أفادت تقارير صحفية أن السعودية ودول منتجة للنفط يسعون لتكوين جبهة موحدة في محادثات المناخ؛ لمعارضة الدعوات المتزايدة لخفض الاستثمار في الوقود الأحفوري، في الوقت الذي أعلنت فيه المملكة عزمها الوصول للحياد الكربوني عام 2060.
وتقول الرياض وحلفاؤها في منظمة أوبك إن أي دعوات لخفض الاستثمار في تطوير النفط والغاز الطبيعي، في قمة المناخ للأمم المتحدة التي تنطلق 31 أكتوبر في غلاسكو، اسكتلندا، يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتوسيع الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال.
وأشارت وثائق حصلت عليها شبكة بي بي سي البريطانية إلى أن السعودية واليابان وأستراليا، من بين دول أخرى، طلبت من الأمم المتحدة التقليل من شأن الحاجة إلى التخلي سريعا عن الوقود الأحفوري. وطالب مستشار لوزارة النفط السعودية بشطب عبارات مثل "الحاجة إلى إجراءات عاجلة ومتسارعة على جميع الأصعدة" من التقرير، بحسب القناة البريطانية.
وطلبت السعودية، من علماء الأمم المتحدة شطب خلاصتهم بأن "جهود إزالة الكربون في قطاع الطاقة ينبغي أن تركز على التحول سريعا إلى الصفر، والتخلي تدريجيا عن الوقود الأحفوري"، بحسب بي بي سي، التي أشارت أيضا إلى أن دولا أخرى كان لها اعتراضات على هذه الجملة، حيث قالت النروج إن علماء الأمم المتحدة يجب أن يضعوا في الاعتبار تقنيات تنقية الهواء وتخزين الكربون كأحد وسائل تقليل انبعاثات الوقود الأحفوري. كما كشفت الوثائق أيضا أن مسؤولا أستراليا رفض الاستنتاج المطروح بضرورة إغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم.
وقالت وكالة الطاقة الدولية في مايو الماضي، إن الحكومات والشركات يجب أن توقف على الفور الاستثمار في تطوير النفط والغاز الجديد إذا كان العالم يريد تحقيق صافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول 2050.
"لا تمثل الرأي العالمي"
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي السعودي، عماد الرمال، أن هذه التقارير الصحفية "غير صحيحة"، متهما وكالة الطاقة الدولية بأنها "تناقض نفسها".
وأوضح الرمال في تصريحات لموقع "الحرة" أن وكالة الطاقة أصدرت تقريرا قبل أشهر تدعو الدول المنتجة للنفط لخفض استثماراتها في النفط والتوجه إلى الطاقة البديلة، "لكن في الأزمة الحالية التي تشهدها أوروبا بسبب نقص الغاز الطبيعي وإمدادات الوقود الأحفوري، عادت تستجدي روسيا ودول الأوبك من أن تزيد ضخها للوقود الأحفوري لمحاولة تجنب ارتفاع أسعار الوقود أكثر من ذلك"، على حد قوله.
وتابع: "التوصيات الصادرة من وكالة الطاقة الدولية للنفط تعبر عن الدول المستورد للنفط فقط، ولا تمثل أي توجه واسع، أو رأي عالمي".
ووفق ما قاله أشخاص مطلعون للصحيفة الأميركية، فقد طلبت السعودية من الدول المصدرة للنفط معارضة توصية وكالة الطاقة الدولية الخاصة بخفض الاستثمارات في الوقود الأحفوري.
وبحسب الصحيفة، فقد أرجعت السعودية ذلك إلى أن مثل هذا الهدف الصارم للوصول إلى صفر استثمارات في الوقود الأحفوري من شأنه أن يقلل العرض، قبل أن ينخفض الطلب العالمي بشكل كبير، مما يهدد بارتفاع أسعار النفط بصورة حادة.
وتقول السعودية والدول المنتجة للنفط إن حظر الاستثمار ليس عادلاً أيضًا للاقتصادات التي تعتمد بشكل مفرط على استيراد أو تصدير النفط والغاز.
وطبقا للصحيفة، فقد طلب المسؤولون السعوديون من العلماء بأمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، التخلي عن هدف "صافي الانبعاثات الصفري"، وهو مصطلح استخدموه في تقرير صدر في أغسطس.
وطلبت أيضًا استبدال مصطلح "انبعاثات الكربون" بـ "انبعاثات غازات الاحتباس الحراري"، وهو مصطلح أوسع يشمل جميع الانبعاثات التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري وليس فقط تلك التي تأتي من حرق الوقود الأحفوري.
السعودية محور المناقشات
وينظر إلى مؤتمر "كوب 26" الذي سيعقد بين 31 أكتوبر و12 نوفمبر على أنّه خطوة حاسمة في تحديد أهداف الانبعاثات العالمية لإبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري.
وتشكل صادرات المملكة من النفط والغاز العمود الفقري لاقتصادها، على الرغم من الجهود المبذولة للتنويع بعيدًا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري لتحقيق الإيرادات. قاومت المملكة جهود كبح استثماراتها في النفط، بحسب وول ستريت.
وتعد السعودية دولة مهمة نسبيا بالنسبة لخفض انبعاثات للكربون، حيث تنبعث منها حوالي 600 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي أكثر من فرنسا وأقل قليلاً من ألمانيا التي ينبعث منها 800 مليون طن سنويا، بحسب فرانس برس.
ويريد المفاوضون إعادة تأكيد الالتزام الذي تم التعهد به في اجتماع مماثل في باريس في عام 2015، والذي دعا الحكومات إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى ما يقرب من 1.5 درجة مئوية مقارنة بأيام ما قبل الصناعة.
