جباليا يعد أكبر مخيم لللاجئين في مدينة غزة
جباليا يعد أكبر مخيم لللاجئين في مدينة غزة

لقي عشرات الفلسطينيين مصرعهم خلال اليومين الماضيين، بقصف نفذته إسرائيل على مرحلتين، استهدف مربعين سكنيين في مخيم جباليا، وهو واحد من أكثر الأماكن اكتظاظا حول العالم، وأكبر مخيمات اللاجئين في مدينة غزة، يؤوي عائلات فلسطينيين هجرهم الإسرائيليون فيما يُعرف بـ "النكبة"، عام 1948.

ففي أعقاب حرب عام 1948، استقر اللاجئون في مخيم جباليا، معظمهم كانوا قد فروا من القرى الواقعة جنوبي فلسطين، بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة "الأونروا"، التي تظهر أرقامها اليوم تواجد حوالي 116,011 لاجئ مسجل، يعيشون في المخيم الذي يغطي مساحة من الأرض تبلغ 1.4 كلم مربع فقط.

يقع مخيم جباليا في الشمال الشرقي لقطاع غزة، يحده من الغرب والجنوب قريتا جباليا والنزلة، ومن الشمال والشرق قرية بيت لاهيا، وبساتين الحمضيات "النزلة".

وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، فقد كان عدد السكان لدى إنشاء المخيم بلغ حوالي 37,800 نسمة، مقسمين على 5587 عائلة مهجّرة، "أغلبهم من مناطق: أسدود، ويافا، واللد، والرملة، وبئر السبع". 

ويضم المخيم 32 منشأة تابعة للأونروا: 16 مبنى مدرسي، ستة منها تعمل بنظام الفترة الواحدة وعشرة تعمل بنظام الفترتين، أي ما يعادل 26 مدرسة، ومركز توزيع أغذية، وثلاثة مراكز صحية، اثنان في مخيم جباليا، والثالث في منطقة الصفطاوي المحاذية، ومكتبان للإغاثة والخدمات الاجتماعية، ومكتبة عامة، وسبعة آبار مياه، ومكتب صيانة وصحة بيئية، وفقا لبيانات الوكالة. 

صور التقطت عبر الأقمار الصناعية (1 نوفمبر 2023) تظهر حجم الدمار في مخيم جباليا بعد الغارات الإسرائيلية

وتضيف "الأونروا" أن الاكتظاظ السكاني وضيق المساحة، أبرز ما يميز مخيم جباليا للاجئين، حيث تُبنى المساكن بالقرب من بعضها البعض، في ظل نقص بالمرافق الترفيهية والاجتماعية العامة.

 وفي كثير من الحالات، اضطر السكان إلى بناء طوابق إضافية لاستيعاب عائلاتهم، من دون تصميم منظم في أغلب الحالات، بحسب الأونروا. 

وتعيش كثير من الأسر في ظروف متدنية وغير مناسبة، في ظل مشاكل إنمائية كبيرة يواجهها المخيم، على رأسها: البطالة المرتفعة، تلوث إمدادات المياه، الكثافة السكانية المرتفعة جدا، قلة توفر مواد البناء وانقطاع الكهرباء، وفق "الأونروا".

وتقول الوكالة الأممية أن الحصار الإسرائيلي على غزة، جعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لجميع اللاجئين في المخيم تقريبا. وارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير، بحيث لا تستطيع إلا عائلات قليلة إعالة نفسها. 

وعلى مدار عقود من السنين، أصبحت نسبة كبيرة من السكان، الذين كانوا قادرين على إعالة أنفسهم، تعتمد على المساعدات الغذائية والنقدية التي تقدمها الأونروا لتغطية احتياجات الغذاء. وتشكل النظافة الأساسية أيضا مصدر قلق كبير في المخيم، حيث أن 90 في المئة من المياه غير صالحة للاستهلاك البشري.

ومخيم جباليا هو الأقرب إلى معبر إيريز مع إسرائيل. ووفقا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأونروا، كان أكثر من 21 ألف فلسطيني يمرون عبر معبر إيريز للعمل في إسرائيل يوميا قبل الانتفاضة الثانية.

