كبار السن في قطاع غزة يختبرون معاناة مضاعفة عن غيرهم
كبار السن في قطاع غزة يختبرون معاناة مضاعفة عن غيرهم

منذ أيام ترفض، معزوزة نصير (86 عاما)، أن تتناول الطعام، لكيلا تضطر للدخول إلى المرحاض، وإحراج نفسها وعائلتها معها، حيث يتوجب عليها الانتظار لساعات في طابور طويل أمام المراحيض في مراكز إيواء النازحين الفلسطينيين من شمال غزة إلى وسطها وجنوبها.

تروي حفيدتها، زينات نصير، لموقع "الحرة" كيف بات جسدها "جلد فوق عظم"، بعدما خسرت الكثير من وزنها خلال الأسابيع الماضية، "تنتشر التسلخات في أنحاء جسدها، وكأنه يتآكل وهي حية، مشهد لا يقبله العقل".

قبل وصول معزوزة إلى الوضع الحالي، اختبرت السيدة الفلسطينية المقعدة مسيرة نزوح راجلة، طويلة وشاقة، امتدت على مراحل عدة، من شمال قطاع غزة، حيث كانت تسكن في بيت حانون، إلى وسط القطاع حيث نزحت إلى مخيم النصيرات، بعدما كانت قد توجهت قبل ذلك إلى مخيم جباليا ومستشفى بيت حانون.

وكانت تقطن معزوزة قبل اندلاع الحرب في منزل ولدها شمال قطاع غزة، الكائن في الطابق السادس من المبنى. ولأن المنزل سبق أن تعرض أكثر من مرة للقصف في الحروب الماضية، سارعت العائلة لإخلائه وإنزال معزوزة كل تلك المسافة "محمولة"، بحسب حفيدتها، بعدما قررت العائلة بمعظم أفرادها اللجوء إلى مستشفى بيت حانون حيث كان يفترض أن يبقوا حتى انتهاء الحرب.

لم يكن في الحسبان أنهم سيضطرون للنزوح مرة "ثانية وثالثة ورابعة"، فيما تتنقل السيدة الثمانينية من على ظهر شاب إلى آخر من شبان العائلة، تُحمل كل تلك المسافة تحت القصف، على طرقات خطرة ووعرة ومتداعية، دون توفر أي وسيلة نقل، بينما هي في حالة نفسية صعبة جداً، خائفة وقلقة، لتصل إلى مراكز لا تتأمن فيها أدنى مقومات الحياة. 

معاناة مضاعفة

يختبر كبار السن في قطاع غزة، معاناة مضاعفة عن غيرهم منذ اندلاع الحرب الجارية بين حماس وإسرائيل في السابع من أكتوبر الماضي، وذلك لكونهم من الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمع بصورة عامة، إضافة إلى كونهم الأكثر ضعفاً في الكوارث وأوقات الحروب والنزاعات، نظراً لخصوصية أوضاعهم ومشاكلهم الصحية فضلاً عن محدودية قدراتهم في تأمين ظروف البقاء على قيد الحياة.

يؤكد مدير جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية عائد ياغي لموقع "الحرة" أن الوضع الإنساني يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، على جميع فئات المجتمع، والمسنين بشكل خاص "مشاكلهم ومعاناتهم أكبر من غيرهم"، لاسيما مع فرض النزوح عليهم سيراً على الأقدام لكيلومترات عدة لا تقل عن 5 كلم في الرحلة، "وهذا صعب حتى على الأشخاص العاديين، وبكامل صحتهم وفي الأوقات الطبيعية، فكيف على كبار السن في حالة حرب وفي شوارع غير مهيئة للسير وتحت تهديد الدبابات والأسلحة والقصف العنيف؟"

المشكلة الأساسية التي واجهت أطقم الإغاثة والمسنين، بحسب ياغي، هي عملية البحث عن كراسي متحركة لنقل العديد منهم ممن لا يستطيعون السير أبداً، "وللأسف الشديد كافة الجمعيات والمؤسسات التي تؤمن مثل هذا النوع من المعدات والأجهزة المساعدة للأشخاص المقعدين، عجزت عن ذلك، اما بسبب تدميرها وتدمير مخازنها في القصف، او بسبب انقطاع المعدات نتيجة الطلب الكبير عليها، وفي الأغلب يضطر أقارب المسنين إلى حملهم ومساعدتهم على بلوغ مراكز الإيواء."

