في 19 أكتوبر الماضي، في أعقاب توقيع اتفاقيات السلام بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل، دعا تنظيم "داعش" أنصاره إلى استهداف الأجانب الغربيين في السعودية، وشن هجمات انتقامية لتدمير بينة المملكة الاقتصادية.
وقال أبو حمزة القرشي، المتحدث باسم التنظيم، في تسجيل صوتي، إنّ "المملكة دعمت التطبيع من خلال فتح المجال الجوي أمام الطيران الاسرائيلي في رحلاته إلى الإمارات"، بحسب التسجيل الذي بثته "مؤسسة الفرقان" التابعة للتنظيم الإرهابي.
واعتبر أنّ "اتفاقيات التطبيع يعتبر خيانة للإسلام"، مضيفاً أنّ "الأهداف كثيرة، تبدأ بضرب وتدمير خطوط أنابيب النفط والمصانع والمنشآت التي تشكل مصدر دخل الحكومة الطاغية".
وبالفعل في أقل من شهر، شهدت السعودية عمليتان إرهابيتان، تبنى داعش إحداهما، فقد تبنى التنظيم في بيان نشرته حسابات جهادية على تطبيق تلغرام، تفجير عبوة ناسفة في مقبرة لغير المسلمين في جدة في غرب السعودية خلال إحياء دبلوماسيين أوروبيين ذكرى اتفاق الهدنة في 11 نوفمبر 1918.
وأسفر الانفجار عن إصابة شخصين على الأقل، وقال بيان داعش "تمكنت مفرزة أمنية من جنود الخلافة من زرع عبوة ناسفة في مقبرة الخواجات في حي البلد في مدينة جدة"، مضيفاً أنه "بعد تجمّع عدد من قناصل" الدول الأوروبية "فجّرها المجاهدون عليهم، ما أدى لإصابة عدد منهم".
يثبت وجوده
ويرى ناصر زهير، الباحث في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط، أن داعش يسعى من خلال العمليات الأخيرة أن يثبت وجوده في شبه الجزيرة العربية بعد تراجع كبير في العمليات الإرهابية في هذه المنطقة في الفترة الأخيرة.
وأضاف في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن داعش يحاول استغلال الصدام بين المعسكر المعتدل والمتشدد في السعودية بسبب التغيرات التي يجريها ولي العهد لإثبات نفسه، كما يحاول استغلال الغضب بين المسلمين ضد فرنسا، لتجنيد الشباب واستهداف المصالح الغربية في المملكة.
بينما قال الكاتب والمحلل السياسي مبارك آل عاتي، أن ما حدث في السعودية عمليات فردية صغيرة، تأتي ضمن موجة من التطرف والغضب تجتاح العالم عى إثر نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد، مؤكدا على رفضه لأي عمل إرهابي كبير أو صغير
وذكر في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن هناك موجة من التطرف تظهر على السطح على مستوى العالم، وكانت بدايتها في فرنسا والنمسا.
بدوره، صرح الدكتور فايز الدويري، المحلل العسكري، أن العمليات التي حدثت أقل تعقيدا من العمليات التي يقوم بها تنظيم داعش، مما يعني أن من قام بالعملية هم "الذئاب المنفردة" وهم الأشخاص المؤيدون لفكر داعش ولكن لم يتلقوا تدريبات على يد عناصر التنظيم.
الضرب بيد من حديد
وتأتي هذه العمليات في الوقت الذي تعاني فيه المملكة من تفشي فيروس كورونا، وانخفاض أسعار البترول والأزمة الاقتصادية المترتبة عليها، بالإضافة إلى تزايد هجوم جماعة الحوثي على المملكة، والتي كان آخرها الساعات الماضية، عندما أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف بقيادة السعودية قامت "باعتراض وتدمير زورقين مفخخين مسيرين عن بعد أطلقتهما المليشيا الحوثية الإرهابية التابعة لإيران من محافظة الحديدة".
كما أعلنت قناة الإخبارية السعودية، الخميس، أن قوات التحالف اعترضت ودمرت طائرتين بدون طيار مفخختين أطلقهما الحوثيون المتحالفون مع إيران باتجاه السعودية.