انتشال جثث قتلى القصف الإسرائيلي لمخيم جباليا في غزة.

وفي إطار السياسة التي نفذتها إسرائيل منذ بدء الانتفاضة الثانية، في سبتمبر عام 2000، والتي اشتدت إجراءاتها بعد يونيو عام 2007، عقب سيطرة حماس على قطاع غزة، لم تمنح السلطات الإسرائيلية إلا لفئة محدودة من الناس تصاريح خروج من غزة. ولا يحصل غالبية الغزيين على تصاريح خروج على أساس تلبيتهم معايير التدقيق الأمني، بحسب الوكالة الأممية.

وتقتصر النشاطات الاقتصادية في المخيم على الزراعة والتجارة المحلية بين السكان بشكل أساسي، وتتوفر بعض الورش الصناعية بشكل أقل، فضلا عن صيد الأسماك. وتشرف وكالة الأونروا بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية على مختلف الخدمات الإغاثية والاجتماعية المقدمة لسكان المخيم. 

وكانت إسرائيل قد أجبرت ما يقرب من 975 عائلة من سكان المخيم، عام 1970، على الرحيل، بحسب وكالة "وفا"، إلى مشروع بيت لاهيا ومنطقة النزلة المتاخمة لحدود المخيم. 

وفي عام 1971، عملت السلطات الإسرائيلية على هدم وإزالة ما يزيد عن 3600 غرفة تسكنها 1173 عائلة، بهدف توسيع طرقات المخيم، "من أجل السماح لآلياتها العسكرية بدخول شوارع المخيم خلال عمليات الملاحقة، بحسب الوكالة الفلسطينية الرسمية.

ومن أبرز سمات المخيم ضيق شوارعه والأزقة الفاصلة بين المنازل فيه، ويعود لأن المخيم خلال نشأته كان عبارة عن خيم قماشية في البداية مقدمة من جمعية "الكويكرز"، وفق ما يقول موقع "موسوعة المخيمات الفلسطينية"، قبل أن تنشئ الأمم المتحدة وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين عام 1950، والتي قامت بدورها لاحقا بنشر غرف سكنية (مأوى) متلاصقة بدلا من الخيم ليقطنها اللاجئون. 

وزودت الأونروا اللاجئين بالمواد اللازمة للبناء، بحسب حجم كل أسرة وحاجاتها في ذلك الوقت، وفقا للموسوعة، وبنت الوكالة بعض تلك الغرف بينما بنى اللاجئون أنفسهم البعض الآخر، بمساعدة نقدية أو عينية من الوكالة أو دون مساعدتها، وكانت المساحة الممنوحة لكل أسرة في المخيمات الفلسطينية حوالي 100-150 متر مربع حسب حجم كل أسرة. 

قتلى القصف الإسرائيلي على مخيم جباليا في غزة.

ولا يمكن لسكان مخيم جباليا تملك الأراضي التي يقيمون عليها، بكونها تعود بملكيتها للحكومة الفلسطينية أو تعد أملاكا خاصة تستأجرها السلطات لصالح وكالة الأونروا.

يذكر أن وكالة "الأونروا" كانت قد أعلنت خلال السنوات الأخيرة، تقليص مختلف خدمات الإغاثة المقدمة لسكان المخيمات الفلسطينية ومنها جباليا، بسبب تراجع الدعم المالي الممنوح لها، وفق بياناتها.

وكان مخيم جباليا ساحة انطلاق لما وصف بـ "الانتفاضة الأولى" للفلسطينيين، عام 1987. وتعرض المخيم للقصف الإسرائيلي مرات عدة، خلال جولات التصعيد السابقة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، أبرزها في مارس عام 2003 عندما جرى اجتياح المخيم قبل الخروج الإسرائيلي من غزة عام 2004. 

وفي عام 2014، استهدف قصف مدفعي إسرائيلي مدرسة تابعة للأونروا في مخيم جباليا، كانت تأوي مدنيين نزحوا إليها بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ما أدى إلى مقتل 16 فلسطينياً، وأثار موجة إدانات دولية حينها، من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية، وغيرها.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها المخيم للقصف الإسرائيلي منذ بدء الحرب في غزة، بعد الهجوم الدموي المفاجئ وغير المسبوق لحماس في السابع من أكتوبر، إذ سبق أن تعرض سوق منطقة "الترنس" لقصف أودى بحياة نحو 50 شخصاً، وفقا لوزارة الصحة في غزة. 