لكن المعاناة لا تقتصر فقط على رحلة النزوح، بل تبدأ منها، وتمتد إلى مراكز الإيواء، المكتظة بالنازحين، حيث لا تتوفر فيها بحسب ياغي "أدنى مقومات الحياة، بدءاً من انعدام المساحة الخاصة للشخص أو العائلة، مروراً بانقطاع مياه الشرب والاستخدام غير الملوثة، وصولاً إلى عدم توفر عوامل النظافة الشخصية ولا البطانيات والفرش بما يكفي، انتهاء مع أزمة المراحيض. 

المعاناة لا تقتصر فقط على رحلة النزوح، بل تبدأ منها، وتمتد إلى مراكز الإيواء، المكتظة بالنازحين

"تخيل كل ألف شخص لديهم مرخاض واحد، يقفون بالطوابير لساعات طويلة تصل إلى 4 - 6 ساعات أحيانا، فكيف بالمسن أن يفعل ذلك؟ خاصة أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري والبروستات هؤلاء يضطرون للذهاب إلى المرحاض كل ساعة تقريباً، فكيف سيقضون حاجاتهم؟" يسأل ياغي، لافتاً حتى إلى انقطاع الحفاضات المخصصة للمسنين من غزة، ما يتركهم في وضع محرج وصعب عليهم وعلى المحيطين بهم. 

ورغم ذلك كله، تبقى أبرز الصعوبات والتحديات كامنة لدى أصحاب الأمراض المزمنة، الذين يعجزون عن تأمين علاجاتهم وأدويتهم، بعدما انهار القطاع الطبي والاستشفائي في غزة، وتبدد مخزون الأدوية في ظل الحصار وقلة المساعدات والطلب المتزايد عليها، فيما أصبح المسنون خارج الأولويات لناحية تلقي الرعاية الصحية، التي باتت حصراً للمصابين والجرحى والحالات الطارئة المهددة للحياة.

إنسولين في عبوة القهوة

في اليوم الرابع للحرب، خرج عبد الحميد حسن عمر طلبة، الذي يعاني من مرض السكري من الدرجة الأولى، من منزله في مدينة غزة، دون أن يتمكن من أن يحمل معه أي شيء، لا أدوية ولا إنسولين، "خرجت كما خلقتني يا مولاي". 

يروي الرجل الستيني لموقع "الحرة" مراحل النزوح التي خبرها، من منزله غرب مدينة غزة، مشياً على الأقدام إلى مستشفى القدس حيث أمضى 12 ساعة فيها مرتاحاً من السير، ليتابع في اليوم التالي مع 7 من أفراد أسرته رحلتهم إلى وادي غزة، حيث وصلوا في النهاية إلى خان يونس.

خرج عبد الحميد حسن عمر طلبة، الذي يعاني من مرض السكري من الدرجة الأولى، من منزله في مدينة غزة

حصل عبد الحميد على مادة الإنسولين من خلال البرنامج العالمي للأونروا، المتخصص بدعم مرضى السكري، وذلك في مقر الوكالة في خان يونس، المعروفة بـ "عيادات الوكالة"، إضافة إلى دواء المعدة وأدوية الدهون، "ولكن بكميات قليلة جداً لا تكفي لشهر واحد."

وفي ظل انقطاع المياه والكهرباء عن غزة، وارتفاع درجات الحرارة خلال النهار، يضطر عبد الحميد إلى حفظ الإنسولين في عبوة حديدية حافظة للحرارة (ماغ للقهوة)، يضعها في إناء بلاستيكي مملوء بالماء، حتى يبقى الإنسولين بارداً إلى حد ما وصالحاً للاستخدام.

ويؤكد عبد الحميد أن المؤسسات والجمعيات التي تعنى بمرضى السكري، توقفت عن تقديم أي خدمة صحية للمرضى في كل قطاع غزة، والأمر نفسه بالنسبة لمرضى الضغط والقلب والأمراض المزمنة. 

