People gather outside the closed doors of the Fatima Masumeh shrine in Iran's holy city of Qom on March 16 2020. - Iran closed…
متدينون يتجمعون أمام مقام فاطمة بنت موسى الكاظم في مدينة قم الإيرانية بعد إغلاقه من قبل السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا

يحاول رجال الدين في كل الأديان المشهورة اليوم إنكار حقيقة الصراع التاريخي بين العلم والتّدين التقليدي، أو ـ على الأقل ـ التأكيد على أنه صراع تاريخي ظرفي؛ سرعان ما تجاوزه منطق العلم ومنطق الدين، وبدأ البحث في الحقل الديني وفي الحقل المعرفي عن محاور الالتقاء ودعامات الإثبات المتبادل؛ ومن ثم البحث عن "عِلم يؤكّده الإيمان" أو عن "إيمان يؤكده العلم". وكل ذلك في سياق عجز الثقافات المُتخلّفة عن الفصل ـ وَعْيا ـ بين مسارين مختلفين للوعي، ليس من الضروري أن يلتقيا، بل على العكس، من الضروري أن يختلفا؛ لاختلاف زوايا الرؤية، ولتباين مراجع التصوّر، وتنوّع الآليات.

قبل هيمنة العلم، واتساع نطاق تأثيره (ومن ثَمَّ رسوخ مشروعيته في الواقع) كان الصراع بين العلم والدين صراعا صريحا حادا وعنيفا. لقد كان صراعَ نفي متبادل، صراعَ استحواذٍ على الواقع من خلال المعرفة؛ أو العكس، صراعا يختصر سؤال: مَنْ يمتلك "الحقيقة المطلقة" التي يفترض ـ في حدود ذلك الوعي التقليدي الأحادي ـ أنها واحدة في المسارين: مسار العلم ومسار الدين.

عندما أصبح العلم ـ بقوة تأثير منجزاته الباهرة/ الملموسة ـ هو مرجعية الوعي العليا (حتى عند منكري هذه المرجعية على مستوى الوعي المباشر)، التمس الدين (وأقصد هنا: الدين التقليدي/ التدين التقليدي) مصالحة العلم، على حياءٍ وخجلٍ في كثير من الأحيان، وعلى عِنادٍ مَشوبٍ بالمساومة في بعض الأحيان. وهنا ظهرت ـ في بعض الأديان، وفي الأصوليات منها تحديدا ـ ظاهرة "الإعجاز العلمي"، هذا "الإعجاز التنبؤي" الذي يقول بأن حقائق العلم الحديثة موجودة ـ سلفا ـ في نصوص الدين الأولى!

فالدين والعلم لهما منطقان مختلفان، بحيث لا يستطيع أحدهما فهم الآخر فهما حقيقيا

يشعر العلمُ الحديث بأن "عقائد الدين الراسخة" تقف عقبة في طريقه، أو ـ على نحو أدق ـ تقف عقبة في طريق تفاعل الجماهير معه، ما يعني أنه سيبقى محاصرا في مَجَالي: الدعم المعنوي، والدعم المادي. ففي وسط تلتهم فيه العقائد التقليدية الخرافية الموروثة عقولَ الجماهير لن يجد رجل العلم من يدعم مشاريعه العلمية ابتداء، ولن يجد من يدعمها بتفعيل نتائجها إذا ما ظهرت، ولن يجد من يتفاعل معها على أرض الواقع.

في المقابل، يشعر الدين/ يشعر رجل الدين بأن العلم ـ بقوة فاعليته المعاصرة ـ أصبح يسحب البساط من تحت أقدامه، أصبح يُزيل سحائبَ الوهم التي طالما أغدقت عليه المغانم المادية والمعنوية، وحصّنته من المغارم التي كانت تطال ضعفاء الناس. وزاد من حدة هذا الشعور المستفز أن العلم بدا وكأنه لا يزاحم في مَغْنمٍ أو مكانة على سبيل التشارك، بل ارتفع سقف طموحاته لينازع في أصل المشروعية، وبالتالي، فهو يلغي المكتسبات التي تعتاش عليها الطبقة الكهنوتية (وفي كل دين/ في كل مذهب طبقة كهنوتية صريحة أو مضمرة) منذ مئات السنين، وبعضها منذ آلاف السنين، ما يجعلها حقا طبيعيا غير قابل للتفاوض أصلا.

وإذا كان هذا التنازع/ هذا الصراع يحدث على خلفية دوافع دنيوية مباشرة باتت معروفة في حقل الدراسات الاجتماعية، فإن ثمة تنازعا/ صراعا على مستوى التصورات الذهنية/ البُنية العقدية، إنه صراع يتفاعل ـ جدليا ـ مع الصراع الأول بالضرورة، ويصعب فك مساراته المتضافرة على سبيل الحسم والتعيين، بل إن كل ما يمكن في هذا المضمار لا يتجاوز محاولة الفصل الافتراضي؛ بهدف معاينة الظاهرة علميا.