المنطقة ذاتها تعرضت لقصف قبل يومين، أدى إلى مقتل وإصابة مئات الفلسطينيين، وقدرت وزارة الداخلية التابعة لحماس في غزة سقوط نحو "400 شخص بين قتيل وجريح، بعد تعرض مخيم جباليا لقصف بـ 6 قنابل تزن الواحدة منها طنا من المتفجرات، ما أدى إلى تدمير حي كامل". 

والأربعاء، قتل وأصيب عشرات الأشخاص جراء غارة إسرائيلية جديدة استهدفت مربعا سكنيا في مخيم جباليا، بحسب مراسلة "الحرة".

وأفادت المراسلة بأن معظم ضحايا الغارة الجديدة التي استهدفت منازل في منطقة "الفالوجا" في المخيم، هم من الأطفال، واستقبل المستشفى الإندونيسي شمالي القطاع مصابين جراء الغارة الإسرائيلية.

وأعلنت إسرائيل أن مقاتلاتها نفذت ضربة على مخيم جباليا، وقالت إن الغارة أدت إلى مقتل قيادي في حركة حماس يدعى، إبراهيم البياري، "وعشرات المسلحين الذين كانوا معه عندما انهارت أنفاق كانت تجمعهم".

وعلى خلفية البيانات عن الضحايا المدنيين، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، للصحفيين، الأربعاء: "سأفعل أي شيء لتدمير حماس بالكامل". 

وقالت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، الأربعاء، إن سبعة رهائن مدنيين قتلوا في الغارات الإسرائيلية على مخيم جباليا، بينهم ثلاث يحملون جوازات سفر أجنبية.

وتسلّل مئات من مسلحي حركة حماس، المصنفة إرهابية، إلى إسرائيل من غزة في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 شخص في إسرائيل، معظمهم من المدنيين، بحسب السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل على الهجوم بقصف مكثف على غزة تسبب بمقتل أكثر من 8796 فلسطيني، معظمهم من المدنيين، بحسب آخر إحصائيات وزارة الصحة في القطاع التابعة لحماس. 

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

"فجوات كبيرة" تتخلل مفاوضات الهدنة في قطاع غزة، في الوقت الذي وُضع فيه مقترح جديد على الطاولة سعيا لوقف القتال، والذي أكدت إسرائيل أنها تلقته وردت عليه بـ"مقترح بديل".

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء السبت، أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، أجرى سلسلة مشاورات في ضوء مقترح تلقته الحكومة من الوسطاء، بشأن صفقة محتملة في غزة.

وأوضح بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن إسرائيل نقلت ردّها على المقترح إلى الوسطاء، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، دون الإعلان رسميا عن تفاصيل المقترح.

فيما قال خليل الحية، رئيس حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) بقطاع غزة، في كلمة مسجلة بثت السبت، إن الحركة "وافقت على مقترح وقف إطلاق النار الذي تلقته قبل يومين من مصر وقطر"، اللتين تتوسطان في مفاوضات غزة.

وذكر الحية في كلمته: "تسلمنا قبل يومين مقترحا من الإخوة الوسطاء، تعاملنا معه بإيجابية ووافقنا عليه".

وأعرب الحية الذي يقود فريق حماس للتفاوض في محادثات غير مباشرة تهدف لوقف إطلاق النار، عن أمله في "ألا تعطل" إسرائيل المقترح و"تجهض جهود الوسطاء".

تفاصيل المقترح؟

نقلت وسائل إعلام عن مصادر إسرائيلية، أن الحكومة تطالب بالإفراج عن 10 مختطفين.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلا عن مصادر إسرائيلية ودولية مطّلعة على تفاصيل المقترح الإسرائيلي، قولها إنّ الفجوات بين إسرائيل وحماس "لا تزال كبيرة"، رغم التسريبات الصادرة عن جهات سياسية وحكومية بشأن مرحلة أولى من الصفقة المحتملة، والتي تشمل إطلاق سراح 5 مختطفين أحياء.

