أطفال غزة تحت القصف الإسرائيلي.
أطفال غزة تحت القصف الإسرائيلي

هربا من القصف الإسرائيلي لشمال غزة، نزحت هبة وزوجها وطفلاهما (4 و12 عاما) إلى الجنوب بحثا عن الأمان. لكن، لا شبر آمنا في أي مكان في القطاع المحاصر.

اقتفى القصف المسعور خطواتهم. ومثل الفزع المنحوت على وجوه الأطفال، صاحبتهم أصوات الانفجارات على طول الطريق، وما انفكت تدنو كلما ظنوا أنهم نجوا ببضعة أمتار.

"وصلنا بأعجوبة إلى شقة صديق لزوجي في (...) الجنوب"، تقول هبة.

العذاب يبدأ بعد مغيب الشمس

"أطفالي"، تقول، وتكاد تخنقها عبرة دفينة مثل جثث مئات الفلسطينيين بعد كل غارة. "أطفالي"، وتتمالك دموعها، "لا يستطيعون النوم. يخشون ألا يستيقظوا". 

عشرات الأطفال أجهز عليهم القصف وهم نيام. بعضم لا يزالون تحت الأنقاض.

زئير الطائرات الحاد مثل السكاكين، وأصوات القصف والانفجارات وانهيارات المنازل على ساكنيها. "أمس قصفت الطائرات الإسرائيلية مبنى قريبا منا. كيف لعيون أطفالنا أن تغمض؟".

"وضع الأطفال في غزة مروّع"، يقول المتحدث باسم اليونيسف في الشرق الأوسط وإفريقيا، سليم عويس.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، يضيف "الأرقام التي تصلنا مخيفة، ويجب ألا تمر مرور الكرام. نحن نتكلم عن 3400 طفل قتلوا، و6800 آخرين أصيبوا خلال العنف الشديد". ومن نجوا حتى الآن يواجهون ظروفا صعبة للغاية، يؤكد المسؤول في المنظمة الدولية.

"هناك بلاغات بفقدان 940 طفلا في قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، في السابع من أكتوبر الجاري، وذلك استنادا لأرقام صادرة عن السلطات الصحية في القطاع"، يقول جيمس الدر وهو مسؤول آخر في اليونيسف.

مقبرة الأطفال

"غزة أصبحت مقبرة لآلاف من الأطفال"، يقول المتحدث باسم اليونسيف، "تحققت مخاوفنا الجسيمة بشأن أعداد الأطفال الذين قتلوا، آلاف، خلال أسبوعين فقط، والعدد يرتفع بشكل مذهل كل يوم".

"من الصعب التفكير في الأطفال المدفونين تحت الأنقاض"، يقول المسؤول في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، يانس لاركيه، مضيفا "في ظل احتمالات ضئيلة للغاية لإخراجهم".

ويقول المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، كريستيان ليندمير، إن سكان غزة يموتون ليس فقط في القصف المباشر. "لدينا 130 طفلا من الخدج يعتمدون على الحاضنات، 61 في المئة منهم تقريبا في شمال القطاع".

النزوح الجماعي والاكتظاظ والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، بوادر كارثة إضافية تلوح في الأفق، بحسب المسؤول.

كابوس طويل

لم يتقبل أطفال هية بعد مظهرهم الجديد؛ مظهر الأطفال المقتلعين من بيوتهم، المشردين، الجوعى، الذي تبدو على وجوههم علامات المرض. يستغرق الأطفال وقتا أطول ليتصالحوا مع الواقع المرعب.

"لم يعد بمقدورهم الاستحمام. حرموا من كل شيء. حتى ماء الشرب بتنا نحصل عليه بصعوبة. ولا ندري إن كان صالحا للشرب حقا"، تقول هبة.

"الحصول على الطعام لا يقل صعوبة"، تضيف، "وصلنا إلى مرحلة لم نعد نميّز فيها بين الطعام الصحي من عدمه، فالأهم أن تمتلئ بطون الصغار بما هو متوفر، وهي في أغلب الأحيان ساندويش من المعلبات".

أغلب الأطفال في غزة لا يستطيعون الوصول إلى مياه صالحة للشرب. ويقول المسؤول في اليونيسف سليم عويس "سمعنا روايات من زملائنا عن أطفال يشربون منذ أيام مياها مالحة، ما أدى إلى ظهور علامات الجفاف عليهم إضافة إلى اصابتهم بالإسهال".

وكشف الناطق باسم اليونيسف جيمس الدر أن أكثر من مليون طفل في غزة يعانون من نقص المياه النظيفة، وأن "طاقة إنتاج المياه في غزة لا تتجاوز خمسة بالمئة من إنتاجها اليومي المعتاد. وتشكل وفيات الأطفال - وخاصة الرضع - بسبب الجفاف تهديداً متزايداً".

ومنذ بدء الحرب، يعيش الأطفال في غزة، بحسب يقول عويس، "كابوساً طويلاً"، وما يحصل "يؤثر على صحتهم النفسية والعقلية، فهم يشاهدون موت أهلهم وأشقائهم وأصدقائهم أمام أعينهم، الجروح النفسية التي يصابون بها والندوب قد تلازمهم طوال حياتهم، من هنا حمايتهم واجب، وهي من مسؤولية أطراف النزاع الذين يقع على عاتقهم وضع الأطفال في سلم الأولويات".

"الأفظع"

يعاني فريق اليونيسف في غزة كما باقي السكان من تحديات أمنية وإنسانية، لاسيما قلة الموارد من مياه وطعام وعدم توفّر مكان آمن، وبالرغم من ذلك هم مستمرون بحسب عويس في تقديم ما يستطيعون من مساعدة للأطفال والعائلات الأكثر هشاشة.

"قمنا في بداية الأزمة بإيصال المواد الطبية بما في ذلك الأدوية إلى المستشفيات، وكذلك المواد الأساسية لمحطة تحلية المياه المدعومة من اليونيسيف في غزة، كان ذلك من الإمدادات المخزّنة، لكن، مع مرور الوقت، بدأت الإمدادات تنفد، لذلك من المهم جداً وقف إطلاق النار بشكل فوري وإدخال المساعدات من دون تحديد وإعاقة وبشكل مستمر"، ويقول عويس.

كما يجب "توسيع الاستجابة عبر الحدود وتوفير الأمان للإمدادات والعاملين في مجال الإغاثة، للوصول إلى كل الأطفال أينما كانوا، هذا احتياج حقيقي وإن لم نستطع القيام به فنحن نخاطر في حياة الآلاف من الأطفال".

تعد هبة وزوجها طفليهما بالعودة قريبا إلى المنزل، لكنهما ليسا متأكدين إن كانا سيفيان بوعدهما. الأزمات كبيرة ومتعددة، تقول، ولا حلول ظاهرة في الأفق، وأمنيتي الوحيدة أن يسلم أطفالي وجميع أطفال غزة من القصف، وتتوقف آلة الحرب والدمار الوحشية التي لا تأبه حتى لطفل.

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".