دبابة إسرائيلية على الحدود الشمالية لقطاع غزة في 7 فبراير 2024
دبابة إسرائيلية على الحدود الشمالية لقطاع غزة في 7 فبراير 2024

وجد عدد من الأوكرانيين الهاربين من الحرب في بلادهم أنفسهم في قلب المعارك بقطاع غزة، ويواجهون حاليا ظروفا قاسية للغاية، ويناشدون العودة إلى بلدهم أوكرانيا رغم تعرضه للغزو الروسي، لأنه "الخيار الأكثر أمانا" في الوقت الحالي، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

لا يوجد مخرج

وقبل عامين، ومع قصف روسيا لأوكرانيا وعدم وجود مكان آخر للفرار إليه، رأت يوليا البالغة من العمر 24 عاما أن مسقط رأس زوجها، مدينة غزة، ملاذ لها.

وانتقل الزوجان إلى قطاع غزة مع ابنهما الصغير وبنيا حياة مريحة على الرغم من مصاعب الحصار الإسرائيلي طويل الأمد. 

وفي غزة، أصبحت يوليا أخصائية تجميل أظافر وارتبطت بنساء أوكرانيات أخريات متزوجات من فلسطينيين، بينما وجد زوجها عملا هندسيا، واستقبل الزوجان طفلا ثانيا.

واليوم، أصبح هؤلاء الصبية، الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و1 سنة، نازحين، جائعين ومذعورين، وتتألم أحشاؤهم من المياه الملوثة، وتمتلئ وجوههم بجروح الشظايا. 

وقالت يوليا، لـ"واشنطن بوست"، إن الفرق الرئيسي بين الحربين، هو إنه " على عكس أوكرانيا، في غزة لا يوجد مخرج".

وتقول الحكومة الأوكرانية إن حوالي 300 مواطن غادروا غزة في عمليات إجلاء متقطعة منذ اندلاع الحرب في غزة في 7 أكتوبر بعد هجوم حركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى على إسرائيل.

ووفر آخرون بوسائل خاصة أو من خلال جماعات الإغاثة، لكن لا يزال العشرات من الأوكرانيين محاصرين تحت القصف الإسرائيلي، إلى جانب أزواجهم وأطفالهم، مع تضاؤل عمليات الإجلاء وارتفاع عدد القتلى في القطاع.

وقالت يوليا: "أسمع انفجارات، والجدران تهتز، أفهم أنه في هذه اللحظة يموت شخص ما، وأنا أنتظر دوري".

ويقدر عدد السكان الأوكرانيين في غزة، بنحو 1500 نسمة، كنتيجة لبرنامج يعود إلى الحقبة السوفيتية، ويتعلق بدراسة الفلسطينيين الطب في الجامعات الأوكرانية. 

وغالبا ما يعود الخريجون أزواج أوكرانيين، وبعض أطفالهم يحملون الجنسية الأوكرانية، لكن الكثيرين غيرهم لم يحصلوا على اعتراف رسمي من كييف لأنه، حتى قبل الحرب، كان من الصعب على العائلات السفر إلى المكتب القنصلي الأوكراني في مدينة رام الله بالضفة الغربية.

ويعد الافتقار إلى الوثائق إحدى العقبات العديدة التي تواجهها الأسر الأوكرانية الفلسطينية التي تنتظر بشدة الموافقة على العبور إلى مصر المجاورة. 

وقال سفير أوكرانيا لدى إسرائيل، يفجين كورنيتشوك، لـ"واشنطن بوست"، إن موظفي السفارة يديرون جهود الإخلاء بينما لا يزال الجيش الإسرائيلي يقوم بعمليات عسكرية. 

وأضاف أن أربعة أوكرانيين على الأقل قتلوا في غزة وأصيب ستة آخرون، مؤكدا أنه من الصعب الحصول على أرقام مؤكدة للضحايا. 

وقال إن أوكرانيا تعمل بشكل وثيق مع المسؤولين الإسرائيليين والمصريين لإخراج المواطنين، ولكن لا يوجد حل كبير إذا تم رفض الأسماء المقدمة لـ"أسباب أمنية".

وأشار كورنيتشوك إلى أن 29 مواطنا أوكرانيا أرادوا المغادرة، لكن لم يحصلوا على موافقة مسؤولي الأمن الإسرائيليين والمصريين. 

وأضاف أنه تم رفض عدد قليل من المواطنين الآخرين مرتين، ولكن في المحاولة الثالثة تمت الموافقة على العبور، مع مراعاة المزيد من الاستجواب داخل مصر.