في المقابل لم يتمكن كل من منيرة وأسعد نصير (63 عاماً)، وابنهما الذي يعاني من مرض عقلي، من الحصول على أدويتهم منذ نزوحهم عن منزلهم شمال قطاع غزة. 

تعاني منيرة من مرض السرطان، وتتشارك مع زوجها مرض السكري والضغط، فيما يعاني ابنهما أيضاً من مرض في القلب، وكلها أمراض مزمنة تستدعي علاجاً مستمراً ما عاد باستطاعتهم تأمينه. 

كان الخروج من المنزل "للنجاة بالأرواح"، لم يتمكن أفراد عائلة نصير من أخذ مخزون كاف من الأدوية والمستلزمات العلاجية، فضلاً عن الأمتعة أو الملابس، اضطروا لنزوح سريع تحت قصف عنيف دون أي تحضيرات. 

ومنذ أن نزحوا حتى اليوم لم يأخذوا أدويتهم، ولا تلقوا علاجاتهم، ويعانون من اضطرابات ومضاعفات نتيجة ذلك، فيما حالتهم تتدهور تحت ضغط الحرب والخوف والتوتر والنزوح والمعاناة بمجملها، التي تؤثر جداً على وضعهم الصحي. 

إضافة إلى ذلك ما عادت العائلة تمتلك أي أموال لتأمين حاجاتهم ولاسيما الأدوية الضرورية لحياتهم، سبق أن فعلوا ذلك بداية الحرب، ولكن ما أمنوه من أدوية نفذ بعد حرب امتدت ٤٠ يوماً. 

أفراد العائلة الثلاث سبق لهم أن أصيبوا بشظايا في الرأس في قصف خلال الحرب السابقة بين غزة وإسرائيل عام 2021. اليوم يواجهون آلاماً مبرحة تحفزها الحرارة المنخفضة للطقس ليلاً، فيما يعجزون حتى عن تأمين مسكنات للآلام التي ما عادت تحتمل، وفق تعبيرهم.

من تحت القصف إلى بؤر الوباء

رحلة النزوح كانت صعبة جداً وشاقة على عائلة نصير، لاسيما وانها حصلت "تحت النار"، في ظل قصف عشوائي. ولأن الكبار في السن أقل قدرة على المشي والتنقل من الشباب، الطريق من منزلهم إلى مستشفى بيت حانون، التي عادة ما تحتاج نحو نصف ساعة من المسير، تطلبت 4 ساعات، هربوا فيها من زاوية إلى أخرى طيلة الطريق، لتفادي القذائف المدفعية المتساقطة. 

بعد وصولهم إلى مستشفى بيت حانون طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء كل بيت حانون، فاختاروا التوجه إلى مخيم جباليا بكونه الوجهة الأقرب المتوفرة لهم، وهنا بدأت المعاناة مع المدارس، خاصة وأن الأونروا رفعت يدها ومسؤوليتها عن كل المدارس، فكانت مراكز الإيواء عبارة عن "جدران فقط، لا مياه ولا طعام ولا خدمات أو تقديمات."

في مراكز الإيواء المزدحمة جداً، تقطن النساء في الغرف بينما يقطن الرجال باحات المدارس والساحات المحيطة بها حيث تنصب الخيام والشوادر وكل ما يساعد في حجب الشمس القوية والمطر، لكن الازدحام يجعل الظروف أصعب بكثير وأحيانا حرفيا لا يتوفر مكان حتى للجلوس بسبب الأعداد الهائلة للنازحين في مكان واحد. 

وفي هذا الأسبوع، نزح حوالي 50 ألف فلسطيني من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه، لينضموا إلى مئات الآلاف الذين سبقوهم منذ بدء التصعيد في السابع من أكتوبر الماضي.

في هذا الأسبوع، نزح حوالي 50 ألف فلسطيني من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه

يضاف إلى ذلك، انقطاع المواد الأساسية والرئيسية نتيجة الحصار على قطاع غزة، ونفاد الوقود الذي يعكس على مختلف جوانب الحياة مزيدا من التداعيات والمعاناة، في ظل انهيار للقطاع الصحي والاستشفائي في غزة وارتفاع كبير في عدد المصابين والمرضى بما يفوق الخدمات المقدمة.

