بعد الارتباط الوثيق بين الصين وإيران من خلال الصفقة الاستراتيجية الممتدة لـ 25 عاما، وتباين الآراء والمواقف مع روسيا، يؤكد محللون سعوديون أن الولايات المتحدة لا تزال هي الحليف الأول الذي يمكن للرياض الوثوق به.
وعلى الرغم من التصريحات السابقة للإدارة الأميركية الجديدة المتعلقة بإعادة ضبط العلاقات مع السعودية بشأن ملف حقوق الإنسان، إلا أن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين تبقى متينة، وفقا لهؤلاء المحللين الذين تحدثوا لموقع "الحرة".
في الاتجاه ذاته، وعطفا على فتور العلاقات بين البلدين بعد وصول الرئيس، جو بايدن، للبيت الأبيض في يناير الماضي، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إن "تمزيق العلاقة مع الرياض لن يساعدنا على تعزيز مصالحنا".
في مقابلة تلفزيونية لشبكة "سي إن إن"، الأحد، وصف بلينكن، الأمير محمد بن سلمان بقائد السعودية المستقبلي، مردفا: "لدينا مصلحة قوية للعمل معه وتحديدا في العمل على إنهاء حرب اليمن التي ربما تكون أسوأ أزمة إنسانية في العالم. هذا يتطلب مشاركة من السعوديين".
تصريح لم يفاجئنا ولم يفرحنا كذلك لأننا نعرف حجم بلادنا وأهميتها وتأثيرها في منطقتها والعالم ونعرف أيضًا من هم قادتنا وأن احترامهم واجب وليس خيار..
— عبدالرحمن بن مساعد بن عبدالعزيز🇸🇦 (@abdulrahman) March 29, 2021
تصريح عاقل من وزير خارجية أمريكا القوة الأكبر في العالم..
أحر التعازي للموتورين الذين طاروا فرحًا بفوز بايدن نكايةً بالسعودية 🤷♂️😂 https://t.co/RmWJzAKXPw
تعليقا على تلك التصريحات، وصف الأمير عبدالرحمن بن مساعد،وهو الناشط في موقع تويتر، الولايات المتحدة بأنها "القوة الأكبر في العالم"، وقال في تغريدة إن تصريحات بلينكن لا تمثل مفاجأة لهم.
حلف تاريخي
ويرى أستاذ الإعلام السياسي، عبدالله العساف، أن الولايات المتحدة تبقى "الحليف الأكثر موثوقية" للسعودية مهما تباينت الرؤى بعد وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض.
وقال لموقع "الحرة" إن الشراكة مع واشنطن تمثل "حلفا تاريخيا لا يمكن لأي دولة أن تملأه"، لكنه استدرك بقوله إن الولايات المتحدة قصّرت في التزاماتها تجاه دول المنطقة.
وأضاف: "حتى الآن هذه المنطقة أميركية بامتياز، والولايات المتحدة تبقى هي الحليف الأكثر موثوقية وهي الأقرب للرياض والعلاقات بين البلدين قوية منذ قرابة 9 عقود".
بدوره، قال المحلل السياسي، مبارك آل عاتي، إن "البلدين مترابطين للغاية اقتصاديا وسياسيا" بعد المحافظة على العلاقات وفق "مستوى قوي من الاستقرار والثبات على مدى أكثر من 80 عاما".
وبينما يعتقد الباحث في العلاقات الدولية، حمدان الشهري، أن الولايات المتحدة "مضطرة" إلى التحالف مع السعودية لقطع الطريق على تزايد النفوذ الصيني في المنطقة على خلفية الصفقة الأخيرة مع طهران، يقول الصحافي السعودي المهتم بالشؤون الأميركية، عيسى نهاري، لموقع "الحرة" إن "أميركا حليف يصعب استبداله".
وقال الشهري إن "الصين تعزز علاقاتها مع إيران (...) وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دورا (...) لإزاحة الصين من نفوذها في المنطقة".
والأحد، أبدى الرئيس بايدن، قلقه من معاهدة التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، التي وقعتها كل من الصين وإيران، والتي قد تعمق النفوذ الصيني في الشرق الأوسط.
علاقات ترمم نفسها
يقول نهاري إن "العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية تستمد قوتها من الرغبة المشتركة لدى الإدارات الأميركية في حفظ توازن القوى في الشرق الأوسط"، مردفا: "رغم أن بايدن أمر بتجميد مبيعات السلاح للسعودية مؤقتا (...) فإن واشنطن عززت إمكاناتها العسكرية في عدة مناطق سعودية بالتنسيق مع الرياض".
وأضاف نهاري أن الهدف من ذلك "إيجاد خيارات إضافية لمواجهة التهديد الإيراني، بخاصة أن قاعدتي ميناء الشعيبة بالكويت والعديد بقطر بات يُنظر لهما بأنهما عرضة للصواريخ الباليستية الإيرانية".
من جهته، قال العساف: "نعم مرت علاقات البلدين بمنعطفات حادة تاريخيا في عام 1973 وأحداث 11 سبتمبر (...) لكن العلاقات القوية ترمم نفسها وتعود بصورة أقوى بعد ذلك".
ويتفق آل عاتي في حديثه لموقع "الحرة" مع العساف بقوله إن العلاقات السعودية الأميركية "تعرضت لهزات عديدة من دون أن تصل إلى القطيعة" باعتبار أن "المملكة حليف استراتيجي وشريك أساسي موثوق به للولايات المتحدة".
وأضاف آل عاتي أن "تملك السعودية القدرة على احتواء الهزات التي تعترض علاقاتها مع واشنطن، فهي تؤمن أن علاقاتها قامت مع الولايات المتحدة كدولة وليس كحزب أو رئيس وهذا أحد أسباب استمرار تلك العلاقة بندية واحترام متبادل".