وطلبت "واشنطن بوست" تعليق من متحدث عسكري إسرائيلي، والذي طلب الرجوع إلى منسق أعمال الحكومة في المناطق، جناح وزارة الدفاع الإسرائيلية الذي يشرف على الشؤون المدنية الفلسطينية. 

وطلبت الصحيفة تعليق المتحدث باسم مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، لكنها لم تتمكن من ذلك.

ولم يتمكن موقع "الحرة" من الحصول على تأكيدات حول ذلك من مصادر مستقلة.

وكشف كورنيتشوك أن حوالي 50 أوكرانيا تمت الموافقة على انضمامهم إلى عمليات الإجلاء، لكنهم لم يذهبوا، والسبب في ذلك بمعظمهم الحالات كون "المغادرة تفكك الأسرة".

وقال إنه يتفهم محنتهم لكنه ينصح أولئك الذين تمت الموافقة عليهم بمحاولة عبور الحدود والقلق فيما بعد بشأن لم الشمل.

بين حربين

قال الكاتب والناشط الأوكراني، أنطون نومليوك: "أستطيع أن أتخيل مدى صعوبة الأمر بالنسبة للحكومة الأوكرانية، فهناك حرب في الداخل، ومن ثم يتعين عليك أيضا إنقاذ الناس من حرب خارجية في غزة".

لكن كورنيتشوك رفض فكرة أن أوكرانيا كانت عاجزة بسبب الحرب في روسيا.

وقال السفير إنه في وقت مبكر من الحرب، أرسل مذكرة احتجاج إلى الحكومة الإسرائيلية بعد إلغاء جهود الإخلاء المنسقة بعناية قبل ساعتين من الموعد المقرر لها.

وأشار كورنيتشوك إلى أن الصعوبات الرئيسية تأتي من إحجام بعض العائلات عن المغادرة، والأحكام الأمنية الإسرائيلية، وتعقيدات محاولة نقل عدد كبير من الأشخاص الذين لديهم وثائق سفر مفقودة أو منتهية الصلاحية من منطقة الحرب.

وكشف أن أوكرانيا لا تزال تضغط من أجل الموافقة على 90 اسمًا في القائمة الأخيرة – حوالي 50 مواطنا، بالإضافة إلى أفراد الأسرة. 

وتستمر الطلبات الجديدة في الوصول، مثل طلب امرأة في خاركيف تدعي أن زوجها الفلسطيني "اختطف" أطفالها قبل عقد من الزمن وأخذهم إلى غزة، حيث تقطعت بهم السبل الآن.

وقال كورنيتشوك: "لقد تلقينا هذا الطلب الأسبوع الماضي فقط، ونحن نعمل عليه".

ومن جانبه قال أميد خان، وهو رجل أعمال تساعد شبكة مساعداته حوالي اثنتي عشرة عائلة أوكرانية تطلب الإخلاء، إن "عملية إجلاء الأوكرانيين مشلولة".

وأضاف: "تمر أسابيع دون تحرك بشأن عمليات الإجلاء الأوكرانية".

معركة من أجل البقاء

ووثق الصحافي الناشط نومليوك قصة ليلى، خبيرة التجميل البالغة من العمر 24 عاما، والتي ولدت في خاركيف لأم أوكرانية وأب فلسطيني.

وبعد تخرج والدها من كلية الطب، انتقلت العائلة إلى غزة، حيث نشأت ليلى وتزوجت في النهاية من فلسطيني. 

وكان زوجها في مصر عندما اندلعت الحرب، بينما كانت هي وابنتهما الرضيعة عالقين في غزة،

حاولت ليلى الحصول على جواز سفر أوكراني على أمل أن يساعد ذلك على إعادة توطين الأسرة معًا، لكن العملية تأخرت، وفقًا لتقرير نومليوك.

وفي 17 أكتوبر، قُتلت ليلى في غارة جوية حيث كانت هي وابنتها تحتميان مع أهل زوجها. 

نجت الطفلة، مما أثار تدافعاً بين الأقارب والعاملين في المجال الإنساني لنقلها عبر الحدود للم شملها مع والدها.

وقال نومليوك: "الفتاة وحيدة، وعائلتها ماتت، ولم يكن من الواضح كيفية إخراجها".

وساعدت شبكة خان الأسرة في الحصول على شهادة ميلاد أوكرانية، كما وجدت مرافقا موثوقا به وافق على مرافقة الطفل إذا تمت الموافقة على العبور إلى مصر.

