركية في القاهرة، إلى أنها تتابع 253 أميركياً مع 153 من أفراد عائلاتهم في قطاع غزة، طلبوا المساعدة في نقلهم من القطاع عبر معبر رفح، وفق مذكرة حكومية أميركية حصلت عليها شبكة "سي إن إن".

وفي المذكرة، نقل المسؤولون تحذيرات سابقة للسفارة، قائلين إن الوضع عند معبر رفح "سيظل مائعاً ولا يمكن التنبؤ به، ومن غير الواضح ما إذا كان سيتم السماح للمسافرين بالعبور، أو متى".

وينتظر الأجانب في غزة لحظة فتح المعبر "للخلاص من الجحيم متعدد الصور"، فإضافة إلى الموت الذي يلاحقهم في كل مكان من القصف، يعيشون كما باقي سكان القطاع "من دون طعام ولا ماء ولا كهرباء.. وخلال ساعات سيصبحون بلا علاج"، كما أعلنت المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، نبال فرسخ، الخميس.

ودعت فرسخ المجتمع الدولي إلى "التحرك فوراً للسماح بتدفق المساعدات إلى غزة، بما فيها الوقود".

ما يتمناه حاملو الجنسية المزدوجة الآن هو التمكّن من مغادرة القطاع في أسرع وقت، لاسيما بعد أن حشدت إسرائيل قواتها على الحدود مع غزة، حيث من المتوقع أن تشن توغلا برياً، ضمن الحملة العسكرية التي تقوم بها على القطاع، ردا على هجوم 7 أكتوبر.

وفي السابع من أكتوبر، شنت حماس هجمات على إسرائيل، تضمنت تسلّل المئات من مسلحيها إلى بلدات غلاف غزة، وإطلاق آلاف الصواريخ، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، من بينهم نساء وأطفال، بحسب السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل على الهجمات، بقصف مكثف على غزة تسبب بمقتل أكثر من 7000 فلسطيني، معظمهم من المدنيين، ومن بينهم نساء وأطفال، بحسب آخر حصيلة للسلطات الصحية في القطاع الفلسطيني.

وتمهيداً للتوغل البري، حث الجيش الإسرائيلي سكان غزة على الانتقال إلى ما أسماه "منطقة إنسانية" في المواصي، على ساحل جنوبي غزة.

وقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في 24 أكتوبر، عدد الذين نزحوا داخل غزة بأكثر من 1.4 مليون شخص.

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".