الجوع يتفاقم في قطاع غزة بعد الحرب
الجوع يتفاقم في قطاع غزة بعد الحرب

يتفاقم الجوع في قطاع غزة مع يأس الفلسطينيين الباحثين عن الخبز والمواد الغذائية الأساسية الأخرى، وسط دخول الحرب يومها الخامس والعشرين، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وتوقفت غالبية المخابز التي تزود القطاع الفلسطيني بالخبز عن العمل، بسبب نقص الدقيق والوقود اللازم لتشغيل أفرانها، في حين يصطف مئات الأشخاص لساعات لشراء بضعة أرغفة من المخابر القليلة التي لا تزال تعمل.

وارتفعت أسعار ما تبقى من المواد الغذائية في المتاجر - معظمها من السلع الجافة والخضروات - إلى مستويات لا يستطيع كثيرون تحملها.

وقطعت إسرائيل جميع إمدادات الغذاء والمياه والوقود والكهرباء عن قطاع غزة، ردا على هجمات 7 أكتوبر التي شنتها حركة حماس، وأسفرت عن مقتل 1400 شخص، أغلبهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال. 

كما تشن ضربات جوية متواصلة وحملة توغل بري داخل القطاع، بهدف "تدمير حماس"، مما أسفر عن مقتل نحو 8800 شخص، أغلبهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، بحسب آخر حصيلة لسلطات غزة الصحية.

وسمحت إسرائيل بتسليم كميات صغيرة من المساعدات الإنسانية إلى غزة منذ 21 أكتوبر، لكنها عارضت توصيل الوقود إلى القطاع، بسبب مخاوف من أن حماس، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، ستستخدمه لأغراض عسكرية. 

وقال محمد جعفر، أحد سكان مدينة رفح جنوبي القطاع، إنه "لا يوجد شيء متوفر في غزة".

وفي حديثه لصحيفة "وول ستريت جورنال"، قال جعفر إنه يضطر إلى الاستيقاظ عند الثالثة فجرا للوقوف في طوابير طويلة للحصول على الخبز.

وأضاف: "بعد انتظار لمدة تصل إلى 6 ساعات للحصول على الخبز، فإن هناك طابورا جديدا للمياه.. وهذا صراع آخر".

وتعتمد غزة، وهي جيب ساحلي صغير، إلى حد كبير على الغذاء من إسرائيل ومصر. وقبل الحرب، كان أكثر من نصف سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر، وسط نسب بطالة تتجاوز 50 بالمئة.

ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الانهيار الاقتصادي الذي أعقب قرار إسرائيل بإغلاق الشريط الساحلي، بعد سيطرة حماس على القطاع عام 2007. 

ووسط تضاؤل الإمدادات الغذائية لسكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، تحذر المنظمات الدولية من "كارثة إنسانية" في غزة.

وقالت منسقة الشؤون الإنسانية الإقليمية لمنظمة "أوكسفام" الدولية، روث جيمس، إن "الوضع الذي نشهده الآن لا يمكن أن يستمر لفترة أطول".

وحذرت قائلة: "نحن على وشك أن نشهد كارثة إنسانية، ما لم يتم فتح الحدود والسماح بدخول المزيد من الغذاء".

ومنذ 21 أكتوبر، دخلت بعض المساعدات الإنسانية عبر مصر، بعد مفاوضات صعبة بين إسرائيل وحماس والحكومة المصرية. 

"معجزة"

وتحمل تلك المساعدات ما يقرب من 58 شاحنة من أصل 143 شاحنة دخلت بعد الحرب، وتشمل أغذية يتم توزيعها على ما يقرب من 700 ألف شخص، لجأوا إلى منشآت الأمم المتحدة في جميع أنحاء القطاع، من إجمالي 1.4 مليون نازح داخليا.

وتشير تقديرات منظمة "أوكسفام" الدولية، إلى أنه "تم تسليم حوالي 2 بالمئة فقط من الغذاء المطلوب لإطعام سكان غزة منذ 7 أكتوبر". 

وقالت المنظمة إن "جميع سكان غزة تقريبا يعانون الآن من انعدام الأمن الغذائي، مما يعني أنهم لا يعرفون على وجه اليقين من أين ستأتي وجبتهم التالية".

"هروب من الموت إلى الموت"

وقالت أسيل موسى، وهي كاتبة مستقلة تبلغ من العمر 25 عاما، إنها فرت مع عائلتها من منزلها في شمال غزة، إلى المنطقة الوسطى من القطاع، على أمل أن يكون النزوح جنوبا أكثر أمانا.

وأضافت: "نحن نهرب من الموت إلى الموت"، مشيرة إلى أن "المكان الذي لجأوا إليه لا يمكن العثور فيه على مخابز تعمل. ومع نقص إمدادات الغاز والكهرباء، يستخدم الكثير من الناس الحطب للطهي أو صنع الخبز".

وقالت موسى: "المياه العذبة أصبحت بمثابة معجزة. بالكاد نجد أي شيء، وعندما نحصل عليها، نحاول أن نشرب كميات محدودة لتوفير ما لدينا".

وتقول إسرائيل إنها ستسمح بتدفق المزيد من المساعدات إلى جنوب غزة، لكن عمليات التسليم لا تزال محدودة حتى الآن.

وقالت ماري عبد الكريم (43 عاما)، وهي موظفة حكومية تعيش مع أسرتها بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة: "نأكل كميات قليلة لنوفر الباقي لوقت لاحق لنا ولأطفالنا". وتابعت: "أتوقع أن الأسوأ لم يأتِ بعد".

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".