People gather outside the closed doors of the Fatima Masumeh shrine in Iran's holy city of Qom on March 16 2020. - Iran closed…
متدينون يتجمعون أمام مقام فاطمة بنت موسى الكاظم في مدينة قم الإيرانية بعد إغلاقه من قبل السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا

يحاول رجال الدين في كل الأديان المشهورة اليوم إنكار حقيقة الصراع التاريخي بين العلم والتّدين التقليدي، أو ـ على الأقل ـ التأكيد على أنه صراع تاريخي ظرفي؛ سرعان ما تجاوزه منطق العلم ومنطق الدين، وبدأ البحث في الحقل الديني وفي الحقل المعرفي عن محاور الالتقاء ودعامات الإثبات المتبادل؛ ومن ثم البحث عن "عِلم يؤكّده الإيمان" أو عن "إيمان يؤكده العلم". وكل ذلك في سياق عجز الثقافات المُتخلّفة عن الفصل ـ وَعْيا ـ بين مسارين مختلفين للوعي، ليس من الضروري أن يلتقيا، بل على العكس، من الضروري أن يختلفا؛ لاختلاف زوايا الرؤية، ولتباين مراجع التصوّر، وتنوّع الآليات.

قبل هيمنة العلم، واتساع نطاق تأثيره (ومن ثَمَّ رسوخ مشروعيته في الواقع) كان الصراع بين العلم والدين صراعا صريحا حادا وعنيفا. لقد كان صراعَ نفي متبادل، صراعَ استحواذٍ على الواقع من خلال المعرفة؛ أو العكس، صراعا يختصر سؤال: مَنْ يمتلك "الحقيقة المطلقة" التي يفترض ـ في حدود ذلك الوعي التقليدي الأحادي ـ أنها واحدة في المسارين: مسار العلم ومسار الدين.

عندما أصبح العلم ـ بقوة تأثير منجزاته الباهرة/ الملموسة ـ هو مرجعية الوعي العليا (حتى عند منكري هذه المرجعية على مستوى الوعي المباشر)، التمس الدين (وأقصد هنا: الدين التقليدي/ التدين التقليدي) مصالحة العلم، على حياءٍ وخجلٍ في كثير من الأحيان، وعلى عِنادٍ مَشوبٍ بالمساومة في بعض الأحيان. وهنا ظهرت ـ في بعض الأديان، وفي الأصوليات منها تحديدا ـ ظاهرة "الإعجاز العلمي"، هذا "الإعجاز التنبؤي" الذي يقول بأن حقائق العلم الحديثة موجودة ـ سلفا ـ في نصوص الدين الأولى!

فالدين والعلم لهما منطقان مختلفان، بحيث لا يستطيع أحدهما فهم الآخر فهما حقيقيا

يشعر العلمُ الحديث بأن "عقائد الدين الراسخة" تقف عقبة في طريقه، أو ـ على نحو أدق ـ تقف عقبة في طريق تفاعل الجماهير معه، ما يعني أنه سيبقى محاصرا في مَجَالي: الدعم المعنوي، والدعم المادي. ففي وسط تلتهم فيه العقائد التقليدية الخرافية الموروثة عقولَ الجماهير لن يجد رجل العلم من يدعم مشاريعه العلمية ابتداء، ولن يجد من يدعمها بتفعيل نتائجها إذا ما ظهرت، ولن يجد من يتفاعل معها على أرض الواقع.

في المقابل، يشعر الدين/ يشعر رجل الدين بأن العلم ـ بقوة فاعليته المعاصرة ـ أصبح يسحب البساط من تحت أقدامه، أصبح يُزيل سحائبَ الوهم التي طالما أغدقت عليه المغانم المادية والمعنوية، وحصّنته من المغارم التي كانت تطال ضعفاء الناس. وزاد من حدة هذا الشعور المستفز أن العلم بدا وكأنه لا يزاحم في مَغْنمٍ أو مكانة على سبيل التشارك، بل ارتفع سقف طموحاته لينازع في أصل المشروعية، وبالتالي، فهو يلغي المكتسبات التي تعتاش عليها الطبقة الكهنوتية (وفي كل دين/ في كل مذهب طبقة كهنوتية صريحة أو مضمرة) منذ مئات السنين، وبعضها منذ آلاف السنين، ما يجعلها حقا طبيعيا غير قابل للتفاوض أصلا.

وإذا كان هذا التنازع/ هذا الصراع يحدث على خلفية دوافع دنيوية مباشرة باتت معروفة في حقل الدراسات الاجتماعية، فإن ثمة تنازعا/ صراعا على مستوى التصورات الذهنية/ البُنية العقدية، إنه صراع يتفاعل ـ جدليا ـ مع الصراع الأول بالضرورة، ويصعب فك مساراته المتضافرة على سبيل الحسم والتعيين، بل إن كل ما يمكن في هذا المضمار لا يتجاوز محاولة الفصل الافتراضي؛ بهدف معاينة الظاهرة علميا.

