فلسطينيون يتجمعون لتلقي طعام أعدته جمعية خيرية، بشمال قطاع غزة بتاريخ 11 سبتمبر 2024
فلسطينيون يتجمعون لتلقي طعام أعدته جمعية خيرية، بشمال قطاع غزة بتاريخ 11 سبتمبر 2024

مع استمرار الحرب في قطاع غزة وتعثر المساعدات الدولية، سعت بعض الشركات الخاصة إلى سد احتياجات السكان وتزويدهم بالغذاء والسلع الأساسية، لتصبح مسؤولة عن توريد نسبة كبيرة من الحاجات الغذائية، متفوقة بذلك على وكالات الإغاثة الإنسانية التقليدية، وفق تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.

بيد أن ذلك التحول، أفسح المجال أمام "استغلال" المواطنين من خلال رفع الأسعار بشكل كبير، حسب "الصحيفة البريطانية".

ووفق بيانات الجيش الإسرائيلي، فقد ارتفعت حصة المساعدات القادمة من الجهات الخاصة من 5 بالمئة في أبريل، إلى حوالي 60 في المئة في أغسطس وسبتمبر المنصرمين.

 ومع ذلك، يعاني الفلسطينيون في قطاع غزة من ارتفاع جنوني في الأسعار، حيث يتعين على التجار دفع رسوم ضخمة في السوق السوداء للحصول على تصاريح استيراد صادرة عن إسرائيل، بالإضافة إلى تكاليف باهظة لتأمين الحماية المسلحة لقوافلهم. 

ووفقًا لعدد من العاملين في مجال الإغاثة والتجار في غزة، فإن هذه التكاليف "يتم تحميلها مباشرة على السكان المحليين"، الذين يعانون من الجوع ونقص الغذاء.

ولفت أحد التجار الفلسطينيين إلى أن "كل وسيط يأخذ حصته من الأرباح على طول الطريق، وهناك قلة قليلة تربح بشكل كبير، بينما يعاني المستهلك"، مؤكدا أنه رغم توفر بعض المواد الغذائية بكميات جيدة، فإن أسعارها أصبحت خارج متناول الكثيرين.

ويتم توفير السلع الطازجة من قبل التجار الخاصين، كتكملة للمواد الجافة والمعلبة التي توفرها وكالات الإغاثة. لكن هؤلاء التجار يستوردون أيضًا سلعًا غير ضرورية مثل رقائق البطاطا، حسب "فاينانشال تايمز". 

وتعتبر إسرائيل جميع هذه السلع التجارية مساعدات إنسانية. ومع ذلك، أظهرت البيانات العسكرية الإسرائيلية أن حجم المساعدات الغذائية التي دخلت غزة الشهر الماضي، هو "الأدنى منذ فبراير".

وفي هذا الصدد، قال مدير التخطيط في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، سام روز: "السلع التي يجلبها القطاع الخاص ليست مساعدات"،  مضيفا أن تلك السلع لا تلبي احتياجات السكان المحليين، "بل تعكس فقط ما يمكن أن يتوفر في السوق".

وفي الفترة بين مايو ويوليو، دخلت قطاع غزة شاحنات خاصة أكثر بمرتين من تلك التي أرسلتها المنظمات الإنسانية، حيث تعمل شبكة من التجار بين القاهرة والضفة الغربية وإسرائيل وغزة على تنسيق دخول الشاحنات عبر معبر كرم أبو سالم.

تراجع دور الأمم المتحدة

ومع ازدياد الفوضى وانعدام الأمن على طول طرق التوصيل، تراجع دور الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في إيصال المساعدات، حيث أدى إغلاق معبر رفح مع مصر إلى تقليل عدد الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية إلى أقل من الثلث، مقارنةً بالفترة بين أبريل وسبتمبر.

ووصف أحد التجار الفلسطينيين كيف أجبرته تكاليف السوق السوداء، التي تشمل شراء تصاريح الاستيراد واستئجار الحماية المسلحة، على رفع الأسعار في غزة.