كل ذلك بات ينذر بكارثة إنسانية وشيكة في صفوف النازحين الفلسطينيين وأماكن اللجوء جنوب غزة، ناجمة بالدرجة الأولى عن ارتفاع مخاطر انتشار الأوبئة والأمراض، لاسيما الفتاكة منها، بسبب الظروف المعيشية المتردية، والتي تسوء مع نقص المياه النظيفة وقلة دورات المياه الملائمة بالإضافة إلى تجمع النفايات.

وكانت منظمة الصحة العالمية حذرت، الأربعاء، من خطر متزايد لانتشار الأمراض في قطاع غزة بسبب القصف الجوي الإسرائيلي الذي أدى إلى تعطل النظام الصحي وصعوبة الحصول على المياه النظيفة وتكدس الناس في الملاجئ.

وأضافت المنظمة "مع استمرار ارتفاع عدد الوفيات والإصابات في غزة بسبب تصاعد الأعمال العدائية، فإن الزحام الشديد في الملاجئ وتعطل النظام الصحي وشبكات المياه والصرف الصحي يضيف خطرا آخر هو الانتشار السريع للأمراض المعدية. وقد بدأت بعض الاتجاهات المقلقة في الظهور فعلا".

خارج الأولويات 

يأتي ذلك في وقت تراجع كبار السن عن سلم الأولويات لمتلقي الرعاية الصحية، في ظل انهيار القطاع الصحي ومنظومة الاستشفاء.

تعرض عبد الحميد قبل يومين لحروق في قدمه أثناء طهيه للطعام على نار الحطب. توجه إلى عيادة وكالة الأونروا حيث تلقى إسعافات أولية بسيطة جداً عبارة عن شاش طبي معقم، في حين تحتاج حالته فعليا لمتابعة طبية غير متوفرة الآن.

تعرض عبد الحميد قبل يومين لحروق في قدمه أثناء طهيه للطعام على نار الحطب

أما بالنسبة للمستشفيات فهي لا تقبل، بحسب عبد الحميد، أي مريض سكري بكونها مليئة بالمصابين والحالات المشوهة والمحروقة. 

من جهتها تؤكد زينات ان المسنون ما عادوا خارج الأولويات الصحية في المستشفيات فقط، بل إنه ما من مسن في غزة اليوم قادر أصلاً على الوصول إلى مستشفى، خاصة وان المستشفيات بعيدة جداً عن مراكز الإيواء، وما من مسن اليوم قادر على قطع كل هذه المسافة سيراً في ظل انعدام المواصلات بسبب انقطاع الوقود. 

وتضيف: "حتى إن وصلوا إلى المستشفيات، ماذا ستقدم لهم؟ اليوم المستشفيات مكتظة بالجرحى والمصابين، وليس هناك أي جهاز لفحص السكري يعمل اليوم ليس هناك أي خدمات متاحة لأصحاب الأمراض المزمنة."

ويعتبر سوء التغذية أيضا من التحديات البارزة التي تواجه الكبار في السن في غزة، لاسيما مع انقطاع المواد الغذائية وقلة المساعدات الواردة إلى القطاع في ظل الحصار الإسرائيلي. 

يشير عبد الحميد إلى أنه وعائلته حالة سوء تغذية، وأوضاع معيشية سيئة للغاية، "لا نعيش على أي جانب من الجوانب حياة تليق بالبشر". 

ويتابع: "كمريض سكري يجب أن أجد صباحاً طعاماً جاهزاً لآكله وإلا سيحصل خللاً على صعيد السكر في الجسم، بينما للأسف مع كل صباح أقوم أبحث عن بضع كسرات من الخبز الناشف حتى أسد رمقي، وكثير من الأيام انتظر حتى الغروب لكي يتوفر لدينا القليل جداً من الطعام آكله حتى أتمكن من تناول جرعة الأنسولين المطلوبة يومياً، والكل يعلم انه بعد اخذ جرعة الانسولين لا يمكن تحمل مدى الجوع بعدها، فمرض السكري قائم بشكل أساسي على الطعام."

