الأمم المتحدة تتوقع انكماش الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 26.9 بالمئة (جانب من مدينة رام الله بالضفة)
الأمم المتحدة تتوقع انكماش الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 26.9 بالمئة (جانب من مدينة رام الله بالضفة)

حذر مسؤولون غربيون من "كارثة اقتصادية" قد تحدث في الضفة الغربية المحتلة، إذا لم تجدد إسرائيل الإعفاءات الممنوحة للبنوك الإسرائيلية بشأن التعاون مع نظيراتها الفلسطينية، وفقا لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.

ويسمح الإعفاء، المقرر أن ينتهي في الأول من يوليو المقبل، بالتعاون بين البنوك الإسرائيلية والبنوك في الضفة الغربية، لدفع مقابل الخدمات والرواتب المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، وتسهيل استيراد السلع الضرورية مثل الغذاء والماء والكهرباء.

ونقلت الصحيفة عن 3 مسؤولين غربيين قولهم: "دون الإعفاءات، ستتوقف البنوك الإسرائيلية عن التعامل مع المؤسسات المالية الفلسطينية، وسيتوقف الاقتصاد الفلسطيني فعليا بمرور الوقت".

وقال مسؤول أميركي للصحيفة: "النقطة التي نتباحث بشأنها.. هو أنه لا ينبغي تهديد حصول الناس على الغذاء والكهرباء والمياه في لحظة كهذه، خاصة في الضفة الغربية".

وأضاف أن عدم تجديد الإعفاءات "سيضر ليس فقط بالمصالح الفلسطينية، لكن أيضا بأمن واستقرار إسرائيل والمنطقة".

وذكر مسؤولان غربيان لـ"فاينانشال تايمز"، أن واشنطن تقود الجهود الرامية إلى تجديد الإعفاء، و"تحث الحلفاء على ممارسة الضغط على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو".

وأكد المسؤولون وفق الصحيفة، أنه من المتوقع مناقشة الأمر في اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع هذا الأسبوع، في إيطاليا.

بدورها، أعربت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، الخميس، عن قلقها من تهديد إسرائيل بقطع الصلات بين البنوك الفلسطينية وبنوك المراسلة الإسرائيلية، وهي خطوة قد تغلق شريانا حيويا يغذي الاقتصاد الفلسطيني.

وأضافت يلين في تصريحات معدة سلفا قبل اجتماع لوزراء مالية دول مجموعة السبع، ونقلتها وكالة رويترز، أن الولايات المتحدة وشركاءها "يحتاجون لبذل كل ما في وسعهم لزيادة المساعدة الإنسانية للفلسطينيين في غزة، ولاحتواء العنف في الضفة الغربية، وللسعي لاستقرار اقتصاد الضفة الغربية".

وشددت يلين على أنه "من المهم إبقاء العلاقات المصرفية بين إسرائيل والفلسطينيين مفتوحة، للسماح للاقتصادات المتعثرة في الضفة الغربية وغزة بالعمل والمساعدة في حفظ الأمن".

وعلى الرغم من أن اقتصاد السلطة الفلسطينية يتاجر مع اقتصادات أخرى بعملات متعددة، كما يستخدم الدينار الأردني على نطاق واسع في الضفة الغربية، فإنه يتعامل رسميا بالشيكل الإسرائيلي، ويجب على المؤسسات المالية الفلسطينية المرور عبر البنك المركزي الإسرائيلي والمصارف الإسرائيلية للوصول إليه، حسب الصحيفة.

وتمر ما يقرب من 8 مليارات دولار من التجارة بين إسرائيل والضفة الغربية عبر البنوك الإسرائيلية، وفقا لبيانات الحكومة الأميركية، حيث يشمل ذلك 2.3 مليار دولار من المدفوعات للغذاء، و540 مليون دولار للكهرباء، و145 مليون دولار لخدمات المياه والصرف الصحي.

شلل النشاط الاقتصادي

وحسب الصحيفة، فإنه من شأن إلغاء الإعفاء أن "يؤدي لإعاقة قدرة السلطة الفلسطينية على العمل، وشل النشاط الاقتصادي في الضفة الغربية المحتلة".