وذكرت المصادر أن الخلاف "لا يقتصر على عدد المختطفين الذين سيُفرج عنهم، إذ تطالب إسرائيل بالإفراج عن 10، بل يشمل أيضًا المسألة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصفقة: هل ستكون هذه المرحلة بداية لاتفاق شامل ينهي الحرب؟".

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمني رفيع، "على دراية بتفاصيل المفاوضات"، تشكيكه في فعالية الضغط العسكري الذي تتحدث عنه الحكومة.

وقال المصدر إن "الادعاء بأن الضغط العسكري دفع حماس لتغيير شروطها لأول مرة منذ بداية الحرب، يشبه التصريحات التي أدلى بها نتانياهو قبل عام بالضبط، عندما قال إننا على بُعد خطوة من النصر".

وتابع: "الحقيقة أن الكرة لا تزال في نفس المكان، ولا أحد سوى (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب قادر على فرض صفقة مختطفين على نتانياهو".

وأشار المسؤول إلى أنّ "تصريحات رئيس الحكومة في فبراير وأبريل 2024 حول قرب الانتصار الكامل كانت، في الحد الأدنى، "متفائلة لدرجة الإهمال أو الفانتازيا"، متسائلًا عن "سبب تصديق الرأي العام اليوم لإعلانات مشابهة".

واعتبر أن ما يصدر عن مكتب رئيس الحكومة "يوحي بأن كل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش يدعمون تجديد العمليات العسكرية، لكن الواقع مختلف، إذ ترى هذه الجهات أنّه لا يجوز الاستمرار في التباطؤ الذي يسمح لحماس بإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تعتقد بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى إطلاق سراح المختطفين. على العكس تمامًا – هذا الضغط يعرض حياتهم لخطر جسيم وفوري"، حسب تعبيره.

والخميس، كانت رويترز قد نقلت عن مصادر أمنية، أن مصر "تلقت مؤشرات إيجابية من إسرائيل" بشأن مقترح جديد لوقف إطلاق النار، يشمل مرحلة انتقالية.

وأضافت المصادر أن المقترح "ينص على إطلاق حماس سراح 5 رهائن إسرائيليين أسبوعيا".

"مواصلة المفاوضات"

دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ في 19 يناير، بعد حرب دامت 15 شهرا، وتضمنت وقفا للقتال وإطلاق سراح بعض الرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس مقابل سجناء فلسطينيين تحتجزهم إسرائيل.

وتهدف المرحلة الثانية من الاتفاق المكون من 3 مراحل، إلى التركيز على التوصل إلى اتفاقات بشأن الإفراج عن باقي الرهائن وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

وتقول حماس إن أي مقترحات يجب أن تتيح بدء المرحلة الثانية، في حين عرضت إسرائيل تمديد المرحلة الأولى التي بلغت مدتها 42 يوما.

وحول المقترح الجديد حاليا، صرح مسؤولون إسرائيليون لصحيفة "هآرتس"، أنه على الرغم من وجود فجوات كبيرة بين إسرائيل وحماس بشأن استئناف اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هناك استعدادًا لمواصلة المفاوضات.

وقال مصدر إسرائيلي للصحيفة، إنه "من المتوقع أن يمارس الوسطاء (مصر وقطر والولايات المتحدة) ضغوطًا شديدة على الجانبين، في محاولة لتحقيق اختراق، لكن من السابق لأوانه معرفة فرص ذلك".

وحول الدعوات الإسرائيلية والأميركية لحماس بنزع سلاحها، قال الحية في كلمته السبت: "سلاح المقاومة خط أحمر، وهو مرتبط بوجود الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة".

وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إنه لا ينبغي أن يكون لحماس أي دور في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.

واستأنفت إسرائيل في 18 مارس العمليات البرية والقصف في غزة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى زيادة الضغط على حماس لتحرير باقي الرهائن الذين تحتجزهم.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء لعشرات الآلاف من السكان في عدة مناطق شمالي وجنوبي قطاع غزة، وقالت إن السبب في ذلك يرجع إلى "إطلاق صواريخ على المدن إسرائيلية".