وقبل أن تتحقق هذه الخطط، قُتلت الفتاة في غارة إسرائيلية، بعد أيام من مقتل والدتها، وقال خان إنها ماتت في الحضانة.

ورفض أقارب ليلى الأوكرانيون والفلسطينيون التعليق، لـ"واشنطن بوست"، قائلين عبر وسطاء إنهم "مدمرون للغاية بحيث لا يمكن إجراء مقابلات معهم".

وقالت يوليا، الأوكرانية الوحيدة التي تم التواصل معها في غزة إن عائلتها "انتظرت كثيرا"، حيث قام زوجها برحلات محفوفة بالمخاطر إلى أحياء أخرى للوصول إلى الإنترنت للتحقق من تحديث أوامر الإخلاء.

وفي طلباتهم العديدة للمغادرة، لم تظهر أسماؤهم معا في قائمة الموافقة، وترفض الأسرة الانفصال. 

وأسفرت إحدى المحاولات عن موافقة الأطفال على العبور، لكن من دون يوليا وزوجها.

وقالت:" هل يمكنك أن تتخيل؟ كيف من المفترض أن يغادر الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 1 و 5 سنوات بشكل منفصل، دون الأم والأب؟".

وأشارت يوليا إلى أن الانفجارات والخوف المستمر أثرت على كلام ابنها الأكبر ونومه.

وأوضحت أنها "لا تستطيع العثور على حفاضات لصغيرها".

والصبيان مريضان بسبب نقص المياه النظيفة والطعام المغذي، وأصيب أحدهما بـ"مرض خطير بعد شرب مياه ملوثة"، حسبما أكدت لـ"واشنطن بوست".

وقالت:" لقد كان فاقدا للوعي لمدة أربعة أيام، ولم نتمكن من فعل أي شيء، لأنه لا توجد مستشفيات ولا سيارات ولا وقود، لا يوجد شيء".

وأضاف:" أين يمكن أن نذهب؟، لقد انتهى بنا الأمر هنا فقط بسبب الحرب في أوكرانيا".

واندلعت الحرب في قطاع غزة إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق في إسرائيل في السابع من أكتوبر الذي أسفر عن مقتل 1200 شخصا، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، ما أسفر عن مقتل 27708 أشخاص غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب أحدث حصيلة لوزارة الصحة التابعة لحماس.

إسرائيل احتلت الضفة الغربية خلال حرب 1967، وهي من بين الأراضي التي يأمل الفلسطينيون في إقامة دولة لهم عليها
إسرائيل احتلت الضفة الغربية خلال حرب 1967، وهي من بين الأراضي التي يأمل الفلسطينيون في إقامة دولة لهم عليها

صادرت إسرائيل، الخميس، عدة قطع من الأراضي بالقرب من مستوطنة يهودية كبيرة في الضفة الغربية المحتلة، لكن مصدرا مطلعا على القرار قال لرويترز إنه لا توجد خطة للبناء هناك حاليا.

وجاء في إعلان صادر عن الإدارة المدنية، وهي جزء من وزارة الدفاع الإسرائيلية، أن مساحة الأراضي تبلغ 652 فدانا.

وقال المصدر الإسرائيلي إن هذه المناطق سيتم تصنيفها الآن كجزء من مستوطنة معاليه أدوميم الواقعة شرقي القدس.

وقال المتحدث باسم السلطة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن "إعلان الحكومة الإسرائيلية الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية شرق القدس هو استمرار لمخططها في عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، واستكمال للحرب الشاملة التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية".

وذكر أبو ردينة أن "سلطات الاحتلال الإسرائيلي تمعن في تحدي الشرعية الدولية وقراراتها التي أكدت عدم شرعية الاستيطان في جميع الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية".

واحتلت إسرائيل الضفة الغربية خلال حرب 1967، وهي من بين الأراضي التي يأمل الفلسطينيون في إقامة دولة لهم عليها. وتعتبر معظم القوى العالمية المستوطنات غير قانونية، وهو ما ترفضه إسرائيل.

وتتبنى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القومية الدينية نهجا داعما للمستوطنات، مما يثير خلافا مع الولايات المتحدة رغم تقارب الحليفتين بشأن الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة.

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في 24 فبراير إن واشنطن تعتبر أن مستوطنات الضفة الغربية تتعارض مع القانون الدولي، مما يعكس العودة للموقف الأميركي الذي سبق أن ألغته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب.