سعوديات في معرض توظيف نظم في الرياض في يناير/كانون الثاني الماضي
سعوديات في معرض توظيف نظم في الرياض في يناير/كانون الثاني الماضي

سيسيلي هيلاري
ترجمة بديعة منصوري

أثار إعلان المملكة العربية السعودية انطلاق مشروع لتشييد مناطق صناعية خاصة بالنساء، جدلا وتساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستسهم في تقدم المرأة أم أنها ستزيد من عزلتها في مجتمع ذكوري كثيرا ما ينعت من قبل الحقوقيين بأنه يقصي بناته.

وأعلنت هيئة المدن الصناعية "مدن" في وقت سابق من الشهر الجاري أنها بصدد بناء عدد من المدن الصناعية ستشمل مناطق خاصة بالنساء وسيسمح فيها للمواطنات السعوديات الراغبات في العمل، بالحصول على وظائف دون انتهاك القوانين التي تحظر الاختلاط في أماكن العمل. 

وتقول الهيئة إن أولى هذه المدن ستكون مدينة الأحساء، التي سيتم افتتاحها خلال عام.

ويعد المشروع واحدا من بين سلسلة خطوات اتخذتها المملكة بهدف تعزيز دور المرأة في المجتمع السعودي، بينها قرار الملك عبد الله بن عبد العزيز في الخريف الماضي منح المرأة حق التصويت في الانتخابات البلدية والمشاركة في مجلس الشورى.

كما أطلق وزير الشغل في العام الجاري سلسلة من التوجيهات الجديدة بينها وقف مطالبة النساء بإذن أزواجهن أو أولياء أمورهن للعمل، وإلزام المحلات التجارية النسائية بتوظيف نساء فقط، كما قامت الحكومة بإعطاء أوامر للمصانع بتشغيل مزيد من النساء وطلبت من الشركات وغيرها من أماكن العمل تخصيص مناطق للموظفات.

سبب التغيير

وعن هذه الإجراءات يقول كبير الباحثين في مركز وودرو ويلسن الدولي بواشنطن ديفيد أوتاواي في مقال نشره مؤخرا،  إن المملكة "تسارع لصد انفجار اجتماعي"، حسب تعبيره.

ويبلغ 150 ألف سعودي سن 18 كل عام، فيما يدخل حوالي 300 ألف متخرج سوق العمل سنويا كثير منهم يحصلون على شهادات في الخارج مستفيدين من برنامج منح دراسية تم اعتماده في عام 2005 من جانب سلطات المملكة التي تبلغ نسبة الخريجين من النساء فيها 60 بالمئة.

وتخشى السلطات من حدوث أزمة بطالة في صفوف الشباب قد تؤدي إلى عدم استقرار في البلاد، وذلك في ظل التغيرات الديموغرافية السريعة وعدم قدرة سوق العمل على استيعاب كل الداخلين إليه، لذلك فإن الحكومة منشغلة بخلق فرص عمل جديدة وتغيير سياسات معتمدة بأسرع وقت ممكن، كما يقول الخبراء.

وستوفر مدينة الأحساء 10 آلاف وظيفة جديدة نصفها مخصص للنساء، فيما هناك خطط لبناء مزيد من المدن الصناعية التي ستحتضن موظفات أيضا.

ومن خلال مشروع حكومي جديد تطلق عليه الحكومة اسم "نطاقات"، تعتزم المملكة استبدال حوالي ستة ملايين من العمال الأجانب داخل أراضيها بشباب سعودي. كما أن الحكومة وضعت تأمينا للبطالة يعرف بـ"الحافظ" لا يمنح فوائد للنساء فحسب، بل يعطي السلطات فكرة أوضح عن نسبة المواطنين الذين يبحثون عن عمل.

وقال خالد الخضير، مؤسس مبادرة Glowork.net  لتمكين المرأة، إن "برنامج الحافظ يسمح لجميع الشباب بين 20 و35 بالاستفادة من برنامج يمنح 800 دولار شهريا لفترة تمتد عاما".

وأضاف أن أكثر من مليون و200 ألف امرأة سعودية مسجلة في البرنامج حاليا، مشيرا إلى أن 80 بالمئة من المتقدمين للاستفادة من البرنامج هم من النساء.

ولمواجهة الاحتياجات الوظيفية لدى المرأة السعودية، أنشأ الخضير ما أسماه بـ"محطة توقف واحدة"، فموقع Glowork يمنح قائمة بأسماء الشركات التي توظف نساء ويضمن خصوصية المقدمات على وظائف، كما يمنح إرشادات مهنية على المستوى الجامعي، ويعمل مع الحكومة في محاولة لزيادة التنوع في الوظائف العمومية إلى نسبة 50 بالمئة.

وكشف الخضيري أن مبادرته ساعدت على توظيف ستة آلاف مواطنة سعودية وأنها تسعى لتوظيف 50 ألفا خلال السنوات الخمس القادمة.

طبيعة الإصلاح

لكن، إذا تم توظيف النساء رغم استمرار الفصل بين الجنسين، هل يمثل هذا تقدما حقيقيا؟ كرسيستوف ويلك، كبير الباحثين في منظمة هيومن رايتس ووتش فرع شمال إفريقيا والشرق الأوسط قال "نعم ولا".