إن المعتقدات الدينية مبنيّة على منطق/ على مسار غير مسار العلم. العلم ـ بحكم طبيعته ـ يتساءل ويتشكك، ينقض سوابقه، يتجدّد، ويتجرد من "عوادمه/ مخلفاته" التي لم تعد صالحة لمواقعه الجديدة التي أصبحت تتوفر على شروط لم تكن موجودة من قبل.

بينما الدين التقليدي يتأسس على التثبيت والاستدامة، يُقرّر حقائقه بناء على مشروعية العمق التاريخي؛ فكلما كان أقدم؛ كان أحق. ولهذا، فسوابقه هي لواحقه، ماضيه هو مستقبله، صوابه الأخير المفترض فرع على صوابه الأول.

ولهذا، فالدين والعلم لهما منطقان/ مساران مختلفان، بحيث لا يستطيع أحدهما فهم الآخر فهما حقيقيا؛ إلا بمقدار ما يتخلى أحدهما على بعض شروط وعيه لصالح الآخر الذي هو آخر على سبيل التقابل الضدي.

لا مشكلة عندما يُوجَد "التدين التقليدي" على هامش الوعي العلمي العام؛ إذا ما كان هذا الوعي العلمي هو صاحب "الكلمة الفصل" في الوعي العام. أيضا، لا مشكلة في هذا "التدين التقليدي" في زمن الرفاهية والاسترخاء الحضاري، أو في ذلك الزمن الطبيعي الذي يقع خارج نطاق حالة الطوارئ الحياتية. لكن، ثمة مشكلة حقيقية في هذا التدين التقليدي الخرافي عندما يزعم أن له "الكلمة الفصل" في المنعطفات الحادة في حياة البشر، أو يفرض نفسه كصاحب قرارات مصيرية في الأوقات الاستثنائية/ حالات الطوارئ التي تتعرض فيها حياة الملايين لخطر حقيقي.

يُقِيم "المتديّن التقليدي" تقابلا متضادا متنافرا بين الله/ الدين من جهة، والعلم من جهة أخرى. ولأنه في حرب مع ممثلي العلم جراء الصراع الاجتماعي على المكتسبات الواقعية، وأيضا، لأن وعيه مشروط بتصورات ماضوية مقطوعة الصلة بكل مكونات الحاضر، فهو يفترض ـ وإن لم يُصرِّح بذلك ـ أن ثمة حربا بين الله وبين العلم الحديث، هي في تصوره ـ بالتتبع ـ حرب الله ضد مؤسسي العلم في التاريخ القريب، وحرب الله ضد مؤسسات العلم ومقولاته الأساسية في التاريخ الحديث/ المعاصر.

تحدث الكوارث الطبيعية: الأعاصير المدمرة، الفيضانات، الزلازل، القحط/ التصحر الشديد، الأوبئة...إلخ فيتحدّث عنها "المتدين التقليدي" وكأنها سلاحه/ سلاح إلهه في مواجهة العلم الحديث الذي هو ـ بمنطق التجلي/ بمنطق الهوية/ بمنطق شهادة الحضور الفاعل ـ "الغرب الحديث".

ومن ثم، فإن استطاعت هذه الكوارث الطبيعية أن تتحدى مخترعات العلم، أو تقلل من فاعليتها، فمعنى ذلك ـ في وعي المتدين التقليدي، الشرق أوسطي منه خاصة ـ أن الله قد انتصر على العلم، ما يعني ـ في المنطق المضمر ـ أن ممثلي الله/ المتدينين التقليديين انتصروا على ممثلي العلم/ الغرب.

قبل خمسة عشر عاما تقريبا كنت في مجلس مع شيخ سلفي. كانت الأعاصير المدمرة التي تعصف بأجزاء من الولايات المتحدة هي حديث الإعلام آنذاك. ولأن هذا الشيخ السلفي يراني "تغريبيا" منحرفا عن طريق الصواب الديني الذي يتمثّله في حدود عقيدة أسلافه؛ فقد نظر إليّ قائلا ـ في غير قليل من الشماتة ـ: انظر ماذا يفعل الله بالولايات المتحدة، انظر كيف يدمر الله غرور الغرب، إنهم ينتظرون الدمار ويُحذّرون منه مواطنيهم، ولكن "علمهم" لم يستطع أن يمنع هذه الكوارث، انظر كيف أن قوة أميركا لم تستطع الصمود أمام جندي من جنود الله (طبعا، هو يتصور الكوارث الطبيعية من جنود الله، وبالتالي من جنوده باعتبار الممثل الشرعي لله في الأرض/ خليفة الله في الأرض)، الآن، هل تنفعهم قوتهم وعلمهم وتطورهم أمام غضب الله...إلخ كلامه الغاضب الشامت.

أذكر أني أجبته ـ بالاشتباك مع منطقه ضمنا ـ فقلت له: طبعا، إذا كان الله يتصارع مع أميركا ـ كما هو مضمون كلامك ـ ؛ فلا بد أن ينتصر الله نصرا كاملا يليق بكمال قدرته، ولكن إلى الآن لا أدري لماذا لم يُخرج اللهُ أميركا من حلبة الصراع بالضربة القاضية!. هنا، غضب، وقال مهددا مستجوبا: أتقول: الله وأميركا في حلبة صراع؟!. قلت له: أنا لا أقول ذلك، ولكن أنت الذي تقول ذلك؛ سواء شعرت أم لم تشعر، أنت الذي تجعل الله في صراع مع أميركا، ثم تؤكد لي انتصاراته، وإلا فالله في التصور الأرقى للدين إله كامل القدرة، ولا يليق بجلاله أن يوضع في مقابل أي أحد، لا أميركا ولا الكرة الأرضية بكل مَن فيها. بل لا الكون باتساعه؛ بمن فيه وبما فيه، يجوز ـ بالمنطق الإيماني الأرقى ـ أن يوضع في تقابل مع الله، وها أنت ـ بتديّنك الساذج ـ تجعل بعضَ البشر أندادا لله.

إن منطق هذا المتدين التقليدي هو منطق جميع المُتديّنين التقليديين. وطبعا، إذا كان لدى المتدين التقليدي مشكلة مع العلم، منذ ظهر العلم الحديث بمعجزاته، وإلى اليوم، فإن لدى المسلمين التقليديين مشكلة مضاعفة مع هذا العلم الحديث؛ لأنه ينتمي إلى حضارة/ ثقافة غير حضارتهم/ غير ثقافتهم، وبالتالي، فالعلم إذا ما تحقق مجده يؤسس ـ بالضرورة ـ مجدا لأعدائهم التاريخيين.

الله أمر بالاجتماع لتقديسه وتمجيده، بينما الطب المرتبط بمنطق العلم الحديث يرى في هذا الاجتماع خطرا

لهذا، ولغيره من الأسباب، ظهر ما يُشبه العناد مع حقائق العلم ومخرجاته، حتى في أشد الميادين حساسية من حيث ارتباطها بالوجود بالمباشر للإنسان، أقصد: ميدان الطب. فبدءا من محاولات الرفع من الطب الشعبي/ الطب النبوي إلى درجة ترويج الخرافات وأساطير الجن وعجائب المأكولات، حتى الاستهتار بالتحذيرات الطبية في زمن وباء كورونا اليوم، وذلك عبر الادعاء بأن هذا الوباء لن يستطيع فرض قوانينه على مسار التّدين؛ لأن الله ـ وفق فهمهم ـ سيعطّل قوانين الطبيعة؛ كي لا يسمح بتعطيل/ بإيقاف تقاليد تمجيده في محاريب الإيمانّ.

هكذا شاهدنا معاندة المتدين التقليدي. فبينما كانت الحكومات ـ بمسؤوليتها عن صحة المواطن ـ تحظر الاجتماعات، وتلغي صلاة الجماعة، نجد المتدين التقليدي يعجب ـ بجهل باذخ ـ: كيف يجرؤ المرض أن يصيب قاصدي بيت الله، كيف يمكن أن يصيب المرض هؤلاء المجتمعين قصد التعبد لله؟!.

الله أمر بالاجتماع لتقديسه وتمجيده، بينما الطب المرتبط بمنطق العلم الحديث يرى في هذا الاجتماع خطرا؛ فينهى عنه. في التصور التقليدي المتخلّف، ثمة ثنائية صراعية تتساءل ـ صراحة أو ضمنا ـ على النحو التالي: الله يقول: اجتمعوا، بينما العلم الحديث يقول: لا تجتمعوا. وهنا ـ وللأمر أبعاده في الصراعات المجتمعية على النفوذ ـ يتساءل المتدين التقليدي: أي قانون يجب على الجماهير الاستماع إليه، هل تطيع الجماهير قوانين الله (أي تتبع مؤسسات التقليد الديني/ تتبع رجال الدين)، أم تطيع العلم الحديث (أي تتبع المؤسسات الحديث/ تتبع رجال العلم/ تعتقد بتفوق المنجز الغربي)؟!.

لهذا، وتحت وطأة هذا الشعور البدائي/ المتخلف، هذا التصور المأزوم للصراع الوهمي بين الله والعلم، وجدنا من يعاند العلم لينصر الله؛ فيقيم صلاة الجماعة خارج ساحات المساجد بعد أن أغلقت الحكومات أبواب المساجد ونهت عن الجماعات كذاك وجدنا حُرّاس المراقد المقدسة وسدنتها يضعون المتدين الجماهيري/ الشعبوي في مواجهة مع إيمانه، إما أن يحضر إلى المراقد في حشود متراصة، مؤمنا أن قدسية المراقد ستحميه من أخطر وباء يجتاح العالم اليوم، وإما أن يعترف بأنه غير صادق في إيمانه، من حيث هو مؤمن بمنطق العلم الحديث الذي أصبح في تقابل ضدي مع منطق التقديس الديني.

اقرأ للكاتب أيضا: الوباء والعولمة والثقافة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.