وكان الجهاز المركزي للإحصاء، في اليوم العالمي للمسنين، قال "إن عدد المسنين في فلسطين بلغ حوالي 313 ألف أي ما نسبته (6%) من السكان، في منتصف عام 2023، بواقع 206 آلاف مسن (6%) في الضفة، و107 آلاف (5%) في قطاع غزة.

ويعاني حوالي 69 في المئة من كبار السن في غزة من أمراض مزمنة، كما بلغت هذه النسبة حوالي 66% بين الذكور و76% بين الإناث.

وبحلول 3 نوفمبر عام 2023، أفيد بأن مخزونات الأغذية تكفي لمدة تقل عن أسبوع، وأن المطحنة الوحيدة العاملة في غزة، لا تستطيع طحن القمح بسبب انقطاع الكهرباء.

وتشير التقديرات إلى أنه بحلول بداية الأسبوع الثالث من الحرب، أصبح جميع سكان غزة تقريبا يعيشون في فقر بنسبة 96 في المئة، وذلك استنادا إلى الدليل الوطني للفقر متعدد الأبعاد الذي يحسب أوجه الحرمان المتزامنة التي يعاني منها السكان في سبعة أبعاد للرفاه.

وفق ما أكده تقييم أممي نشر مؤخرا، صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "الإسكوا"، رجح أن مواصلة الحرب لشهر ثان ستدفع نصف مليون شخص إلى الفقر.

كابوس على كبار السن

وفي بيان صادر الأربعاء قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، إن الشهر الماضي (أكتوبر) كان كابوسا بالنسبة إلى المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومن ضمنهم كبار السن.

نقلت عن مشروع "أولد لايفز ماتر" (Old Lives Matter) الذي أطلقته جامعة حيفا، أن أكثر من 110  أشخاص من كبار السن قُتلوا خلال الهجوم المفاجئ الذي قادته حماس في 7 أكتوبر على إسرائيل. 

وثمة 35 شخصا من كبار السن محتجزون رهائن أو مفقودون، وفق "منصة أهالي الرهائن والمفقودين". بينما تطالب "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" بشكل حثيث بالسماح لها بالوصول إلى الرهائن، وهو أمر يسمح لها القانون الدولي به، فإن الأشخاص الذين يحتاجون أدوية ورعاية قد لا يحصلون عليها.

وقالت المنظمة أنه وبينما أمرت السلطات الإسرائيلية أكثر من مليون شخص بإخلاء شمال غزة، وسط القصف المتواصل الذي حول أحياء برمتها إلى ركام، كان الإخلاء "مستحيلاً" بالنسبة إلى الكثير من كبار السن، فأولئك الذين يهربون يواجهون صعوبات خاصة، بما في ذلك صعوبة الحصول على الأدوية.

وأضافت هيومن رايتس ووتش أن "العقاب الجماعي الذي تفرضه إسرائيل على سكان غزة، عبر قطع الغذاء، والمياه، والكهرباء، والوقود، والمنع المتعمد لدخول المساعدات الإنسانية، وهي جرائم حرب، تزيد من صعوبة الوضع المزري أصلا، بالنسبة إلى كبار السن العالقين داخل القطاع."

وذكرت أن القانون الإنساني الدولي يضمن احتراما وحماية خاصين للمدنيين الكبار في السن، الذين قد يتعرضون أكثر للإصابات وسوء المعاملة خلال النزاعات المسلحة.

كما دعت المنظمة أطراف النزاع أن تعمل على نقل كبار السن بأمان خارج المناطق المحاصَرة أو المطوَّقة، داعية حماس والجهاد الإسلامي، للإفراج فورا عن جميع المحتجزين المدنيين، ومن ضمنهم الرهائن كبار السن، كما طلبت من إسرائيل أن توقف الهجمات غير القانونية، وإعادة إمدادات المياه والكهرباء، والسماح بدخول الوقود والغذاء والأدوية التي تمس الحاجة إليها في غزة.

