تقارير عن العثور على "مقابر جماعية" في باحة مجمع ناصر ومستشفى الشفاء بخان يونس
تقارير عن العثور على "مقابر جماعية" في باحة مجمع ناصر ومستشفى الشفاء بخان يونس

بين الاتهام الفلسطيني والنفي الإسرائيلي، أثارت قضية العثور على "مقابر جماعية"، في إحدى باحات مجمع "ناصر الطبي" بمدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة، عدة تساؤلات حول منظور القانون الدولي لذلك الأمر، وما هي العقوبات المتوقعة في حال ثبوت ضلوع أحد طرفي الحرب في ارتكاب "الجريمة المدعاة".

تقارير عن "مقابر جماعية"

والثلاثاء، أعلن الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة إخراج طواقمه نحو 340 جثة، يقول إن أصحابها قتلوا ودفنوا على يد القوات الإسرائيلية في مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس بجنوب قطاع غزة، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منه.

وقالت رافينا شامداساني، المتحدثة باسم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الثلاثاء، إنه "شعر بالذعر" من تدمير مستشفيي ناصر والشفاء في قطاع غزة والتقارير عن وجود مقابر جماعية هناك بها مئات الجثث.

وشهد محيط مجمع ناصر منتصف فبراير قتالا عنيفا وحاصرته الدبابات الإسرائيلية في 26 مارس. 

كما وردت أنباء عن العثور على جثث في مستشفى الشفاء بعد عملية للقوات الخاصة الإسرائيلية، وفق وكالة "رويترز".

بين الاتهام والنفي

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يتهم المحلل السياسي الفلسطيني، محمد أبو مهادي، "الجيش الإسرائيلي" بارتكاب "جريمة إبادة جماعية جديدة ضد المدنيين العزل.

ويقول أبو مهادي إن "الجيش الإسرائيلي لا يهاجم فقط حماس لكنه يستهدف إبادة 2.5 مليون فلسطيني في قطاع غزة، حيث يقوم بتدمير المستشفيات والمدارس ويقتل الطواقم الطبية والصحفيين".

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني أن "المقابر الجماعية" التي تم اكتشفاها هي "غيض من فيض" لما تعرض له السكان المدنيين الأبرياء العزل، متوقعا "اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية لاحقا".

"ولم تسلم أي جهة من الجرائم الإسرائيلية، بدليل استهدافهم موظفي الوكالات الدولية والجهات الإغاثية، والطواقم الطبية، والصحفيين، وجميع هؤلاء ليسوا عناصر بحماس"، وفق أبو مهادي.

لكن على جانب آخر، تعيد نائبة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الضابطة إيلا واوية، التأكيد على نفى الاتهامات الفلسطينية بدفن مئات الجثث في إحدى باحات المجمع الطبي.

والنفي جاء بعد صدور نتائج تحقيقات لفحص الموضوع، وقدر الإمكان نحاول "حماية المدنيين" خلال الحرب في غزة، والفلسطينيين بأنفسهم قبل دخولنا المجمع كانوا "يدفنون جثث بدون هوية"، حسبما تقول لموقع "الحرة".

بسؤالها عن الطرف المتورط بـ"دفن مئات جثث"، رفضت واوية التعليق والتعقيب، لكنها تقول" واضح جدا من الفيديوهات المنتشرة بمواقع التواصل الاجتماعي من قام بعمل المقابر".

ولطالما اتهم الجيش الإسرائيلي حركة حماس باستخدام المرافق الطبية في قطاع غزة كمراكز قيادة، وأيضا لاحتجاز الرهائن الذين تم خطفهم خلال هجوم السابع من أكتوبر، بينما تنفي الحركة هذه المزاعم.

ما هي "المقابر الجماعية"؟

يهدف القانون الدولي الإنساني، في المقام الأول إلى "حماية المدنيين الأبرياء العزل غير المشتركين بشكل مباشر في العدائيات العسكرية"، وفق خبير القانون الدولي وضابط الاتصال السابق لحلف "الناتو" في البلقان، أيمن سلامة.

والأصل هو "الدفن الفردي لقتلى العدائيات العسكرية والنزاعات المسلحة"، ويحظر القانون الدولي بشكل عام "المقابر الجماعية"، ويلزم أطرف النزاع بـ"تكريم وتشريف وتوقير "جثث القتلى ولا يجوز "تدنيسها أو إتلافها أو تشويهها أو تقطيعها أو حرقها بأي شكل من الأشكال"، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويشدد سلامة على أن القانون الدولي يحظر "إتلاف الجثث ويلزم أطرف النزاع بالحفاظ عليها بوصفها (أدلة كشف حقائق حول كيفية مقتل هؤلاء)".

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يوضح المختص بالقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أن "المقابر الجماعية" هي مواقع تم دفن الضحايا فيها بشكل جماعي بعد وقوع حدث مأساوي مثل الحروب أو الإبادة الجماعية.

وينص القانون الدولي الإنساني على "حماية حقوق الإنسان في حالات النزاع المسلح، بما في ذلك إجراءات دفن الضحايا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

كيف يتم إثبات وجود "مقابر جماعية"؟

لا يستطيع أي من كان أن يجزم بحقيقة ما حدث وبالتالي فالأمم المتحدة والعديد من المقررين السامين لحقوق الإنسان "طلبوا بتحقيق مستقل محايد" تجريه هيئة أو لجنة مستقلة محايدة لـ"كشف الحقائق"، وفق سلامة.

ومن جانبه، يوضح الكيلاني إمكانية إثبات وجود "المقابر الجماعية" من خلال التحقيقات الميدانية التي يقوم بها فريق من الخبراء والمحققين بالتحقيق الميداني لجمع الأدلة وتحديد مواقع المقابر الجماعية.

ويمكن كذلك استخدام الصور الجوية والتقنيات الحديثة مثل الاستشعار عن بعد وتقنيات الرادار لرصد المواقع التي قد تحتوي عليها، وفق المختص بالقانون الجنائي الدولي.

ويشير إلى إمكانية "الاعتماد على شهادات الشهود الذين شهدوا عمليات الدفن أو الأحداث التي أدت إلى وجود المقابر الجماعية".

ويمكن أن توفر التحاليل العلمية مثل تحليل الحمض النووي (DNA) والفحوصات الطبية دلائل على وجود المقابر الجماعية، وتحديد هوية الضحايا، وفق الكيلاني.

ويؤكد المختص بالقانون الجنائي الدولي، أن "استخدام هذه الطرق وغيرها، يمكن توثيق وإثبات وجود المقابر الجماعية وتحديد ما يمكن أن يكون موقعا لدفن الضحايا".

على من تقع المسؤولية؟

يوضح سلامة أن المسؤولية عن "تكريم وتوقير وعدم إتلاف وتشويه وتقطع الجثث أو حرقها تقع على (الأطراف المتحاربة سواء كانوا دول جيوش نظامية أو مليشيات وجماعات مسلحة)".

وإذا ثبت تورط إسرائيل تقع المسؤولية "المدنية التعويضية" على الحكومة الإسرائيلية سواء كانت ذلك يتعلق بـ"الأمر أو التحريض أو المساعدة أو تسهيل الانتهاكات"، والتي تشكل ما قد يرقي لـ"جريمة حرب"، وفق خبير القانون الدولي.

وهناك مسؤولية "جنائية فردية دولية" للأشخاص الإسرائيليين المسؤولين عن ارتكاب هذه "الجرائم المدعاة"، حسبما يوضح سلامة.

ويتحدث خبير القانون الدولي عن "مسؤولية قد تكون إيجابية" سواء أمر القائد العسكري أو السياسي أو "حرض على ارتكاب الجرائم" أو "لم يتدخل لمنع الجريمة" أو لم يقوم بتحويل المسؤولين عن تنفيذ ما حدث للقضاء العسكري والتحقيق معهم.

ومن جانبه يوضح الكيلاني أن عند تحديد المتورطين والمشتبه بارتكابهم "جرائم القتل والدفن الجماعي بالمقابر"، فإن العقوبات والجزاءات المتوقعة قد تشمل المحاكمة الجنائية.

 وقد يتم محاكمة المتورطين أمام المحاكم الوطنية أو الدولية لارتكابهم جرائم جماعية مثل الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية، وفق المختص بالقانون الجنائي الدولي.

واندلعت الحرب إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق على مناطق ومواقع محاذية لقطاع غزة في السابع من أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، ما أسفر عن مقتل 34262 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، وفق ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الأربعاء.

المقطع وثق ما حدث- رويترز
المقطع وثق ما حدث- رويترز

مقبرة جماعية في غزة تضم 15 مسعفا وعامل إغاثة، والروايات بشأن حقيقة ما حدث متضاربة.