من جانبه، تعهّد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الخميس بــ"الضرب بيد من حديد" ضد المتطرفين في المملكة المحافظة، بعد هجومين على القنصلية الفرنسية ومقبرة لغير المسلمين تبنّى إحداهما تنظيم الدولة الاسلامية.
وقال الأمير الشاب في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الحكومية، "عملنا اليوم أصبح استباقيا، وسنستمر في الضرب بيد من حديد ضد كل من تسول له نفسه المساس بأمننا واستقرارنا"، مضيفا "لم يعد التطرف مقبولا في المملكة العربية السعودية".
صعوبة كبيرة
وجاءت عملية مقبرة جدة، بعد أقل من أسبوعين، على هجوم بسكين على القنصلية الفرنسية في جدة، وإصابة حارس القنصلية، في أعقاب نشر باريس رسوم كاريكاتورية للنبي محمد.
كما أنه خلال الأيام الماضية، أعلنت الشرطة الهولندية أن عدة رصاصات أٌطلقت على السفارة السعودية في لاهاي من دون وقوع اصابات، من دون أن تُعرف دوافع إطلاق النار.
ويخشى مراقبون من تكرار مشاهد عامي 2003 و2004، عندما أعلن تنظيم القاعدة الحرب على المملكة، بسبب موقفها من الحرب الأميركية على نظام صدام حسين في العراق، ونفذ العشرات من العمليات الإرهابية، والتي كان أبرزها استهداف مجمعات سكنية في السعودية يسكنها غربيون، والتي أسفرت عن مقلت 20 شخصا وإصابة 194 آخرين.
وعن قدرة ولي العهد على التعامل مع هذا الملف الجديد، أكد زهير أن ولي العهد قادر على التعامل مع ملف الإرهاب، إلا أنها سيواجه صعوبة كبيرة لضعف خبرته في ملف الإرهاب، على حد قوله،، لأن ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف، كان المسؤول عنه لسنوات طويلة في وزارة الداخلية.
وأشار إلى أنه لم يتم تغير القيادات فقط ولكن تم تغير الكثير من الضباط في الوزارة أيضا، وبالتالي المسؤولين الحاليين ليس لديهم خبرة في هذا الملف، ولم يتعاملوا مع قضايا كبيرة من هذا النوع من قبل، مؤكدا أن استراتيجية وآلية المواجهة هي ما ستحدد قدرة ولي العهد على المواجهة.
ولفت إلى أن ما سيزيد من صعوبة الأجهزة الأمنية السعودية على المواجهة، هو اعتماد التنظيم على استراتيجية "الذئاب المنفردة"، وهي عبارة عن أشخاص متفرقون لا توجد قيادة لهم، ينفذون العمليات التي تطلب منهم، مما يجعل من الصعب الوصول إليهم.
أكثر جاهزية
بينما يرى آل عاتي أن سياسة الأمير محمد بن سلمان قادرة على مواجهة هذه الموجة من التطرف، مشيرا إلى ان الوضع الحالي في المملكة أفضل بكثير مما كانت عليه في 2016، وتابع "لم نعد نسمع عن العمليات الإرهابية الكبيرة التي كانت تضرب البلاد كل عام. أصبحت السعودية أكثر أمنا وجذبا للاستثمار".
ويعتقد أن وضع وزارة الداخلية السعودية حاليا أكثر جاهزية وقدرة على مواجهة الإرهاب بعد هيكلتها، مشيرا إلى أنها خلال الشهور الماضية نجحت في وأد العشرات من العمليات الإرهابية.
يذكر أن المملكة شهدت منذ تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد في عام 2017، انفتاحا اجتماعيا غير مسبوق شمل السماح بإقامة الحفلات الموسيقية ورفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة وإعادة فتح دور السينما وتقليص دور الشرطة الدينية.
وكان الأمير الذي يُنظر إليه على أنه الحاكم الفعلي للمملكة، تعهّد قبل ثلاث سنوات بإنهاء مظاهر التشدد في السعودية، وقال الخميس "لقد قدمت وعودا في عام 2017 بأننا سنقضي على التطرف فوراً، وبدأنا فعلياً حملة جادة لمعالجة الأسباب والتصدي للظواهر. خلال سنة واحدة، استطعنا أن نقضي على مشروع أيديولوجي صُنع على مدى 40 سنة".