الراحلان ياسر عرفات وإسحق رابين يتصافحان بعد توقيع إتفاقية أوسلو برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون- أرشيف
الراحلان ياسر عرفات وإسحق رابين يتصافحان بعد توقيع إتفاقية أوسلو برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون- أرشيف

هل فلسطين دولة؟ هناك حكومات تعترف بها بوصفها دولة، وأخرى ترفض، في حين منحتها الأمم المتحدة وضعا خاص، وعبر تاريخ هذا الجدل، كان ولا يزال للفلسطينيين محاولات حثيثة في الأمم المتحدة سعيا للاعتراف بهم.

أصبحت فلسطين "دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة" في 29 نوفمبر 2012، بعد تصويت على قرار 67/19 الذي حظي بتأييد أغلبية 138 دولة مقابل اعتراض 9 دول، وامتناع 41 دولة عن التصويت. 

حين أُعلنت النتيجة، وقف الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في القاعة الشهيرة، يصفق وهو يتوسط أعضاء الوفد الفلسطيني.

الرئيس محمود عباس يتوسط الوفد الفلسطيني لحظة إعلان نتيجة التصويت على قرار الأمم المتحدة

قبل ذلك القرار بـ 38 عاما، اعتلى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل، ياسر عرفات، منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال عبارته الشهيرة "اليوم أتيت إلى هنا حاملا غصن الزيتون بيد، وبندقية المقاتل من أجل الحرية في الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي".

كلمات عرفات كانت جزءا من أول خطاب لقائد فلسطيني على المنبر الدولي، ألقي في 13 نوفمبر 1974، وكتبه الشاعر الفلسطيني الراحل، محمود درويش، ركز فيه على تناول مسألة "الصورة الإرهابية" التي ألصقت بمنظمة التحرير الفلسطينية.

وكانت الأمم المتحدة، قد منحت منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب في الجمعية، وفي المؤتمرات الدولية الأخرى التي تعقد تحت رعاية الأمم المتحدة.

خافيير بيريز دي كويلار، الأمين العام للأمم المتحدة، يجتمع مع ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، في جنيف. 27 يونيو 1988. صور الأمم المتحدة.

ماذا تعني صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة؟

قرار اعتبار فلسطين دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، لا يمس الحقوق والامتيازات المكتسبة، ودور منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، كممثل للشعب الفلسطيني، وفقا لأحكام القانون الدولي.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلقي كلمة في الأمم المتحدة

والقرار يعيد التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، مع تأكيد الجمعية الأممية على المساهمة في تحقيق تسوية سلمية في الشرق الأوسط  تنهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وتحقق رؤية الدولتين: فلسطين المستقلة ذات السيادة والديمقراطية والمتصلة والقابلة للحياة، جنبا إلى جنب في سلام وأمن، مع إسرائيل على أساس حدود ما قبل عام 1967. 

مندوب فلسطين في الأمم المتحدة رياض منصور

اسم فلسطين ووضعها

بموجب الفقرة الثانية من القرار 67/19، تدرج فلسطين في المنشور المتعلق بـ"البعثات الدائمة لدى الأمم المتحدة"، (الكتاب الأزرق)، لتكون ضمن الفئة الثانية باعتبارها "دولة غير عضو تلقت دعوة دائمة للمشاركة بصفة مراقب"، مع الاحتفاظ ببعثة مراقبة دائمة في مقر الأمم المتحدة.

في 12 ديسمبر 2012، أبلغت فلسطين الأمين العام للأمم المتحدة بضرورة استخدام تسمية "دولة فلسطين" في جميع الوثائق وفي لوحة اسمها في جميع اجتماعات الأمم المتحدة، وأن، محمود عباس، هو رئيس دولة فلسطين.

بموجب ذلك، تستمر دولة فلسطين في التمتع بحق المشاركة في دورات وأعمال الجمعية العامة والمؤتمرات الدولية التي تعقد تحت رعاية الجمعية أو غيرها من هيئات الأمم المتحدة، وكذلك في مؤتمرات الأمم المتحدة.