الأمم المتحدة تشير إلى جريمة "مروعة" ارتكبها الجيش الإسرائيلي، والأخير يقول إن الهدف كان "إرهابيين" وليس عاملين في المجال الإنساني.

وقعت الأحدث في الثالث والعشرين من مارس حين قتل الأشخاص الـ15 في رفح بجنوب قطاع غزة الذي يشهد حربا منذ نحو 18 شهرا بين حركة حماس وإسرائيل،

والضحايا هم 8 مسعفين في الهلال الأحمر الفلسطيني، وستة عناصر في الدفاع المدني في غزة، وموظف في وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (أونروا).

وعثر في 30 مارس على جثثهم في حفرة في الرمال بجوار سيارات محطمة كانوا يستقلونها.

من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس الماضي، أنه فتح تحقيقا رسميا في الحادث.

وقال إن قواته أطلقت النار على "إرهابيين" ومركبات اعتبرها "مشبوهة" كانت تتحرك نحوه، من دون أن تخطر السلطات الاسرائيلية مسبقا، مشيرا إلى أن مصابيحها كانت مطفأة.

لكن مقطع فيديو نشره الهلال الأحمر الفلسطيني وصحيفة هآرتس الإسرائيلية يناقض هذه الرواية على ما يبدو.

والفيديو وفق هذه المصادر تم العثور عليه من هاتف محمول لأحد المسعفين الـ15 في المقبرة الجماعية.

ويُظهر الفيديو سيارات إسعاف تحمل شارات واضحة وقد أضاءت مصابيحها مع دوي إطلاق نار كثيف.

وتبدو في الفيديو، الذي صُوّر على ما يبدو من داخل مركبة خلال سيرها، شاحنة إطفاء حمراء وسيارات إسعاف تسير في الظلام.

ثم تظهر سيارة متوقفة خارج الطريق، ويشاهد رجلان يخرجان من سيارة إسعاف أخرى توقفت قربها، أحدهما يرتدي زيّ مسعف والآخر سترة إسعاف.

وسمع صوت يقول "يا ربّ أن يكونوا بخير"، ويقول آخر "يبدو أنه حادث".

وبعد لحظات، يسمع إطلاق نار كثيف وتصبح الشاشة سوداء.

وفي الفيديو، ينطق المسعف الذي صور الفيديو بالشهادة بصوت مرتجف ويقول "سامحونا يا شباب. يا أمي سامحيني لأنني اخترت هذا الطريق، أن أساعد الناس".

وتوضح هآرتس أنه "تم الحصول على الفيديو من دبلوماسي كبير في الأمم المتحدة طلب عدم الكشف عن هويته، وتم التحقق من موقعه وتاريخه من قبل صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وذكرت "نيويورك تايمز" أن الصليب الأحمر قدم الفيديو إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الجمعة.

وأبلغ الصليب الأحمر الصحيفة أن المسعف الذي احتوى هاتفه على الفيديو قد أصيب برصاصة في رأسه.

وخلال مؤتمر صحفي في الأمم المتحدة في نيويورك، الجمعة، قال نائب رئيس الهلال الأحمر الفلسطيني، مروان الجيلاني، إن الفيديو صوّره رفعت رضوان، أحد المسعفين القتلى بواسطة هاتفه المحمول.

والسبت، قدم الجيش الإسرائيلي تفاصيل جديدة بشأن الواقعة.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي في وقت متأخر إن المحققين يفحصون التسجيل المصور، ومن المتوقع تقديم ما خلصوا إليه لقيادات الجيش الأحد، وفق رويترز.

وأضاف أن التقرير الأولي الوارد من الميدان لم يصف الأضواء، لكن المحققين يدرسون "معلومات عملياتية" ويحاولون فهم ما إذا كان ذلك ناتجا عن خطأ من الشخص الذي أعد التقرير الأولي.

وأردف "ما نفهمه حاليا هو أن الشخص الذي قدم التقرير الأولي مخطئ. ونحاول فهم السبب".

ووقالت وسائل إعلام إسرائيلية نقلا عن إفادات من الجيش إن القوات حددت أن ستة على الأقل من القتلى ينتمون لجماعات مسلحة.

 لكن المسؤول رفض تقديم أي أدلة أو تفاصيل على كيفية تحديد ذلك، قائلا إنه لا يرغب في نشر معلومات سرية.

وقال لصحفيين في إفادة في وقت متأخر من مساء أمس السبت "وفقا لمعلوماتنا كان هناك إرهابيون لكن هذا التحقيق لم ينته بعد".