وأضاف أنه "ليس باستطاعة كل محل تجاري صغير أو مقهى تخصيص طابقين أحدهما للنساء والآخر للرجال، ومصعدين وحمامات منفصلة. لذا فإنه على الرغم من محاولة الحكومة تسهيل دخول النساء إلى سوق العمل، فإن القوى الدينية في المملكة تذكرهم بأن استيعاب النساء لا يمكن أن يتم  إلا مع الفصل بين الجنسين".

وتابع ويلك قائلا "إنني لا أعتقد أن المناطق المخصصة للنساء فقط في مدن مثل الأحساء هي الحل الأخير للمساعدة على تمكين النساء"، معتبرا أن "العوامل الحقيقية التي تقيد السعوديات هي قضية الفصل بين الجنسين ونظام الكفالة الذي يمنح الأب أو الأخ أو حتى الابن حق اتخاذ القرارات نيابة عن المرأة".

إلا أن ويلك قال إن التغييرات في السعودية تشكل نقطة انطلاق جيدة، مضيفا أن "هذا يمكن أن يكون بمثابة المرحلة الجنينية، بحيث يجعل من مسألة عمل المرأة أمرا مقبولا في المجتمع السعودي ولدى الشركات السعودية وقد يكون له تأثير على المدى البعيد".

تحديات

النساء المؤهلات للعمل يحظين بدعم الحكومة والشركات التي توصف بأنها "تقدمية"، كما تقول المذيعة والكاتبة والناشطة الحقوقية المقيمة في جدة سمر فتاني.

وأضافت أن "بعضا من المقاومة القوية للتغيير تأتي في الحقيقة من داخل المجتمع السعودي نفسه".

وأوضحت فتاني أنه "لعدة قرون كان المواطنون السعوديون، خاصة النساء، معزولين عن بقية العالم، وتم تلقينهم تفسيرا متشددا للغاية للقوانين والقواعد الإسلامية، لذلك من الصعب جدا الطلب منهم وبشكل مفاجئ أن يقولوا لا لكل هؤلاء المتشددين وزعماء الدين الذين تمتعوا باحترام المجتمع".

وأضافت فتاني أن "قيادة السيارة ليست منافية للإسلام، والعمل لا يتعارض مع الدين، وتحدي الأزواج المتعسفين ليس منافيا للدين".

وخلصت إلى أنها محظوظة لأنها تعيش في مدينة مثل جدة تضم جنسيات مختلفة ويطلع المواطنون فيها على أفكار جديدة بسبب التوافد الدائم للحجاج من مختلف أنحاء العالم، مشيرة إلى أنها تحظى كذلك بدعم أسرتها.

إلا أن فتاني قالت إن النساء في المناطق القروية أو القبلية قد يشعرن بالخوف من الذهاب إلى العمل، مشيرة إلى أن "كثيرا منهن ينظرن إلى بعضهن البعض وينتظرن من منهن ستقوم بالخطوة الأولى"، على حد تعبيرها.

ترامب يؤكد أن السعودية ستضخ استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة . أرشيفية
ترامب يؤكد أن السعودية ستضخ استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة . أرشيفية

قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تكرار ما فعله في ولايته الأولى، واختار السعودية لتكون وجهته الخارجية الأولى، في رحلة يبدو أنها تحمل أكثر من مجرد "جمع أموال".

كشف البيت الأبيض، الثلاثاء، أن الزيارة ستكون في مايو، دون إعلان تاريخ محدد أو تفاصيل تتعلق بجدول أعمال الزيارة.

ونقلت وكالة رويترز وموقع أكسيوس الأميركي، خلال الأيام الماضية أن الزيارة ستكون في منتصف مايو، ضمن جولة تشمل قطر والإمارات.

وقال ترامب بوقت سابق إنه من المرجح أن يسافر إلى السعودية لإبرام اتفاقية تستثمر بموجبها الرياض ما يزيد عن تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي، بما في ذلك شراء معدات عسكرية.

وأشار إلى أن أول رحلة خارجية له في ولايته الأولى كانت إلى الرياض عام 2017 للإعلان عن استثمارات سعودية قُدرت قيمتها آنذاك بمبلغ 350 مليار دولار.

لماذا السعودية؟

الكاتب والمحل السياسي السعودي، سعد عبد الله الحامد، قال للحرة، إنه انطلاقا من "مكانة المملكة اقتصاديا وسياسيا ودوليا، يحاول ترامب في ولايته الثانية تعزيز وضعه السياسي ويضع خطوطا عريضة لعلاقاته في المنطقة".

وأضاف أن الرئيس الأميركي يحاول توطيد علاقاته مع الحلفاء في المنطقة "وملء الفراغ الذي تركته إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وبشكل عام يحاول وضع استراتيجية شفافة للتعامل مع الحلفاء في الشرق الأوسط".