احتفالات في رام الله بحصول فلسطين على صفة مراقب في الأمم المتحدة

لكن دولة فلسطين لا تتمتع بحق التصويت، بما في ذلك الانتخابات، كما لا يجوز لدولة فلسطين أن تتقدم بترشحها لأي انتخاب أو تعيين، أو تقديم أسماء المرشحين لأي انتخاب أو تعيين، باستثناء واحد.

وعدم الحق في التصويت، لا يمنع فلسطين من إدراج بنود في جدول الأعمال المؤقت لمجلس الأمن والجمعية العامة، وفق الفقرة 2 من المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة.

موقف إسرائيل

بعد تمرير القرار الخاص بوضعية فلسطين في الأمم المتحدة، أكد الممثل الدائم لإسرائيل على موقف إسرائيل الذي يرى أن قرار الجمعية العامة 67/19، لا يمكن أن يكون بمثابة مرجعية مقبولة لمفاوضات السلام في المستقبل.

وقال إن القرار لا يشكل اعترافا بالدولة الفلسطينية، واعترض على أي محاولة لتغيير وضع الفلسطينيين، خارج الإطار التفاوضي المتفق عليه. وفي الاجتماعات نفسها، رددت الولايات المتحدة الأميركية وكندا هذه المواقف.

من يعترف أو لا يعترف بفلسطين؟

كل الدول العربية تعترف بفلسطين دولة، إلى جانب دول أخرى مثل السويد والصين وروسيا وإيران تركيا وبولندا وأوكرانيا، من ضمن الدول الـ 138 التي اعترفت رسميا وفي أوقات مختلفة بفلسطين دولة.

لكن، هناك 55 دولة لا تعترف بفلسطين دولة، أبرزها والولايات المتحدة وكندا، ودول الاتحاد الأوروبي، باستثناء السويد.

ومعظم الدول التي لا تعترف حاليا بدولة فلسطين، ترى أن الأراضي الفلسطينية مقسمة بين قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس والضفة الغربية التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية.

ولدى أغلب الدول الغربية مخاوف بشأن الاستقرار السياسي في المنطقة، وتتردد في الاعتراف بدولة فلسطينية قبل التوصل إلى حكومة فلسطينية موحدة وحل شامل للصراع وفق اتفاق مع الإسرائيليين على أساس حل الدولتين.

وبعض البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، ترى أن الاعتراف بدولة فلسطين قد يقوض مساعي التوصل إلى تسوية للصراع.

أصل القصة

وكانت فلسطين من بين الأراضي العثمانية السابقة، التي وضعتها عصبة الأمم تحت إدارة المملكة المتحدة في عام 1922، حيث خضعت للانتداب البريطاني، بالإضافة إلى "تقديم المساعدة والمشورة الإدارية".

وصدر "وعد بلفور" عام 1917، الذي أعرب فيه، وزير الخارجية البريطاني، أرثر جيمس بلفور، عن دعم حكومة بريطانيا "إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين".

خلال فترة الانتداب، من عام 1922 إلى عام 1947، حدثت هجرة يهودية واسعة النطاق، معظمها من أوروبا الشرقية، وتضخمت الأعداد في الثلاثينيات مع الاضطهاد النازي. 

أدت المطالبات العربية بالاستقلال ومقاومة الهجرة إلى ثورة عام 1936، فتصاعد العنف بين الجانبين. 

نظرت المملكة المتحدة في صيغ مختلفة لجلب الاستقلال إلى أرض مزقتها أعمال العنف. وفي عام 1947، حولت المملكة المتحدة مشكلة فلسطين إلى الأمم المتحدة.

تقسيم فلسطين

صوتت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية، في 29 نوفمبر 1947. 

تصاعدت الاشتباكات بين اليهود والعرب في فلسطين، بدءا بالكمين الذي نصبه العرب لحافلة تقل ركابا من اليهود من نتانيا إلى القدس في 30 نوفمبر.

ومن الأحداث الأكثر دموية، كان الهجوم على قرية دير ياسين العربية في 9 أبريل 1948. على الفور انتشرت أخبار المذبحة التي وقعت على يد عصابات الآرغون وشتيرن.

أثارت المذبحة الذعر والانتقام، وبعد أيام، هاجمت القوات العربية قافلة يهودية كانت متجهة إلى مستشفى هداسا، مما أسفر عن مقتل 78 شخصا.

وخلافا لمقترح الأمم المتحدة، وعشية انسحاب القوات البريطانية في 15 مايو 1948 أعلنت إحدى الدولتين المتصورتين استقلالها باسم إسرائيل.

فجر إعلان قيام إسرائيل غضبا في المنطقة، واندلعت حرب عام 1948 التي شنت فيها دول عربية هجوما على إسرائيل.

سيطرت إسرائيل على 77 في المئة من أراضي فلسطين الانتدابية، بما في ذلك الجزء الأكبر من القدس.

وفر أو طرد أكثر من نصف السكان العرب الفلسطينيين، فيما سيطرت الأردن على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ومصر على قطاع غزة.

اندلعت حرب الأيام الستة عام 1967، والتي احتلت فيها  إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، والقدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل فيما بعد. 

وأدت الحرب إلى نزوح ثان للفلسطينيين، يقدر بنحو نصف مليون غلى دول الجوار.

 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 242 سنة 1967، والذي شكل أساسا لمبادئ السلام العادل والدائم.

نص القرار على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في الصراع، والتوصل إلى تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، وإنهاء حالات الحرب.

بعد حرب أكتوبر عام 1973 بين مصر وإسرائيل، صدر قرار مجلس الأمن رقم 338، الذي دعا، من بين أمور أخرى، إلى إجراء مفاوضات سلام بين الأطراف المعنية.

حقوق الفلسطينيين

عام 1974، أكدت الجمعية العامة من جديد على حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة والعودة. 

وفي العام التالي، أنشأت الجمعية العامة اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، ومنحت منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب في الجمعية العامة وفي مؤتمرات الأمم المتحدة.

حرب لبنان

وفي يونيو 1982، غزت إسرائيل لبنان بنية معلنة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. وبموجب اتفاق، انسحبت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى تونس التي وافقت على استقبال قادة الحركة. 

وعلى الرغم من ضمانات السلامة للاجئين الفلسطينيين الذين تركوا وراءهم، وقعت مذبحة واسعة النطاق في مخيمي صبرا وشاتيلا.

في سبتمبر 1983، اعتمد المؤتمر الدولي المعني بقضية فلسطين (ICQP) ضرورة معارضة الاستيطان الإسرائيلي والإجراءات الإسرائيلية لتغيير وضع القدس، وحق جميع دول المنطقة في الوجود ضمن إطار آمن ودولي.

في عام 1987، بدأت انتفاضة شعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة (الانتفاضة).

وأسفر قمع القوات الإسرائيلية عن وقوع إصابات جماعية وخسائر فادحة في الأرواح بين السكان المدنيين الفلسطينيين. وفي عام 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر قيام دولة فلسطين.

وعقب هذه الخطوة، اعترفت بعض الدول العربية، ودول أخرى أبرزها الصين بفلسطين دولة مستقلة.

السلام

عقد مؤتمر للسلام في مدريد عام 1991 بهدف تحقيق تسوية سلمية من خلال المفاوضات المباشرة على مسارين: بين إسرائيل والدول العربية، وبين إسرائيل والفلسطينيين، على أساس قراري مجلس الأمن 242 (1967) و338 (1973).

وكان من المقرر أن تركز مفاوضات المسار المتعدد الأطراف على القضايا الشاملة للمنطقة مثل البيئة، والحد من الأسلحة، واللاجئين، والمياه، والاقتصاد. 

وتوجت سلسلة من المفاوضات اللاحقة بالاعتراف المتبادل بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة الشعب الفلسطيني، والتوقيع في عام 1993 على إعلان المبادئ "أوسلو" بشأن ترتيبات الحكم الذاتي المؤقت.

بموجب اتفاق أوسلو انسحبت إسرائيل جزئيا من مناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتسلمت إدارتها السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات الذي عاد إلى الأراضي الفلسطينية.

أرجأ إعلان المبادئ لعام 1993 بعض قضايا "الحل النهائي" إلى مفاوضات الوضع الدائم اللاحقة، والتي عقدت في عام 2000 في كامب ديفيد، وفي عام 2001 في طابا، ولكن لم تثمر عن أي نتائج.

تسارع الأحداث

أججت زيارة، أرييل شارون، زعيم حزب الليكود المعارض، حينها، إلى المسجد الأقصى الوضع، وتفجرت انتفاضة عارمة. فاجتاحت إسرائيل مدن الضفة، وبنت الجدال العازل الذي أكدت محكمة العدل الدولية على عدم شرعيته.

عام 2002، أكد مجلس الأمن رؤية الدولتين، إسرائيل وفلسطين. وفي عام 2002، تبنت جامعة الدول العربية مبادرة السلام العربية. 

عام 2003، أصدرت اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة) خريطة طريق لحل الدولتين. 

عام 2005، سحبت إسرائيل مستوطنيها وقواتها من غزة مع الاحتفاظ بالسيطرة على حدودها وشاطئها البحري ومجالها الجوي. 

فازت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، وشكلت حكومة لم تحظ بقبول دولي. وربطت اللجنة الرباعية المساعدة المقدمة إلى السلطة الفلسطينية بالتزامها بنبذ العنف، والاعتراف بإسرائيل، وقبول الاتفاقيات السابقة. وبعد سيطرة حماس المسلحة على غزة في عام 2007، فرضت إسرائيل حصارا على القطاع.

أدى تصاعد إطلاق الصواريخ والغارات الجوية في أواخر عام 2008 إلى حرب برية إسرائيلية في قطاع غزة. 

بناء مؤسسات الدولة

قدمت السلطة الفلسطينية عام 2009 برنامجا لبناء مؤسسات الدولة، والذي حظي بدعم دولي واسع النطاق، وحينها كان رئيس الحكومة، سلام فياض، صاحب الخبرة الاقتصادية في مؤسسات دولية أبرزها البنك الدولي.

انهارت جولة جديدة من المفاوضات في عام 2010 بعد انتهاء الوقف الاختياري لبناء المستوطنات الإسرائيلية.

الانضمام للأمم المتحدة بصفة دولة

وفي عام 2011، قدم الرئيس محمود عباس طلب فلسطين للانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة بصفة دولة. 

عقدت محادثات إسرائيلية فلسطينية استكشافية في أوائل عام 2012 في عمان. وفي نوفمبر، انتهت دورة أخرى من العنف بين إسرائيل وغزة بوقف إطلاق النار بوساطة مصرية.

في 29 نوفمبر 2012، مُنحت فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة. وأعلنت الجمعية العامة عام 2014 سنة دولية للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

وقعت جولة أخرى من القتال بين إسرائيل وغزة في يوليو وأغسطس عام 2014.

في عام 2017، أعلنت الإدارة الأميركية، في عهد، دونالد ترامب،  اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبعد ذلك تم نقل سفارات الولايات المتحدة وبعض السفارات الأخرى إلى القدس.

عام 2020، توسطت الولايات المتحدة في اتفاقيات لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب ("اتفاقيات إبراهيم").

عام 2022، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية إصدار رأي استشاري بشأن شرعية الاحتلال الإسرائيلي الذي طال أمده والذي بدأ عام 1967، وتداعياته على الدول الأعضاء.

شهد عام 2023 جولة أخرى من القتال بين إسرائيل وحماس، في 15 مايو 2023، وبناء على طلب من الجمعية العامة، أحيت الأمم المتحدة الذكرى الـ 75 للنكبة للمرة الأولى.

في السابع من أكتوبر 2023، شنت حماس هجوما على إسرائيل قتل فيه 1200 شخص غالبيتهم مدنيون، وردت إسرائيل بحرب تخللها قصف عشوائي عنيف قتل أكثر من 11 ألفا غالبيتهم من المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء. ودمرت الغارات البنى التحتية وأحياء كاملة في مدن القطاع.

أثارت الحرب الإسرائيلية على غزة موجة غضب عارمة، فخرجت تظاهرات عارمة في مختلف أنحاء العالم تطالب بوقف قتل المدنيين.