وأوضح أن تكلفة استيراد شاحنة واحدة من الضفة الغربية إلى غزة كانت لا تتجاوز 300 دولار قبل الحرب، بينما تصل التكاليف في الوقت الحالي إلى ما بين 5000 و35000 دولار، حسب قيمة البضائع، بالإضافة إلى 3000 دولار للحماية و4000 دولار كحد أدنى لرسوم النقل.

ومنذ نوفمبر وحتى مايو، سمحت السلطات الإسرائيلية لخمس شركات فلسطينية فقط بالحصول على تصاريح لإدخال البضائع إلى غزة، مما منح هذه الشركات سيطرة كاملة على السوق، "لتبدأ في بيع التصاريح لتجار آخرين"، وفق "فاينانشال تايمز".

وعلى الرغم من توسيع نطاق منح التصاريح منذ أبريل، فإن التصاريح لا تزال تتركز في أيدي عدد قليل من التجار، مما يثير تساؤلات بشأن آلية منحها.

وفي هذا الصدد، أوضحت الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون الإنسانية في غزة (كوغات)، أن "العديد من التجار يُسمح لهم بتسليم المساعدات، بشرط اجتيازهم فحوصات أمنية دقيقة".

ومنذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر، تعاني غزة من نقص حاد في السيولة وارتفاع البطالة، مما جعل المواد الغذائية المتوفرة بأسعار مرتفعة، غير متاحة للكثير من السكان.

وأوضح أبو شكري، الذي يعمل في مبادرة تضامن مجتمعية بوسط غزة، أنه لم يعد يستطيع تحمل شراء الطعام الطازج لجيرانه. 

وحسب برنامج الأغذية العالمي، ارتفعت أسعار الخضروات الطازجة بنسبة 170في المئة منذ بداية الحرب، بينما زادت أسعار الفاكهة الطازجة بنسبة 228 بالمئة.

وفي خان يونس، قفز سعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم إلى 5 أضعاف. وفي هذا الصدد، أوضح الباحث في وزارة الاقتصاد الفلسطينية في غزة، محمد بربخ أن سعر الكيلوغرام من الطماطم وصل إلى 35 شيكلًا (حوالي 9.17 دولار). 

وقد تسببت المخاوف من إغلاق المعابر في الفترة القادمة، بسبب سلسلة من الأعياد اليهودية، في زيادة تخزين السلع، مما أدى إلى تفاقم الأزمة.

وفي شمال غزة، حيث تزداد الأوضاع سوءًا، يعيش السكان على الدقيق والمواد المعلبة القادمة من شاحنات الإغاثة، في ظل عدم السماح للتجار بجلب البضائع عبر المعابر التي تفصل الجنوب عن الشمال.

وأحد التجار الفلسطينيين، الذي كان يستورد بضائع من دبي والهند، أشار إلى أنه قلّص وارداته بشكل كبير لأن السكان لم يعودوا قادرين على شراء المنتجات، مضيفا: "السوق ممتلئ، لكن الناس لا يملكون القوة الشرائية".

ارتفاع جنوني للأسعار بمدينة غزة

وفي مدينة غزة، ارتفعت أسعار الطماطم بنسبة تتجاوز 8690 بالمئة، فيما ارتفعت أسعار البيض بنسبة 1829بالمئة. 

وما يزيد الوضع تعقيدًا، أن إسرائيل لا تسمح بمرور السلع بين مناطق القطاع المختلفة، مما يعمق من حدة الجوع في الشمال.

ولحماية بضائعهم من السرقات والنهب، يلجأ معظم التجار إلى توظيف "شركات أمنية"، وهي عبارة عن مجموعات مسلحة تتألف من 20 شخصًا أو أكثر، يحملون أسلحة تتراوح بين العصي والبنادق. 

وأوضح تاجر يدير أعماله من العاصمة المصرية القاهرة: "لا خيار أمامنا سوى توظيف الحماية".

من جهتها، ترفض الأمم المتحدة استخدام الحماية المسلحة، مما يجعلها عرضة للنهب، خاصة أن السجائر، الممنوعة من قبل إسرائيل، يتم تهريبها ضمن شاحنات المساعدات، مما يزيد من جاذبيتها كهدف للنهب، وفق الصحيفة البريطانية.