إن المعتقدات الدينية مبنيّة على منطق/ على مسار غير مسار العلم. العلم ـ بحكم طبيعته ـ يتساءل ويتشكك، ينقض سوابقه، يتجدّد، ويتجرد من "عوادمه/ مخلفاته" التي لم تعد صالحة لمواقعه الجديدة التي أصبحت تتوفر على شروط لم تكن موجودة من قبل.

بينما الدين التقليدي يتأسس على التثبيت والاستدامة، يُقرّر حقائقه بناء على مشروعية العمق التاريخي؛ فكلما كان أقدم؛ كان أحق. ولهذا، فسوابقه هي لواحقه، ماضيه هو مستقبله، صوابه الأخير المفترض فرع على صوابه الأول.

ولهذا، فالدين والعلم لهما منطقان/ مساران مختلفان، بحيث لا يستطيع أحدهما فهم الآخر فهما حقيقيا؛ إلا بمقدار ما يتخلى أحدهما على بعض شروط وعيه لصالح الآخر الذي هو آخر على سبيل التقابل الضدي.

لا مشكلة عندما يُوجَد "التدين التقليدي" على هامش الوعي العلمي العام؛ إذا ما كان هذا الوعي العلمي هو صاحب "الكلمة الفصل" في الوعي العام. أيضا، لا مشكلة في هذا "التدين التقليدي" في زمن الرفاهية والاسترخاء الحضاري، أو في ذلك الزمن الطبيعي الذي يقع خارج نطاق حالة الطوارئ الحياتية. لكن، ثمة مشكلة حقيقية في هذا التدين التقليدي الخرافي عندما يزعم أن له "الكلمة الفصل" في المنعطفات الحادة في حياة البشر، أو يفرض نفسه كصاحب قرارات مصيرية في الأوقات الاستثنائية/ حالات الطوارئ التي تتعرض فيها حياة الملايين لخطر حقيقي.

يُقِيم "المتديّن التقليدي" تقابلا متضادا متنافرا بين الله/ الدين من جهة، والعلم من جهة أخرى. ولأنه في حرب مع ممثلي العلم جراء الصراع الاجتماعي على المكتسبات الواقعية، وأيضا، لأن وعيه مشروط بتصورات ماضوية مقطوعة الصلة بكل مكونات الحاضر، فهو يفترض ـ وإن لم يُصرِّح بذلك ـ أن ثمة حربا بين الله وبين العلم الحديث، هي في تصوره ـ بالتتبع ـ حرب الله ضد مؤسسي العلم في التاريخ القريب، وحرب الله ضد مؤسسات العلم ومقولاته الأساسية في التاريخ الحديث/ المعاصر.

تحدث الكوارث الطبيعية: الأعاصير المدمرة، الفيضانات، الزلازل، القحط/ التصحر الشديد، الأوبئة...إلخ فيتحدّث عنها "المتدين التقليدي" وكأنها سلاحه/ سلاح إلهه في مواجهة العلم الحديث الذي هو ـ بمنطق التجلي/ بمنطق الهوية/ بمنطق شهادة الحضور الفاعل ـ "الغرب الحديث".

ومن ثم، فإن استطاعت هذه الكوارث الطبيعية أن تتحدى مخترعات العلم، أو تقلل من فاعليتها، فمعنى ذلك ـ في وعي المتدين التقليدي، الشرق أوسطي منه خاصة ـ أن الله قد انتصر على العلم، ما يعني ـ في المنطق المضمر ـ أن ممثلي الله/ المتدينين التقليديين انتصروا على ممثلي العلم/ الغرب.

قبل خمسة عشر عاما تقريبا كنت في مجلس مع شيخ سلفي. كانت الأعاصير المدمرة التي تعصف بأجزاء من الولايات المتحدة هي حديث الإعلام آنذاك. ولأن هذا الشيخ السلفي يراني "تغريبيا" منحرفا عن طريق الصواب الديني الذي يتمثّله في حدود عقيدة أسلافه؛ فقد نظر إليّ قائلا ـ في غير قليل من الشماتة ـ: انظر ماذا يفعل الله بالولايات المتحدة، انظر كيف يدمر الله غرور الغرب، إنهم ينتظرون الدمار ويُحذّرون منه مواطنيهم، ولكن "علمهم" لم يستطع أن يمنع هذه الكوارث، انظر كيف أن قوة أميركا لم تستطع الصمود أمام جندي من جنود الله (طبعا، هو يتصور الكوارث الطبيعية من جنود الله، وبالتالي من جنوده باعتبار الممثل الشرعي لله في الأرض/ خليفة الله في الأرض)، الآن، هل تنفعهم قوتهم وعلمهم وتطورهم أمام غضب الله...إلخ كلامه الغاضب الشامت.