وأكدت الصحيفة الأميركية أن دور الرياض كأكبر مصدر للنفط الخام في العالم، وإحجامها عن الالتزام بتخفيضات محددة للانبعاثات، جعلها محورًا رئيسيًا في الموقف الدبلوماسي والمفاوضات الجارية بالفعل بين الدول قبل المحادثات.
كانت وزارة الخارجية الأميركية، أعلنت الخميس، أن المبعوث الرئاسي الخاص للمناخ، جون كيري، سيسافر إلى السعودية في الفترة من 24 إلى 25 أكتوبر، للمشاركة مع نظرائه في الحكومة السعودية وقادة القطاع الخاص في الجهود المبذولة لمعالجة أزمة المناخ.
وخلال وجوده في الرياض سيشارك الوزير كيري في قمة مبادرة الشرق الأوسط الخضراء.
وأوضحت الخارجية أن لقاءات كيري ستعزز جهود الدبلوماسية المناخية الثنائية والمتعددة الأطراف للولايات المتحدة قبل المؤتمر السادس والعشرين للأطراف (COP26) في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (UNFCCC) الذي سيعقد في بين 31 أكتوبر إلى 12 نوفمبر في غلاسكو بالمملكة المتحدة.
الوصول للحياد الكربوني
وفي النسخة الأولى للمنتدى السنوي لمبادرة لسعودية الخضراء، تعهد ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، اليوم السبت، بأن تصل السعودية إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول 2060.
وأعلن ولي العهد في كلمة مسجلة عن خطط لخفض انبعاثات الكربون بأكثر من 278 مليون طن سنويا كجزء من مبادرة السعودية الخضراء، والتي قال إنها ستشهد استثمارات تزيد عن 700 مليار ريال (186.63 مليار دولار).
وقال محمد بن سلمان: "أعلن اليوم عن استهداف المملكة العربية السعودية الوصول للحياد الصفري في عام 2060 من خلال نهج الاقتصاد الدائري الكربوني. وتابع أنّ "ذلك يتوافق مع خطط المملكة التنموية وتمكين تنويعها الاقتصادي". كما أعلن "انضمام المملكة للتعهد العالمي بشأن الميثان الذي يستهدف تخفيض الانبعاثات العالمية من الميثان بثلاثين بالمئة".
يقول الرمال إن مبادرات اليوم هي واحدة من سلسلة من المبادرات التي أطلقتها المملكة وتبناها ولي العهد بنفسه، مشيرا إلى أن "الوصول إلى الحياد الكربوني في عام 2060 هو الأكثر واقعية في العالم، لا يمكن لأي دولة أن تقوم بالحياد الكربوني في 10 أو 20 عاما، والدليل ما يحدث في العالم من أزمة في الوقود الأحفوري وعدم قدرة الطاقة البديلة لمنافسة الطاقة الأحفورية".
وأضاف "الدول المستورد للنفط ترفع شعارات لمحاربة النفط أو الوقود الأحفوري دون أن تكون مبنية على أدلة واقعية"، بحسب قوله.
وأعرب الرمال عن إعجابه بمبادرة ولي العهد لزراعة 10 مليار نبتة في المملكة و40 مليار في الشرق الأوسط، وأشار إلى أن "إصلاح الأراضي هو من الأساسيات المهمة التي تتجاهلها كثير من الدول، لأن الغازات الدفيئة مصدرها الزراعة بطريقة تجعل الأرض لا تتنفس وقطع الأشجار، أكثر من إنتاج النفط وحرقه".
وتأتي هذه المبادرات فيما تواجه شركة أرامكو السعودية العملاقة تدقيقًا من قبل المستثمرين بشأن انبعاثات الطاقة. وتعتمد السعودية حاليًا على النفط والغاز الطبيعي لتلبية طلبها المتزايد على الطاقة وتحلية مياهها وهو ما يستهلك كميات هائلة من النفط يوميًا.
وقال خبراء إن بلوغ هدف الحياد الكربوني في عام 2060 يعد متأخر فعليًا مقارنة بعشرات الدول التي وعدت بتحقيق ذلك بحلول 2050، نظريا على الأقل، بحسب فرانس برس.
أما عن نتائج قمة غلاسكو، فيتوقع الرمال أن يكون هناك صراع بين "الشعارات والمصالح"، مشيرا إلى أن "مصالح الدول المنتجة للنفط ستنتصر لآن الشعارات التي ترفعها الدول المستورد للنفط خاصة في أوروبا لا تستند على أي دليل علمي". وقال: "ما سيحدث في المؤتمر هو ما حدث في المؤتمرات السابقة مجرد تعهدات لا التزام فيها"، بحسب تعبيره.
من ناحية أخرى، يعلق قادة العالم آمالا على قمة غلاسكو في تحقيق تقدم ملموس لمواجهة تغير المناخ العالمي. وقال جون كيري في تصريحات سابقة لصحيفة الغارديان: "مقياس النجاح في غلاسكو هو أننا سنحصل على أعلى وأهم زيادة في الطموح [بشأن خفض الانبعاثات] من عدد من البلدان، أكثر مما كان يتصوره الجميع".
وأكد رئيس قمة المناخ، الوزير البريطاني ألوك شارما، السبت، إن التوصل إلى اتفاق عالمي للمناخ في غلاسكو في الأسابيع الثلاثة المقبلة سيكون أصعب من توقيع اتفاقية باريس لعام 2015. وقال في تصريحات لـ"لغارديان" إن المهمة ستتمثل في حمل ما يقرب من 200 دولة على تنفيذ تخفيضات صارمة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.