عناصر من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في جنين - فرانس برس
عناصر من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في جنين - فرانس برس

في وقت تسعى فيه الأطراف الفلسطينية إلى إيجاد توافق بشأن إدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب الحالية، تتفاقم التوترات في الضفة الغربية، وبالتحديد في مدينة جنين ومخيمها، حيث أسفرت اشتباكات بين قوات الأمن التابعة للسلطة وفصائل مسلحة عن مقتل 3 أشخاص.

القتلى الثلاثة كان بينهم مدنيان اثنان ومسلح من "كتيبة جنين"، في تطورات علق عليها رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، السبت، بالقول إن الوضع في مخيم جنين بلغ "مرحلة لا يمكن السكوت عنها"، وشدد على أهمية فرض الأمن والنظام، باعتبارهما أولوية وطنية.

وفيمل يتعلق بتلك التطورات، وأسباب التصعيد الجاري بين السلطة الفلسطينية والمسلحين الذين يتبعون على الأغلب فصائل مثل حماس و"الجهاد الإسلامي"، تحدث محللون فلسطينيون لموقع الحرة، مؤكدين أن "الخاسر" من كل ذلك هم الفلسطينيون أنفسهم، فيما اعتبر البعض أنها "رسالة من السلطة بشأن قدرتها على فرض السيطرة في غزة بعد نهاية الحرب".

انفجارات متتالية واشتباكات مستمرة في مخيم جنين بين قوى الأمن الفلسطينية وكتيبة جنين.
بينهم مدنيان.. 3 قتلى باشتباكات بين الأمن الفلسطيني و"كتيبة جنين"
تشهد مدينة جنين وأطراف المخيم اشتباكات عنيفة، منذ فجر السبت، بين الأمن الفلسطيني ومسلحين، ما أدى لمقتل مسلح/مقاتل في كتيبة وإصابات عدة، بينهم مدنيون، في الوقت الذي يعقد فيه رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد مصطفى، ووزير الداخلية زياد هب الريح، وقادة المؤسسة الأمنية اجتماعا، في مقر محافظة جنين، لمتابعة التطورات الأمنية بعد إطلاق عملية "حماية وطن".

منذ أكثر من أسبوع، تشهد مدينة جنين أعمال عنف مكثفة، بعدما اعتقلت السلطة الفلسطينية التي تنسق المسائل الأمنية مع إسرائيل، عددا من النشطاء في وقت سابق من ديسمبر الجاري.

وتعتبر مدينة ومخيم جنين للاجئين معقلا للفصائل الفلسطينية المسلحة، التي تقدم نفسها كـ"مقاومة" أكثر فعالية ضد إسرائيل، على النقيض من السلطة الفلسطينية.

ونددت حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وهما على لوائح الإرهاب الأميركية، بالسلطة الفلسطينية، بسبب عملية جنين.

غزة جديدة؟

اعتبر المحلل السياسي عبد المهدي مطاوع، أن ما تقوم به الأجهزة الأمنية في جنين "تأخر كثيرا، وكان يجب إنهاء مثل هذا الفلتان مبكر"، متهما أغلب المسلحين بأنهم "ممولون إيرانيا".

وقال في حديثه لموقع الحرة، إن تقاربهم من إيران "يعطي إسرائيل مبررا كافيا لتكرار اجتياحات المخيمات، وهي كانت بالفعل قد دمرت مدينة جنين. كان واضحا أنها تريد تكرار تجربة غزة في الضفة الغربية، ليتسنى لها تنفيذ مخطط الضم"، في إشارة إلى دعوات في إسرائيل لضم أراضي الضفة الغربية.

ولطالما دعا مسؤولون إسرائيليون إلى ضم الضفة الغربية، كان أبرزهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فيما رفض كثيرون، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، فكرة إقامة دولة فلسطينية.

وعلى وقع طلقات الرصاص، تحدث الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح، من مدينة جنين للحرة، وقال إن "ما تسرب من جهات مختلفة أن إسرائيل هددت السُلطة بأنها لو لم تسيطر على جنين، فسيحدث لها ما جرى في غزة".

Funeral of Palestinian Ribhi Shalabi, who was killed in clashes with Palestinian Authority forces, in Jenin camp
جنين.. ملامح اقتتال داخلي وهتافات ضد محمود عبّاس
تعود مدينة جنين ومخيمها شمال الضفة الغربية لواجهة الأحداث مجدداً، ولكن ليس بسبب اجتياح إسرائيلي واشتباك بينه وبين مسلّحي فصائل فلسطينية، ولكن لعملية عسكرية تحركها سلطة رام الله، نحو نزع سلاح "كتيبة جنين"، باعتبارها خارجة على القانون.

وردا على ما إذا كانت السلطة الفلسطينية تحاول توصيل رسالة حال فرض سيطرتها على جنين، بأنها قادرة على القيام بذلك في غزة بعد الحرب، قال الصباح: "لن تتمكن من فرض سيطرتها على مدينة ومخيم ومنطقة كاملة كثيفة السكان".

وتابع: "أبناء الأجهزة الأمنية هم أبناء البلد (..) لن يمكنهم القتال بشكل حقيقي، لأنهم(في هذه الحالة) لا يطلقون النار على الأعداء".

يذكر أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية، أعلنت خلال الأيام الماضية بدء ما وصفتها بـ"المرحلة قبل الأخيرة" للعملية الأمنية في جنين، وأطلقت عليها اسم "حماية الوطن"، وقالت إنها تستهدف "خارجين عن القانون".