رؤية خاطئة
واستبعد العساف أن يكون هناك تحالف سعودي مناوئ لأميركا حتى وإن توترت العلاقات، قائلا إن "الانفتاح على الشرق لا يعني أننا ندير ظهرنا إلى الغرب. يجب أن ننوع سلتنا السياسية تماما مثلما ننوع سلتنا الاقتصادية"، مردفا: "من حق دول الخليج صناعة تحالفات إقليمية ودولية مع دول أخرى مثل الصين وباكستان (...) لكن أميركا تبقى حليفا وثيقا على الرغم من تقديم الإدارة الجديدة الأيدولوجيا على المصالح السياسية والاقتصادية"، على حد قوله.
ويرى نهاري أن هناك رؤية خاطئة في المنطقة بأن روسيا والصين هما بديل الولايات المتحدة، وهو ما لا يناسب السعودية، فموسكو هي الوحيدة التي لم تصوت ضد الحوثيين في مجلس الأمن، وبكين وقعت مع إيران اتفاقية لمدة 25 عاما.
وأضاف أن "شراكة واشنطن وحلفائها في الخليج ستزداد قوة. لكن في الوقت نفسه، ستحافظ السعودية كونها أحد أكبر منتجي النفط على التنسيق والتفاهم مع روسيا، وستعزز التعاون الاقتصادي مع الصين".
وتتباين وجهات النظر بشكل واضح بين السعودية وروسيا، خصوصا فيما يتعلق بإنتاج النفط في السنوات الأخيرة، في حين لجأت الصين إلى إيران، فيما يراه محللون بأنه رغبة من بكين في توسيع نفوذها بالمنطقة على خلفية الصفقة الاستراتيجية التي تمد 25 عاما.
وتنص الصفقة التي وقعت، السبت، على منح بكين النفط الإيراني بأسعار زهيدة مقابل استثمارات صينية داخل إيران في مجالات متعددة، بما في ذلك إنشاء القواعد العسكرية، وفقا لتقارير إعلامية.
ورغم أن كبير الباحثين في مركز الخليج للأبحاث، هشام الغنام، يرى أن السعودية والولايات المتحدة ستعملان عن قرب وعلى جميع الجبهات في الوقت الحالي والمستقبل القريب إلا أنه قال إنه "سيتعين على المملكة مواجهة السياق الدولي والإقليمي المتغير من خلال توسيع العلاقات مع القوى الرئيسية والمتوسطة الأخرى، لضمان سد أي فجوة أو فراغ أميركي بالردع الاستراتيجي الضروري".
ومع ذلك، استبعد الغنام أن تهدد العلاقات السعودية مع روسيا والصين، الشراكة الأميركية مع المملكة في هذه المرحلة، مشيرا إلى أن علاقة الرياض مع بكين "لا تزال علاقة بائع ومشتري".
وفيما يتعلق بالعلاقات السعودية الروسية، أوضح أن موسكو "لها مصالح حيوية في المنطقة لا تستطيع الاستغناء عنها" وأن السعوديين "يختلفون بشكل كبير في الآراء والسياسة مع روسيا"، وفقا للغنام.
ومضى قائلا: "لا ينبغي للرياض أن تنظر إلى نهج بايدن على أنه تهديد. ولكن كفرصة للمضي قدما في بناء شراكات استراتيجية مع دول مهمة في العالم".
ملفات مشتركة
وبينما تختلف واشنطن مع الرياض في ملفات حقوق الإنسان، تدافع إدارة بايدن عن السعودية في الحفاظ على أراضيها من هجمات الحوثيين، وتتفق معها على ضرورة تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، لكن تبقى الرؤى مختلفة في طريقة التعاطي مع طهران.
في هذا الصدد، قال الغنام، إن الرياض ملتزمة "من جانبها بتعزيز علاقتها مع الولايات المتحدة على الرغم من السياسات المتباينة الواضحة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع إيران".
وأضاف لموقع "الحرة" أنه "من الآمن أن نفترض أن العلاقة بين المملكة والولايات المتحدة ستبقى مهمة واستراتيجية على أساس مؤسسي"، مردفا: "بعبارة أخرى، بينما شدد بايدن على دعم قيم معينة في إدارة سياسته الخارجية، فإن الإجابة على ما إذا كان سيضحي بعلاقة إستراتيجية مع قوة إقليمية مهمة مثل السعودية بسبب الاختلافات في أنظمة القيم بين البلدين تكاد تكون لا".
وتعليقا على إثارة الرئيس جو بايدن ملف حقوق الإنسان في السعودية، قال العساف: "صحيح أن القضايا الإنسانية ذات أولوية لكن التطبيق يختلف من دولة إلى أخرى".
وتساءل عن نظرة الولايات المتحدة بالجار الإيراني وجماعة الحوثي في اليمن، قائلا: "إيران ترغب في بسط نفوذها على مضيق باب المندب بالإضافة إلى مضيق هرمز وهنا تحكم سيطرتها على المنطقة من دون الحاجة لسلاح نووي".
في المقابل، قال نهاري إن "إدارة بايدن تريد إنهاء الحرب والرياض تشاركها تلك الرغبة"، مشيرا إلى أن "مشاركة الدبلوماسية الأميركية في مسار الحل السياسي تصب في مصلحة السعودية؛ لأنها تربك الحوثيين الذين اعتادوا على إطلاق الصواريخ والطائرات المفخخة".
ووفقا للعساف، فإن "السعودية هي الدولة الأكثر موثوقية للولايات المتحدة، باعتبارها تملك وزنا إقليميا ودوليا، فضلا عن اعتبارها الزعيم الروحي للعالم الإسلامي"، حسب قوله.