المحللة الأميركية وعضو مركز واشنطن أوتسايدر للحرب المعلوماتية، إيرينا تسوكرمان، إن خطوة ترامب "مدروسة" وتعكس بوضوح أولويات سياسته الخارجية ورؤيته للمشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

وأوضحت أن هناك أسباب عديدة تجعله يختار المملكة كمحطة أولى "فهو يرسل رسالة مفادها أن السعودية شريك استراتيجي رئيسي، وأنه يعتزم إعادة تأكيد النفوذ الأميركي في المنطقة".

كما أشارت في حديثها للحرة إلى أن من بين الأهداف أيضا "تعزيز التحالف المناه لإيران. وقد تركز الزيارة على الضمانات الأميركية للمملكة وحلفائها الخليجيين الآخرين، مع ضمان تشكيل تحالف إقليمي أكثر تماسكا في وجه إيران".

والأحد، هدد ترامب بقصف "غير مسبوق" على إيران، إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن برنامجها النووي.

وقال لشبكة "إن.بي.سي. نيوز": "إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق فسيكون هناك قصف. سيكون قصفاً من النوع الذي لم يروا مثله من قبل".

غزة وإسرائيل

تعمل الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على الوصول لاتفاق يضمن وجود علاقات طبيعية بين السعودية وإسرائيل، لكن اندلاع الحرب في غزة وامتداده إلى مناطق أخرى في المنطقة تسبب في تعثر تلك الجهود.

وطالما ربطت المملكة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بوجود دولة فلسطينية على حدود عام 1967، إلا أن هذا الأمر رفضته الحكومة الإسرائيلية بشكل صريح.

وتسعى المملكة لتعزيز قدراتها العسكرية وفي المجال النووي السلمي، وتحاول واشنطن استخدام ذلك في صفقة التطبيع مع إسرائيل.

قالت تسوكرمان إن البعض "قد يختزل زيارة ترامب في المفاوضات الاقتصادية وعقود الدفاع، لكن انخراط ترامب مع المملكة يتجاوز بكثير مجرد المعاملات المالية".

وأضافت للحرة أن السعودية "تسعى لتحديث دفاعها، وربما تسفر الزيارة عن اتفاقيات جديدة بشأن التدريب المشترك ومبيعات الأسلحة المتطورة وتوسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية".

كما أوضحت أنه "في حين أن السعودية لم تُطبّع علاقاتها رسميا مع إسرائيل، إلا أن جهود ترامب الدبلوماسية قد تُركز على تعزيز التقارب".

"زيارة تتجاوز المال"

واصل الحامد، حديثه وقال إن ترامب بالفعل يسعى لتعزيز مكانة الاقتصاد الأميركي، وكرجل أعمال يريد في المقام الأول تعزيز الوضع الاستثماري والتجاري مع السعودية".

لكنه أوضح أن "الهاجس الاقتصادي ليس الهم الأول لهذه الزيارة، بدليل أن السعودية تقود عملية سياسية حاليا ومفاوضات مهمة بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية، وكذلك جهود إعادة العلاقات بين الجانب الأميركي والروسي".

وتابع: "التركيز ليس على إطار واحد فقط اقتصادي، وإنما هناك أبعاد سياسية كبيرة. وللمملة تأثير دولي وسياسي كبير في المنطقة وهو أمر يدركه ترامب".

ترامب، صرح في مارس أن زيارته إلى السعودية تستهدف إبرام اتفاقية تستثمر بموجبها الرياض ما يزيد عن تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك شراء معدات عسكرية.

وألمح إلى إمكانية توقيع اتفاقيات مماثلة في قطر والإمارات.

وقال ترامب "سيتم خلق فرص عمل هائلة خلال هذين اليومين أو الثلاثة". ولم يتطرق الرئيس الأميركي لتفاصيل هذه الصفقات.

ورجح أحد المصادر في تقرير لرويترز، أن تشمل موضوعات النقاش حرب روسيا المستمرة منذ ثلاث سنوات في أوكرانيا والحرب في غزة.

وتضطلع السعودية بدور بارز في السياسة الخارجية الأميركية حاليا، بما في ذلك استضافة محادثات وقف إطلاق النار التي تجريها الولايات المتحدة مع روسيا وأوكرانيا.

وطالما تعهد ترامب بإضافة المزيد من الدول إلى اتفاقيات إبراهام، وهي سلسلة من اتفاقيات التطبيع التي تفاوضت عليها إدارته بين إسرائيل وبعض دول الخليج خلال ولايته الأولى.

وقال ترامب إن دولا أخرى ترغب في الانضمام إلى الاتفاقيات. وبينما يشير البيت الأبيض إلى الرياض كمشارك محتمل في الاتفاقيات، فإن لدى السعوديين تحفظات تجاه إسرائيل بسبب الحرب على غزة.

تسوكرمان اختصرت عنوان الزيارة بأنه "استعراض قوة استراتيجي يتجاوز المال"، مشيرة إلى أن الاقتصاد "بالغ الأهمية بلا شك، لكن حصر الزيارة في مجرد صفقة مالية يقلل من شأن الأهداف الاستراتيجية الأوسع التي يسعى الجانبان إلى تحقيقها".