فلسطينيون يتفقدون الدمار في أعقاب هجمات إسرائيلية على مخيم جباليا
الضربات الإسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين قد ترقى إلى جرائم حرب

أثارت الضربات الإسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين والدمار الذي خلفته مخاوف لدى مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بأنها قد ترقى إلى "جرائم حرب"، وهي تهمٌ عادة ما تسبب متاعب للدول أمام المحكمة الجنائية، وفق ما يؤكده خبراء في القانون الدولي.

واعتبرت صحيفة "هآرتس" أن إسرائيل أمام التهمة الأخطر منذ بداية الحرب بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر. والثلاثاء، قتل عشرات الفلسطينيين في غارة جوية استهدفت مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في شمال قطاع غزة، الذي يأوي عائلات اللاجئين من حروب مع إسرائيل يعود تاريخها إلى عام 1948. 

وأكدت إسرائيل أن مقاتلاتها نفذت ضربة على مخيم جباليا أدت إلى مقتل قيادي في حركة حماس يدعى، إبراهيم البياري، "وعشرات المسلحين الذين كانوا معه عندما انهارت أنفاق كانت تجمعهم"، بحسب بيان للجيش.

وفي مقابلة مع شبكة "سي إن إن" قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، ريتشارد هيشت، ردا على سؤال حول استهداف مخيم اللاجئين على الرغم بعملهم بوجود مدنيين فيه: "بخصوص المدنيين هناك، نحن نفعل كل ما في وسعنا لتقليل الخسائر، سأقول ذلك مرة أخرى، إنهم (حماس) يختبئون خلف السكان المدنيين".  

 

في المقابل، قالت وحدة المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي، في وقت سابق لموقع "الحرة"، إن "منظمة حماس الإرهابية، وبما يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، تعمل من داخل المرافق المدنية (مثل المستشفيات، ورياض الأطفال، والمساجد وغيرها)، وبالتالي تستخدم سكان غزة دروعا بشرية وتعرّض مواطني قطاع غزة للخطر".

وأضافت: "الجيش يعمل على إخلاء السكان المدنيين من شمالي القطاع إلى جنوبه، وهو منطقة تم تعريفها كأكثر أمانا، والتي تتوفر فيها البنى التحتية الإنسانية".

وشددت على أن "عدم المساس بالمدنيين خلال الغارات على القطاع يمثل مصلحة مشتركة لمواطني غزة ودولة إسرائيل".

ماذا يقول القانون الدولي؟

ووفقا للقانون الدولي الإنساني، يمنع استهداف تجمعات سكانية أو استهداف المدنيين الذين يجب حمايتهم، بحسب ما يقول بول مرقص، الأستاذ في القانون الدولي.

ويشير مرقص في مقابلة مع موقع "الحرة" إلى أن القانون الإنساني الدولي يتكون من اتفاقيات جنيف الأربع في عام 1949 وبروتكولاتها الملحقة في عام 1977 مع سائر العهود الدولية، إضافة إلى نظام روما لعام 1998 الذي أنشئ المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.

والقانون، بحسب مرقص، يحدد الجرائم وتوصيفها وكيفية إحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية في حال ارتكابها، وهي أربع جرائم: جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية وجريمة العدوان، وفي "حال استهداف حي سكني أو تجمعات سكنية هذا يشكل خرقا لاتفاقيات جنيف" وفق الخبير.

وصادقت إسرائيل على الاتفاقيات المذكورة رغم أنها لم تصادق على البرتوكولات الملحقة بها.

وعن الحرب في غزة، يقول مرقص، "هناك جريمتان: جريمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب"، كما أن "التهجير الممنهج للسكان هو جريمة الإبادة".

ويصف مصطلح "الترحيل القسري" أي النقل القسري للسكان المدنيين، مشيرا إلى أنها جريمة ضد الإنسانية تعاقب عليها المحكمة الجنائية الدولية.

قواعد الصراع المسلح المتفق عليها دوليا انبثقت من اتفاقيات جنيف لعام 1949 - صورة أرشيفية.
قواعد الحرب.. ما موقف القانون الدولي من الصراع بين إسرائيل وغزة؟
مع تصاعد الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، يقول الجانبان إنهما ملتزمان بالقانون الدولي، وتبادلا الاتهامات بانتهاك "قوانين النزاعات المسلحة"، بينما يكشف خبراء لموقع "الحرة" عن "جرائم حرب محتملة" في الصراع بين الجانبين.

وكان مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قال، في أكتوبر الماضي، إن "الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة وأوامره بإجلاء السكان من شمال مدينة غزة يمكن أن يرقيا إلى مستوى النقل القسري للمدنيين وقد يمثلان انتهاكا للقانون الدولي".

وبسبب مصادقتها على الاتفاقيات الأربع في جنيف دون أي تحفظ، فإن إسرائيل ملتزمة ومتعهدة بالنصوص والقواعد وعليها أن تفي بتعهداتها، وفق مرقص، الذي يؤكد أنه "حتى مع عدم مصادقتها على البرتوكولات الملحقة لا يعفيها من المسؤولية، لأن هذه الالتزامات أصبحت حقوقية إنسانية تهتدي بها البشرية برمتها".

هل تصل القضية إلى المحكمة الدولية؟

وعن تقديم ملف القضية للمحكمة الجنائية، يقول مرقص، إن ذلك ممكن "من خلال طريقتين: تقديم ملف متكامل للمحكمة عبر مجلس الأمن، لكن ذلك غير ممكن بسبب تعطل المجلس بالفيتو الآن، أو أن ترتضي الأطراف اللجوء إلى المحكمة، وذلك يظل غير ممكنا في هذه الحالة، لأن إسرائيل ليست عضوا في نظام روما، خلافا للسلطة الفلسطينية التي انضمت وكانت تسعى إلى محاكمة إسرائيل لجرائم سابقة".

أما الطريقة الثالثة، يتابع مرقص، فهي عبر المدعي العام الدولي، مستبعدا حدوث ذلك لأن "شروط تحققه صعبة خاصة أنه منع من مزاولة عمله ومنع من عبور المعبر (رفح) عندما نزل شخصيا إلى المكان".

وأوضح الخبير أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بمرور الزمن أو التقادم وأنه يمكن أن تفتح من جديد في حال توفرت الظروف الدولية لها.

والأربعاء، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن الضربات الإسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين قد ترقى إلى "جرائم حرب".

وأشار المكتب الذي يقوده مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى أنه بالنظر إلى العدد الكبير للضحايا المدنيين وحجم الدمار الذي أعقب الغارات الإسرائيلية على المخيم، "لديه مخاوف جدية من أن هذه الهجمات غير المتكافئة يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب".

واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر الماضي، بعد أن شنت حركة حماس، هجوما غير مسبوق في تاريخ إسرائيل، تسلّل خلاله عناصرها إلى بلدات حدودية وتجمعات سكنية ومقار عسكرية في غلاف غزة.

وتسبب الهجوم بمقتل أكثر من 1400 شخص معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وتم أيضا اختطاف 240 شخصا، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تشن إسرائيل غارات متواصلة على القطاع، أسفرت عن مقتل أكثر من 8500 شخص معظمهم من المدنيين، من بينهم نساء وأطفال.

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".