 كما طالبت الأمم المتحدة وحكومات دول إسرائيل بوقف فوري لإطلاق النار، وضرورة إدخال المساعدات للفلسطينيين في غزة. كما دعوا إلى عودة جديدة للجهود الدبلوماسية من أجل الوصول إلى اتفاق يمكن الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

قتل أكثر من 50 ألف شخص في غزة في الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس في أكتوبر
قتل أكثر من 50 ألف شخص في غزة في الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس في أكتوبر (Reuters)

أظهرت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاج مئات الفلسطينيين في شمال قطاع غزة للمطالبة بإنهاء الحرب مرددين هتافات "حماس بره بره" في إظهار نادر للمعارضة ضد الحركة المسلحة.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأظهر أحد المقاطع المتداولة على موقع إكس محتجين يرددون "بره بره بره، حماس تطلع بره". وبدا أن المقطع التُقط في منطقة بيت لاهيا بغزة أمس الثلاثاء. وظهر في المنشور أشخاص يسيرون في شارع بين مبان مدمرة من جراء الحرب.

وقال أحد الشهود لرويترز، طالبا عدم ذكر اسمه خوفا من التعرض لأذى "كانت مسيرة عفوية ضد الحرب لأن الناس تعبوا وليس لديهم مكان يذهبون إليه".

وأضاف "ردد كثيرون، ولكن ليس الكل، بل كثيرون، هتافات ضد حماس، وقالوا بره يا حماس. الناس منهكون، ولا ينبغي أن يلومهم أحد".

وبدأ تداول المنشورات على نطاق واسع في وقت متأخر من أمس الثلاثاء. واستطاعت رويترز التأكد من موقع الفيديو من خلال المباني وأعمدة الكهرباء وتخطيط الطرق الذي يتطابق مع صور الأقمار الصناعية للمنطقة. إلا أن رويترز لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تاريخ التقاط الفيديو. 

وتظهر العديد من مقاطع الفيديو والصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجات في المنطقة أمس الثلاثاء.

وفي منشورات أخرى، كُتب على لافتات رفعها المحتجون "أوقفوا الحرب" و"يكفي نزوح".

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا مصورا قالوا إنه لاحتجاج نظمه مئات الأشخاص في حي الشجاعية، إحدى ضواحي مدينة غزة، اليوم الأربعاء مطالبين بإبعاد حماس عن المشهد، مما يشير إلى احتمال انتشار الاحتجاجات المناهضة للحركة. ولم تتمكن رويترز من التحقق من صحة المقطع.

وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

ومضى يقول "نقول لأصحاب الأجندات المشبوهة أين هم مما يحدث في الضفة الغربية من قتل وتهجير وتدمير وضم للأراضي على مدار الساعة؟ فلماذا لا يخرجوا هناك ضد العدوان أو يسمحوا للناس أن تخرج إلى الشارع للتنديد بهذا العدوان".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة". وتقود فتح السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

توتر سياسي

أودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وقال الشاهد "غزة كلها حطام والاحتلال أصدر أوامر لنا بالنزوح من الشمال، وين نروح؟".

وذكر نتانياهو في تعليقاته أن الاحتجاجات تُظهر نجاح سياسات إسرائيل.

وقال خلال كلمة بالبرلمان "في الأيام القليلة الماضية شهدنا واقعة غير مسبوقة، احتجاجات علنية في غزة ضد حكم حماس. ويُظهر ذلك أن سياساتنا ناجحة. نحن عازمون على تحقيق جميع أهداف حربنا".

وقال مسؤولو الصحة الفلسطينيون إن ما يقرب من 700 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، قُتلوا منذ أن استأنفت إسرائيل غاراتها على غزة بهدف تفكيك حماس نهائيا كما تقول.

ونشرت حماس الآلاف من أفراد الشرطة وقوات الأمن في شتى أنحاء غزة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير، لكن وجود عناصرها المسلحة تراجع بحدة منذ 18 مارس بعد استئناف الهجمات الإسرائيلية. وكان أفراد الشرطة أقل في بعض المناطق بينما اختفى أعضاء وقيادات الجناح المسلح للحركة عن الأنظار لتجنب الغارات الجوية الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وقال المحلل الفلسطيني أكرم عطا الله إن حماس، التي كبحت المعارضة الشعبية قبل الحرب، لن يكون أمامها خيارات كثيرة لقمع المظاهرات إذا اكتسبت قوة دافعة.

وأضاف "الشعب منهك ويدفع ثمن ذلك أرواحه وممتلكاته، والحركة تواجه هجوما عسكريا إسرائيليا مدمرا يضعف قدرتها على قمع المتظاهرين حتى لو أرادت ذلك".

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.