تجمعات حاشدة في ساحات صلاة عيد الفطر في مصر دعما للفلسطينيين - رويترز
تجمعات حاشدة في ساحات صلاة عيد الفطر في مصر دعما للفلسطينيين - رويترز

شهدت الساحات الرئيسية المخصصة لصلاة عيد الفطر في عدد من المحافظات المصرية، صباح الإثنين، وقفات تضامنية حاشدة، تعبيرًا عن دعم الفلسطينيين ورفضًا لأي محاولات "تهجير" للسكان من قطاع غزة.

وامتدت التجمعات في ساحات الصلاة والمساجد الكبرى بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمواطنين، الذين رفعوا لافتات ورددوا هتافات تؤكد رفض "التهجير القسري وتطالب المجتمع الدولي بالتصدي للانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين".

الهيئة العامة للاستعلامات، التابعة لرئاسة الجمهورية في مصر، قالت في بيان، الإثنين، إن "ملايين من المصريين احتشدوا في وقفات تضامنية عقب أداء صلاة عيد الفطر المبارك في مئات الساحات والمساجد والمراكز الإسلامية، بكل المناطق بمحافظات مصر كافة".

وأضافت: "شملت هذه الحشود الغالبية الكبيرة من الساحات المخصصة لتلك الصلاة، وعددها على مستوى الجمهورية 6240 ساحة بجميع المحافظات".

"5 رسائل"

أشارت الهيئة إلى أن الرسائل التي ركزت عليها الحشود، هي: "الدعم الكامل للقيادة السياسية" في موقفها بشأن الحرب في غزة، بجانب "الرفض الكامل والمستمر من الشعب لمخططات التهجير"، والرسالة الثالثة هي "الإدانة التامة لحرب الإبادة على قطاع غزة، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ مواقف سريعة حاسمة ضدها".

رابع الرسائل، وفق البيان جاءت "رفض قاطع لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والتي لن يتم حلها سوى بحصول الشعب الفلسطيني الشقيق على حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على أراضيه ضمن حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

أما الرسالة الخامسة "المطالبة بالوقف الفوري والتام والنهائي لإطلاق النار في غزة، بما ينهي قطعيا مأساة أهلها بسبب حرب الإبادة التي تشن عليهم".

وفي مسجد المشير طنطاوي بالقاهرة أدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكبار مسؤولين الدولة صلاة العيد.

وألقى خطبة العيد الشحات العزازي، أحد مسؤولي وزارة الأوقاف، الذي أكد خلالها "رفض الدولة المصرية القاطع لمحاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة".

"رسالة واضحة"

حضر هذه الوقفات التضامنية قادة من الأحزاب والقوى السياسية المصرية المختلفة.

رئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، قال لـ"الحرة" إن الوقفات التضامنية "جاءت لتعكس دعم الشعب المصري بكافة أطيافه، ووقوفه خلف القيادة السياسية في موقفها القوي ضد محاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ورفض أي مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية".

وأوضح الشهابي أن هذه الفعاليات "حملت رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن المصريين، بكل مكوناتهم، يقفون خلف الدولة المصرية، ويدعمون موقفها الثابت في مواجهة المخططات التي تهدف إلى الاستيلاء على الأراضي العربية وضمها لصالح إسرائيل أو أميركا".

وأشار إلى أن توقيت هذه الوقفات جاء ردا على تقارير ذكرت "وجود انقسام داخل المجتمع المصري بشأن موقف الدولة من القضية الفلسطينية".

وقال إن هذه الادعاءات تستند إلى "معلومات مغلوطة مصدرها جهات مشبوهة وإعلام منحاز، ولا تعكس حقيقة التضامن الشعبي المصري مع القضية الفلسطينية ورفض أي تدخل خارجي في الشأن الداخلي المصري".