وقال المسؤولون إن انتهاء فترة الإعفاء "سيؤثر بشكل كبير على عمليات الاستيراد والتصدير، في حين من المحتمل أن يتم تجميد أموال الضرائب الفلسطينية".

ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين الغربيين، قوله: "سيؤدي ذلك إلى أزمة خطيرة من شأنها أن تؤدي إلى توقف النشاط الاقتصادي الفلسطيني في الضفة الغربية".

ويتوقع أن ينكمش الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 26.9 بالمئة بعد 7 أشهر من الحرب في قطاع غزة، وفق تقديرات لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي صدرت مطلع الشهر الجاري.

وخلص التقرير الذي صدر بالتعاون مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا"، إلى التقدير بأن يستمر معدل الفقر في الارتفاع إلى 58.4 بالمئة.

وقبل هجوم حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) على إسرائيل في السابع من أكتوبر، والحرب التي تلت ذلك في غزة، كان الإعفاء الخاص بالتعاون بين البنوك الإسرائيلية ونظيرتها في الضفة الغربية يتجدد سنويا.

ويعود هذا الترتيب إلى عام 2016، عندما بدأ مسؤولو وزارة الخزانة الأميركية في تقديم رسالة سنوية إلى إسرائيل تتضمن تأكيدات بأن البنوك الإسرائيلية لن يتم استهدافها بمزاعم تمويل الإرهاب، بسبب تعاملاتها مع الكيانات الفلسطينية.

وتصدر إسرائيل عادة الإعفاءات التي يتيحها وزير المالية لبنكين إسرائيليين، هما ديسكونت وهبوعليم، اللذين يحتفظان بعلاقات مع المؤسسات المالية الفلسطينية ويزودانها بإمكانية الوصول إلى النظام المصرفي.

لكن هذا العام، أصدر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، تمديدا لمدة 3 أشهر لإعفاء العام السابق، والذي كان من المقرر أن ينتهي في الأول من أبريل، وأشار إلى أنه قد لا يجددها.

ماذا تقول إسرائيل؟

ونقلت "فاينانشال تايمز" عن مسؤول إسرائيلي قوله، إن بلاده أصدرت تمديدا محدودا فقط للإعفاء، لأن "مراجعة النظام المصرفي الفلسطيني بشأن تمويل الإرهاب لم تكتمل، وأن السلطة الفلسطينية لم تصدر تقييما وطنيا للمخاطر المتعلقة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال، ولم تفعل ما يكفي لمواجهة ذلك، فضلا عن ضرورة تقليل استخدام النقد وتحسين تبادل المعلومات".

وتابع المسؤول: "للأسف، حتى يتم تنفيذ هذه الخطوات الأساسية، لا يمكن تحقيق إجراء فعال للتخفيف بشكل كبير من مخاطر تمويل الإرهاب وغسل الأموال في السلطة الفلسطينية"، مشيرا إلى أن إسرائيل "تشعر بقلق عميق" بشأن هذه المخاطر.

في المقابل، قال مسؤولون فلسطينيون للصحيفة، إن "عملية التدقيق جارية، لكنها لم تكتمل لأن فريقا دوليا كان من المقرر أن يزور الضفة الغربية، قام بتأجيل زيارته مرتين بسبب مخاوف أمنية".

وذكر أحد المسؤولين: "ليس لدينا ما نخفيه، وإن العمل على الدفع الإلكتروني قد بدأ، لكن محدودية الوصول إلى الإنترنت في الضفة الغربية وقطاع غزة جعلت عملية الرقمنة أكثر تعقيدا".

كما نقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله، إن البنوك الفلسطينية "لديها ضمانات بشأن عدم تدفق الأموال إلى الجماعات الإرهابية"، وأن عدم تجديد الإعفاء "سيدفع المزيد من النشاط الاقتصادي الفلسطيني إلى قنوات غير رسمية، مما يخلق المزيد من المخاطر".

واندلعت الحرب في قطاع غزة، إثر هجوم حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) غير المسبوق على إسرائيل في السابع من أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل بـ"القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أُتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل أكثر من 35 ألف فلسطيني، معظمهم نساء وأطفال، وفق ما أعلنته السلطات الصحية بالقطاع.