وكانت قوات الأمن الفلسطينية قتلت، السبت، الشاب يزيد جعايصة، أحد قادة "كتيبة جنين"، المطلوب لدى إسرائيل منذ سنوات، كما وقع عدد من الإصابات، وذلك خلال الاشتباكات.

"مخطط إسرائيل"

واعتبر مطاوع أن ما يحدث من المسلحين في جنين "من استعراض بالسلاح داخل المخيم، تكرار لسيناريو الفلتان الأمني في غزة، الذي تبعه عصيان ثم انقلاب"، في إشارة إلى سيطرة حماس على الحكم في القطاع عام 2007. وأضاف أن كل طرف (السلطة ومسلحي جنين) يرى أن الآخر "يشارك في تنفيذ مخطط إسرائيل".

ولفت إلى أن تكرار سيناريو غزة في الضفة سيقود لنفس النتيجة "ومواجهة هذا المخطط تستدعي وجود سلطة واحدة تحكم غزة والضفة الغربية، وعلى حماس إنقاذ أهل غزة والضفة والتخلي عن حكم القطاع لإبطال ذرائع (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتانياهو بخصوص إنهاء الحرب".

الصباح من جانبه، قال إن حدوث "صراعات داخلية مسلحة" بين الفلسطينيين، "خطر يطال القضية الفلسطينية والسلم الأهلي، إذ سيزعم الاحتلال الإسرائيلي أن هؤلاء لا يستحقون دولة ولا يستطيعون إدارة دولة. هم إرهابيون بطبعهم يقتلون بعضهم".

وكانت أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، قالت إن قواتها تنفذ هذه العملية الأمنية "لاستعادة القانون والنظام" في مخيم جنين، الذي يعد معقلا لمسلحي الفصائل الفلسطينية.

لكن الفصائل تقول إن الهدف هو القضاء على مسلحيها في مخيمات الضفة الغربية، التي "تتصدى للاقتحامات" الإسرائيلية التي تكثفت مع اندلاع الحرب في قطاع غزة.

ورأى مطاوع أنه "يجب العودة إلى المسار الدبلوماسي والمقاومة الشعبية السلمية، لتحييد السلاح الإسرائيلي ومخططات تدمير المناطق الفلسطينية ودفع سكانها إلى الهجرة".

وقال أيضا للحرة: "نجاح السلطة في فرض الأمن بالضفة الغربية سيقوي موقفها وينزع ذرائع سموتريتش الذي يخطط للقضاء على السلطة، بحجة أنها تمثل خطرا على إسرائيل".

كما أكد أن "الحفاظ على الضفة أولوية بعد تدمير غزة، وسيشجع أطرافا إقليمية وعربية وأميركية على ممارسة مزيد من الضغط على نتانياهو، للقبول بالسلطة كطرف فلسطيني لإدارة غزة في اليوم التالي للحرب".

"الخاسر الأكبر"

وفي تصريحات لقناة الحرة، قال نائب رئيس المجلس التشريعي السابق، حسن خريشة، إنه مهما كانت الدوافع والمبررات، فإن ما يحدث في جنين "مقلق ومرفوض ومؤلم وطنيا وشعبيا، والخاسر الأكبر في كل ما يحدث هو الشعب الفلسطيني".

واستغرب خريشة التسميات والأوصاف التي استخدمتها السلطة الفلسطينية مثل "المخربين والخارجين عن القانون والمرتزقة" وقال إن هذه اللغة "تصعيدية".

فيما وصف الصباح ما يحدث في مدينته جنين، بأنه "وضع قاس يجب وضع حد له، نظرا لأنه يزيد الشقاق والانقسام".

من آثار الضربات في غزة - رويترز
من آثار الضربات في غزة - رويترز

رحب دبلوماسيون من دول عربية وإسلامية ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بالخطة العربية لإعادة إعمار غزة التي تم تقديمها خلال قمة القاهرة في 4 مارس، واعتمدتها لاحقًا منظمة التعاون الإسلامي.

واستضافت العاصمة المصرية، الأحد، اجتماعًا للجنة الوزارية العربية-الإسلامية المعنية بغزة، بمشاركة عدد من وزراء الخارجية العرب والمسلمين، وبحضور الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس.

وناقش الاجتماع الذي ترأسه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، التطورات الأخيرة في قطاع غزة، إذ أعرب المشاركون عن قلقهم البالغ إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية نتيجة استمرار العمليات العسكرية.

وأكدوا رفضهم لاستئناف الأعمال العدائية واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

كما شددوا على أهمية العودة الفورية إلى التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير الماضي، الذي تم برعاية مصر وقطر والولايات المتحدة.

وأكدوا ضرورة التقدم نحو المرحلة الثانية من الاتفاق، بما في ذلك إطلاق سراح جميع الرهائن، وإنهاء الأعمال العدائية بشكل دائم، والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2735.

وأكد الاجتماع أن الخطة العربية لإعادة إعمار غزة تضمن بقاء الفلسطينيين في القطاع، مشددين على رفض أي محاولات لنقل الفلسطينيين قسرًا.

وأكد الوزراء أهمية توحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية، وضمان قدرة الحكومة الفلسطينية على إدارة شؤون القطاع بفعالية.

وفي ختام الاجتماع، جدد الوزراء دعمهم لعقد مؤتمر دولي رفيع المستوى في يونيو المقبل بمدينة نيويورك، تحت رعاية الأمم المتحدة وبرئاسة مشتركة بين فرنسا والمملكة العربية السعودية، وذلك بهدف دفع جهود السلام والاستقرار في المنطقة.