الاختلاط أصبح مسموحا به في بعض الأماكن في السعودية
الاختلاط أصبح مسموحا به في بعض الأماكن في السعودية

كتب الصحفي البريطاني، ريتشارد كويست، تقريرا عن تجربته في السعودية بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها هناك، ورؤيته بنفسه التغييرات "العميقة" والتي تحدث بسرعة "فائقة".

وكتب الصحفي في مقال على "سي أن أن": "لقد رأيت البلدان تتغير من قبل، لكنني لا أعتقد أنني رأيت أي شيء يشبه التغيير الذي يحدث في السعودية. إنه ليس مثل سقوط أوروبا السوفيتية، ولا الاضطرابات التي شهدتها سريلانكا مؤخرا. تغيير السعودية متعمد وعميق الأثر ودراماتيكي".

وأضاف في المقال أن الصورة النمطية عن السعودية، حيث يجب أن تكون المرأة مغطاة بالكامل ولا اختلاط بين الجنسين، وحيث توجد شرطية دينية لا تتسامح، تغيرت.

وكجزء من التغيير، تنفق السعودية "مبالغ باهظة لإنشاء مدن جديدة ومناطق جذب سياحي (تخطيط طويل الأجل لعالم ما بعد النفط) وفي السعودية اليوم، هناك ثابت واحد فقط: التغيير بسرعة فائقة".

السعودية تراهن على تريليون دولار في إطار خطتها لتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط

والرجل الذي يقف وراء هذه التغييرات هو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، مهندس إصلاحات السعودية، الذي يقوم بتحديث الاقتصاد بسرعة هائلة، ويخلق فرصا هائلة، لكنه يتعرض أيضا لانتقادات شديدة بسبب سجل المملكة في مجال حقوق الإنسان.

المارد خرج من القمقم

ويروي الصحفي تجربته قائلا: "لم أتوقع أبدا أن أرى رجالا ونساء يختلطون معا  و"دي جي" يطلقون ألحانا عالية والجماهير تتمايل مع الموسيقى".

وتشرح طبيبة الأسنان والروائية السعودية الشهيرة رجاء الصانع: "حدث هذا فقط في السنوات الخمس الماضية". 

وتقول الصانع، التي ألفت رواية "بنات الرياض"، وهي حكاية 4 نساء وحياتهن العاطفية المعقدة، إنها لا تعتقد أن هذه التغييرات يمكن عكسها، وتقول: "الجني لن يعود إلى القمقم".

ويقول كويست في المقال إن "لغز السعودية هو محاولة احترام ماضي البلاد، مع إدخال إصلاحات تهدف إلى إفادة السكان المحليين، وجذب السياح إلى مكان يمكن أن يشعرون أنه غير مكتشف، وهذا سلعة نادرة في عصر السفر الحديث".

وفي حين أن الحقيقة الأساسية أن هناك تقدما يحدث، لاتزال المرأة بحاجة إلى إذن ولي الأمر للزواج أو نقل الجنسية، وهو  ما تصفه الروائية بأنه أحد جوانب "إنجاز نصف العمل " في الإصلاح السعودي.

ويقول الكاتب إن مدينة الرياض تتفوق بالعدد الهائل لأماكن تناول القهوة، مع انتشار المقاهي على الطراز الغربي في كل مكان خلال السنوات القليلة الماضية. 

ويشير إلى تجربة إنشاء مقهى MW Café الذي يملكه مغني راب أميركي، تحول إلى عالم الأعمال بعد مشاكل مع فرقته الموسيقية ومقتل أحد أعضائها.

موتا بيلي

ويقول موتا بلي، مالك المقهى، إنه كان يبحث عن شيء من شأنه أن يجلب له السلام، وقد وجده باعتناق الإسلام والانتقال إلى المملكة وإتمام مناسك الحج، وقد عاش هناك لمدة 11 عاما، وأصبحت القهوة شغفه.

ويقول: "عندما جئت إلى هنا لأول مرة، لم يكن بإمكانك الجلوس في الخارج وتناول فنجان من القهوة.. أنا أستمتع بهذه الأشياء الآن. لديك الكثير من التغييرات".

ويضيف: "يمكنني ركوب دراجتي الآن في الحي الذي أعيش فيه، ويمكنني حرفيا تناول القهوة وتناول ساندوتش".

وقد تبدو هذه أشياء صغيرة، لكنها في الواقع تطورات كبيرة في بلد عاش أسلوب حياة مختلف عن الغرب وأجزاء كثيرة من العالم العربي لعقود، وفق المقال.

ويشير الكاتب إلى أن التغيير لا يقتصر فقط على الرياض، ففي منطقة عسير، على بعد 900 كيلومتر من الرياض، في الجنوب الغربي، يحدث الانتقال أيضا لكن بصورة أخف، ففي الفندق الذي أقام فيه، كان يسمح بالاختلاط وعدم ارتداء الحجاب، رغم أن غالبية من يفعلون ذلك من المغتربين والغربيين، لكن السعوديين "يستوعبون ما يحدث جيدا ويقررون بشكل فردي ما هي الوتيرة المناسبة لحياتهم".

عسير تشهد تغييرا

وفي قرية المفتاحة الفنية في مدينة أبها، عاصمة عسير، التي كانت غنية بالإبداع على مدى قرون، ازدهرت أعمال الفنان السعودي الشهير عبد الناصر غارم. 

ويقول كويست إن محافظ منطقة عسير، وليس الفنانين أنفسهم، هو الذي أنشأ هذه المساحة للمبدعين في عام 1989. 