قتل أكثر من 50 ألف شخص في غزة في الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس في أكتوبر
قتل أكثر من 50 ألف شخص في غزة في الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس في أكتوبر (Reuters)

أظهرت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاج مئات الفلسطينيين في شمال قطاع غزة للمطالبة بإنهاء الحرب مرددين هتافات "حماس بره بره" في إظهار نادر للمعارضة ضد الحركة المسلحة.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأظهر أحد المقاطع المتداولة على موقع إكس محتجين يرددون "بره بره بره، حماس تطلع بره". وبدا أن المقطع التُقط في منطقة بيت لاهيا بغزة أمس الثلاثاء. وظهر في المنشور أشخاص يسيرون في شارع بين مبان مدمرة من جراء الحرب.

وقال أحد الشهود لرويترز، طالبا عدم ذكر اسمه خوفا من التعرض لأذى "كانت مسيرة عفوية ضد الحرب لأن الناس تعبوا وليس لديهم مكان يذهبون إليه".

وأضاف "ردد كثيرون، ولكن ليس الكل، بل كثيرون، هتافات ضد حماس، وقالوا بره يا حماس. الناس منهكون، ولا ينبغي أن يلومهم أحد".

وبدأ تداول المنشورات على نطاق واسع في وقت متأخر من أمس الثلاثاء. واستطاعت رويترز التأكد من موقع الفيديو من خلال المباني وأعمدة الكهرباء وتخطيط الطرق الذي يتطابق مع صور الأقمار الصناعية للمنطقة. إلا أن رويترز لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تاريخ التقاط الفيديو. 

وتظهر العديد من مقاطع الفيديو والصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجات في المنطقة أمس الثلاثاء.

وفي منشورات أخرى، كُتب على لافتات رفعها المحتجون "أوقفوا الحرب" و"يكفي نزوح".

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعا مصورا قالوا إنه لاحتجاج نظمه مئات الأشخاص في حي الشجاعية، إحدى ضواحي مدينة غزة، اليوم الأربعاء مطالبين بإبعاد حماس عن المشهد، مما يشير إلى احتمال انتشار الاحتجاجات المناهضة للحركة. ولم تتمكن رويترز من التحقق من صحة المقطع.

وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

ومضى يقول "نقول لأصحاب الأجندات المشبوهة أين هم مما يحدث في الضفة الغربية من قتل وتهجير وتدمير وضم للأراضي على مدار الساعة؟ فلماذا لا يخرجوا هناك ضد العدوان أو يسمحوا للناس أن تخرج إلى الشارع للتنديد بهذا العدوان".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة". وتقود فتح السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

توتر سياسي

أودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وقال الشاهد "غزة كلها حطام والاحتلال أصدر أوامر لنا بالنزوح من الشمال، وين نروح؟".

وذكر نتانياهو في تعليقاته أن الاحتجاجات تُظهر نجاح سياسات إسرائيل.

وقال خلال كلمة بالبرلمان "في الأيام القليلة الماضية شهدنا واقعة غير مسبوقة، احتجاجات علنية في غزة ضد حكم حماس. ويُظهر ذلك أن سياساتنا ناجحة. نحن عازمون على تحقيق جميع أهداف حربنا".

وقال مسؤولو الصحة الفلسطينيون إن ما يقرب من 700 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، قُتلوا منذ أن استأنفت إسرائيل غاراتها على غزة بهدف تفكيك حماس نهائيا كما تقول.

ونشرت حماس الآلاف من أفراد الشرطة وقوات الأمن في شتى أنحاء غزة بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير، لكن وجود عناصرها المسلحة تراجع بحدة منذ 18 مارس بعد استئناف الهجمات الإسرائيلية. وكان أفراد الشرطة أقل في بعض المناطق بينما اختفى أعضاء وقيادات الجناح المسلح للحركة عن الأنظار لتجنب الغارات الجوية الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وقال المحلل الفلسطيني أكرم عطا الله إن حماس، التي كبحت المعارضة الشعبية قبل الحرب، لن يكون أمامها خيارات كثيرة لقمع المظاهرات إذا اكتسبت قوة دافعة.

وأضاف "الشعب منهك ويدفع ثمن ذلك أرواحه وممتلكاته، والحركة تواجه هجوما عسكريا إسرائيليا مدمرا يضعف قدرتها على قمع المتظاهرين حتى لو أرادت ذلك".

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.