قتل أكثر من 50 ألف شخص في غزة في الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس في أكتوبر
قتل أكثر من 50 ألف شخص في غزة في الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس في أكتوبر (Reuters)

أظهرت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاج مئات الفلسطينيين في شمال قطاع غزة للمطالبة بإنهاء الحرب مرددين هتافات "حماس بره بره" في إظهار نادر للمعارضة ضد الحركة المسلحة.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأظهر أحد المقاطع المتداولة على موقع إكس محتجين يرددون "بره بره بره، حماس تطلع بره". وبدا أن المقطع التُقط في منطقة بيت لاهيا بغزة أمس الثلاثاء. وظهر في المنشور أشخاص يسيرون في شارع بين مبان مدمرة من جراء الحرب.

وقال أحد الشهود لرويترز، طالبا عدم ذكر اسمه خوفا من التعرض لأذى "كانت مسيرة عفوية ضد الحرب لأن الناس تعبوا وليس لديهم مكان يذهبون إليه".

وأضاف "ردد كثيرون، ولكن ليس الكل، بل كثيرون، هتافات ضد حماس، وقالوا بره يا حماس. الناس منهكون، ولا ينبغي أن يلومهم أحد".

وبدأ تداول المنشورات على نطاق واسع في وقت متأخر من أمس الثلاثاء. واستطاعت رويترز التأكد من موقع الفيديو من خلال المباني وأعمدة الكهرباء وتخطيط الطرق الذي يتطابق مع صور الأقمار الصناعية للمنطقة. إلا أن رويترز لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تاريخ التقاط الفيديو. 

وتظهر العديد من مقاطع الفيديو والصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجات في المنطقة أمس الثلاثاء.

وفي منشورات أخرى، كُتب على لافتات رفعها المحتجون "أوقفوا الحرب" و"يكفي نزوح".

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا مصورا قالوا إنه لاحتجاج نظمه مئات الأشخاص في حي الشجاعية، إحدى ضواحي مدينة غزة، اليوم الأربعاء مطالبين بإبعاد حماس عن المشهد، مما يشير إلى احتمال انتشار الاحتجاجات المناهضة للحركة. ولم تتمكن رويترز من التحقق من صحة المقطع.

وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

ومضى يقول "نقول لأصحاب الأجندات المشبوهة أين هم مما يحدث في الضفة الغربية من قتل وتهجير وتدمير وضم للأراضي على مدار الساعة؟ فلماذا لا يخرجوا هناك ضد العدوان أو يسمحوا للناس أن تخرج إلى الشارع للتنديد بهذا العدوان".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة". وتقود فتح السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

توتر سياسي

أودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وقال الشاهد "غزة كلها حطام والاحتلال أصدر أوامر لنا بالنزوح من الشمال، وين نروح؟".

وذكر نتانياهو في تعليقاته أن الاحتجاجات تُظهر نجاح سياسات إسرائيل.

وقال خلال كلمة بالبرلمان "في الأيام القليلة الماضية شهدنا واقعة غير مسبوقة، احتجاجات علنية في غزة ضد حكم حماس. ويُظهر ذلك أن سياساتنا ناجحة. نحن عازمون على تحقيق جميع أهداف حربنا".

وقال مسؤولو الصحة الفلسطينيون إن ما يقرب من 700 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، قُتلوا منذ أن استأنفت إسرائيل غاراتها على غزة بهدف تفكيك حماس نهائيا كما تقول.

ونشرت حماس الآلاف من أفراد الشرطة وقوات الأمن في شتى أنحاء غزة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير، لكن وجود عناصرها المسلحة تراجع بحدة منذ 18 مارس بعد استئناف الهجمات الإسرائيلية. وكان أفراد الشرطة أقل في بعض المناطق بينما اختفى أعضاء وقيادات الجناح المسلح للحركة عن الأنظار لتجنب الغارات الجوية الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وقال المحلل الفلسطيني أكرم عطا الله إن حماس، التي كبحت المعارضة الشعبية قبل الحرب، لن يكون أمامها خيارات كثيرة لقمع المظاهرات إذا اكتسبت قوة دافعة.

وأضاف "الشعب منهك ويدفع ثمن ذلك أرواحه وممتلكاته، والحركة تواجه هجوما عسكريا إسرائيليا مدمرا يضعف قدرتها على قمع المتظاهرين حتى لو أرادت ذلك".

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.