كما قال النائب عصام عفيفي، الأمين العام المساعد لحزب مستقبل وطن ووكيل اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس الشيوخ، إن هذه الوقفات تعد "تعبيرًا شعبيًا خالصًا تخلى فيه الجميع عن انتماءاتهم السياسية والحزبية، وجاءت تأييدًا لمواقف الرئيس المصري والدولة المصرية الرافضة للتهجير، مع التشديد على الحفاظ على الأراضي الفلسطينية والقضية الفلسطينية".

وأضاف عفيفي في تصريحات لمراسل "الحرة" أن الشعب المصري يرى "حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون جراء الهجمات الإسرائيلية، ولم يكن ليحتفل بعيد الفطر دون أن يعلن تأييده لمواقف القيادة المصرية، والتأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين".

وانتقد ما وصفه بـ"ثبات الضمير العالمي تجاه ما يعانيه الفلسطينيون"، معتبرًا أن هذه الوقفات "تأتي كمحاولة لاستنفار الضمير العالمي وتحفيز القوى الشعبية في مختلف الدول لاتخاذ مواقف أكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية".

 

تحضير قبل أسبوع

وأضاف الشهابي للحرة أن الوقفات التضامنية شملت جميع المحافظات المصرية، حيث شارك الحزب في تنظيمها في محافظات البحيرة، ودمياط، والمحلة، وطنطا، والمنصورة، وبني سويف، وأسيوط، وسوهاج، وأسوان، وبورسعيد، والإسماعيلية، والسويس.

وأشار إلى أن هذه الوقفات "لم تكن عفوية، بل جاءت بتنظيم مسبق من الأحزاب المصرية، التي بدأت الإعداد لها قبل أسبوع، لتأكيد دعمها لموقف القيادة السياسية المصرية، ورسالتها الواضحة للشعب الفلسطيني بأن مصر لن تتخلى عنه".

وأوضح رئيس حزب الجيل أن هذه الفعاليات لم تقتصر على حزبه فقط، بل شهدت مشاركة واسعة من مختلف الأحزاب المصرية، بما في ذلك "حزب مستقبل وطن"، و"حماة الوطن"، و"تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين".

وأضاف أن "قيادات وشباب هذه الأحزاب تواجدت بين جموع المصلين، وانضمت إليهم حشود شعبية واسعة، مما يعكس أن هذه المظاهرات لم تكن مجرد تحركات حزبية، بل تعبيرًا عن موقف شعبي واسع داعم للقيادة المصرية ومناهض للتهجير القسري للفلسطينيين".

وأدانت دول عربية من بينها مصر، في وقت سابق هذا الشهر، قرار الحكومة الإسرائيلية المصادقة على إنشاء وكالة لدعم عملية "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من قطاع غزة، معتبرة أنه قرار يمثل "انتهاكا" للقانون الدولي.

وأكد بيان لوزارة الخارجية المصرية  انتفاء أساس ما يسمى "المغادرة الطوعية"، وشددت أن "المغادرة التي تتم تحت نيران القصف والحرب وفي ظل سياسات تمنع المساعدات الإنسانية وتستخدم التجويع كسلاح يعد تهجيرا قسريا وجريمة ومخالفة بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".

وصادق المجلس الوزاري للشؤون السياسية والأمنية في إسرائيل (الكابنيت)، على مقترح وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بإقامة إدارة "نقل طوعي" لسكان غزة الذين يبدون اهتمامهم بذلك إلى دول ثالثة، وفقا لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقال مكتب وزير الدفاع، إن الإدارة ستكون "مخولة بالعمل بالتنسيق مع المنظمات الدولية وغيرها من الكيانات، وفقاً لتوجيهات المستوى السياسي، وتنسق أنشطة جميع الوزارات الحكومية ذات الصلة".

وعارضت الدول العربية خطة ترامب التي تقترح "نقل" الفلسطينيين" خارج قطاع غزة من أجل إعادة الإعمار. وقدمت مصر مدعومة من الدول العربية مقترحا بديلا، يسمح بإعادة الإعمار مع عدم نقل الفلسطينيين.

ورفضت إسرائيل والولايات المتحدة الخطة المصرية.