أذكر أني أجبته ـ بالاشتباك مع منطقه ضمنا ـ فقلت له: طبعا، إذا كان الله يتصارع مع أميركا ـ كما هو مضمون كلامك ـ ؛ فلا بد أن ينتصر الله نصرا كاملا يليق بكمال قدرته، ولكن إلى الآن لا أدري لماذا لم يُخرج اللهُ أميركا من حلبة الصراع بالضربة القاضية!. هنا، غضب، وقال مهددا مستجوبا: أتقول: الله وأميركا في حلبة صراع؟!. قلت له: أنا لا أقول ذلك، ولكن أنت الذي تقول ذلك؛ سواء شعرت أم لم تشعر، أنت الذي تجعل الله في صراع مع أميركا، ثم تؤكد لي انتصاراته، وإلا فالله في التصور الأرقى للدين إله كامل القدرة، ولا يليق بجلاله أن يوضع في مقابل أي أحد، لا أميركا ولا الكرة الأرضية بكل مَن فيها. بل لا الكون باتساعه؛ بمن فيه وبما فيه، يجوز ـ بالمنطق الإيماني الأرقى ـ أن يوضع في تقابل مع الله، وها أنت ـ بتديّنك الساذج ـ تجعل بعضَ البشر أندادا لله.

إن منطق هذا المتدين التقليدي هو منطق جميع المُتديّنين التقليديين. وطبعا، إذا كان لدى المتدين التقليدي مشكلة مع العلم، منذ ظهر العلم الحديث بمعجزاته، وإلى اليوم، فإن لدى المسلمين التقليديين مشكلة مضاعفة مع هذا العلم الحديث؛ لأنه ينتمي إلى حضارة/ ثقافة غير حضارتهم/ غير ثقافتهم، وبالتالي، فالعلم إذا ما تحقق مجده يؤسس ـ بالضرورة ـ مجدا لأعدائهم التاريخيين.

الله أمر بالاجتماع لتقديسه وتمجيده، بينما الطب المرتبط بمنطق العلم الحديث يرى في هذا الاجتماع خطرا

لهذا، ولغيره من الأسباب، ظهر ما يُشبه العناد مع حقائق العلم ومخرجاته، حتى في أشد الميادين حساسية من حيث ارتباطها بالوجود بالمباشر للإنسان، أقصد: ميدان الطب. فبدءا من محاولات الرفع من الطب الشعبي/ الطب النبوي إلى درجة ترويج الخرافات وأساطير الجن وعجائب المأكولات، حتى الاستهتار بالتحذيرات الطبية في زمن وباء كورونا اليوم، وذلك عبر الادعاء بأن هذا الوباء لن يستطيع فرض قوانينه على مسار التّدين؛ لأن الله ـ وفق فهمهم ـ سيعطّل قوانين الطبيعة؛ كي لا يسمح بتعطيل/ بإيقاف تقاليد تمجيده في محاريب الإيمانّ.

هكذا شاهدنا معاندة المتدين التقليدي. فبينما كانت الحكومات ـ بمسؤوليتها عن صحة المواطن ـ تحظر الاجتماعات، وتلغي صلاة الجماعة، نجد المتدين التقليدي يعجب ـ بجهل باذخ ـ: كيف يجرؤ المرض أن يصيب قاصدي بيت الله، كيف يمكن أن يصيب المرض هؤلاء المجتمعين قصد التعبد لله؟!.

الله أمر بالاجتماع لتقديسه وتمجيده، بينما الطب المرتبط بمنطق العلم الحديث يرى في هذا الاجتماع خطرا؛ فينهى عنه. في التصور التقليدي المتخلّف، ثمة ثنائية صراعية تتساءل ـ صراحة أو ضمنا ـ على النحو التالي: الله يقول: اجتمعوا، بينما العلم الحديث يقول: لا تجتمعوا. وهنا ـ وللأمر أبعاده في الصراعات المجتمعية على النفوذ ـ يتساءل المتدين التقليدي: أي قانون يجب على الجماهير الاستماع إليه، هل تطيع الجماهير قوانين الله (أي تتبع مؤسسات التقليد الديني/ تتبع رجال الدين)، أم تطيع العلم الحديث (أي تتبع المؤسسات الحديث/ تتبع رجال العلم/ تعتقد بتفوق المنجز الغربي)؟!.

لهذا، وتحت وطأة هذا الشعور البدائي/ المتخلف، هذا التصور المأزوم للصراع الوهمي بين الله والعلم، وجدنا من يعاند العلم لينصر الله؛ فيقيم صلاة الجماعة خارج ساحات المساجد بعد أن أغلقت الحكومات أبواب المساجد ونهت عن الجماعات كذاك وجدنا حُرّاس المراقد المقدسة وسدنتها يضعون المتدين الجماهيري/ الشعبوي في مواجهة مع إيمانه، إما أن يحضر إلى المراقد في حشود متراصة، مؤمنا أن قدسية المراقد ستحميه من أخطر وباء يجتاح العالم اليوم، وإما أن يعترف بأنه غير صادق في إيمانه، من حيث هو مؤمن بمنطق العلم الحديث الذي أصبح في تقابل ضدي مع منطق التقديس الديني.

اقرأ للكاتب أيضا: الوباء والعولمة والثقافة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