ومنذ ذلك الحين، أخرجت "المستعمرة، التي تمولها الحكومة، الفن بحرية في بلد ملزم بقانون ديني صارم".

وهذا "مثال كلاسيكي على التناقض السعودي". 

ويجسد غارم التوازن الذي تحاول السعودية تحقيقه، ويعتقد الفنان أن "العالم الذي تم إنشاؤه في قرية المفتاحة للفنون قد أظهر الطريق للبلاد ككل".

ويضيف الفنان: "في البلد كله، كانت المفتاحة المكان الوحيد الذي يمكنك أن تجد فيه الفن والموسيقى.. بصراحة، كان الأمر صعبًا للغاية، لأننا نشعر بمقاومة المجتمع".

ويقول كاتب المقال إن في "بلد يمر بمثل هذا التغيير العميق، لا يمكن التوصل لاستنتاجات شاملة، لأننا في منتصف العاصفة ومن الصعب رؤية النتيجة النهائية".

ويضيف أن ما اكتشفه، سواء في شوارع الرياض المزدحمة، أو في جبال عسير الباردة، أو استكشاف الماضي القديم في العلا، هو أن "كل شيء في السعودية يبدو أنه يتغير".

لكن شيئا حدث بعد زيارته ويظهر "الصعوبة التي يواجهها الجميع عندما يتعلق الأمر بالسعودية: بعد أسبوع من مغادرتي، في مارس، أعدمت البلاد 81 شخصا في يوم واحد، بسبب جرائم إرهابية".

ويقول: "هذا يثير السؤال بشأن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه السعودية لجلب العالم، قبل أن تصبح التجاوزات أكثر من اللازم".

الحجاج المسلمون يتجمعون في جبل عرفات
موسم الحجم يتأثر بشكل متزايد بالتغير المناخي

يصلي أكثر من 1.5 مليون حاج مسلم، السبت، على جبل عرفة في ذروة مناسك الحج، وهم يتلون القرآن ويتوجهون بالدعاء للفلسطينيين في غزة وسط درجات حرارة مرتفعة.

وتوجه المصلون الذين أتوا من مختلف أنحاء العالم إلى هذه التلة الواقعة على بعد حوالي عشرين كيلومترا من مكة المكرمة.

وصل بعض الحجاج بثياب الإحرام البيضاء عند الفجر ومنهم محمد آسر، وهو حاج مصري يبلغ من العمر 46 عاماً، ويقول إن لديه قائمة من الأشخاص الذين طلبوا منه أن يصلي من أجلهم مؤكدا "إنه اليوم الأكثر أهمية".

ويضيف لوكالة فرانس برس "أدعو أيضاً للفلسطينيين، فليكن الله في عونهم".

ويصادف موسم الحج هذا العام مع احتدام الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس.

تحذير سعودي

وحذر وزير الحج السعودي توفيق الربيعة الأسبوع الماضي، من أنه لن يتم التسامح مع "أي شعارات سياسية"، لكن ذلك لم يمنع أحد الحجاج من الهتاف دعماً للفلسطينيين.

وهتف الحاج بالقول "ادعوا لإخواننا في فلسطين، في غزة (...) الله ينصر المسلمين".

وأصدر الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أمراً باستضافة ألف حاج "من أسر الشهداء والجرحى من قطاع غزة"، ليرتفع عدد الحجاج الفلسطينيين لأداء مناسك هذا العام إلى ألفي شخص، بحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وبعدما أمضوا ليلتهم داخل الخيام في منى، على الحجاج الصعود إلى عرفة تحت شمس حارقة وحرارة تصل إلى 43 درجة مئوية ما يطرح تحديات خصوصا للمسنين من الحجاج خلال يوم الصلاة الطويل هذا.

ويتأثر موسم الحجم وهو من أكبر التجمعات الدينية في العالم بشكل متزايد بالتغير المناخي بحسب دراسة سعودية أفادت بأن الحرارة في المنطقة ترتفع 0,4 درجة مئوية في كل عقد.

وتقول أبرامان هوا من غانا والبالغة 26 عاما إن أداء المناسك التي تمتد خمسة أيام على الأقل وغالبها في الهواء الطلق "ليس بالأمر السهل بسبب الحر".

وتضيف "في بلدنا تكون الشمس ساطعة لكن الحرارة ليست مرتفعة مثل هنا. سأصلي في عرفة لأني بحاجة إلى دعم الله".

وبما أن القبعات محظورة على الرجال أثناء الشعائر، يحمل العديد منهم المظلات، بينما يحاول آخرون إنعاش أنفسهم في المناطق المظللة النادرة في المكان أو تحت المرشات العملاقة.

وللوقاية من ضربة الشمس، خصوصاً بين كبار السن، استحدثت السلطات السعودية رقماً طبياً للطوارئ. وتقول إنها خصصت أكثر من 280 سريراً لحالات الإجهاد.

وشجعت السلطات السعودية الحجاج على شرب كميات كافية من المياه وحماية أنفسهم من أشعة الشمس الحارقة.

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة السعودية محمد العبد العالي إنه تم تسجيل أكثر من عشرة آلاف حالة من الأمراض المرتبطة بالحر العام الماضي أثناء الحج، بما في ذلك 10 في المئة من ضربات الشمس، وهي أخطر أشكالها.

وعند وصوله في الصباح الباكر إلى جبل عرفة، وجد أحمد كريم عبد السلام، وهو حاج هندي يبلغ من العمر 33 عاماً، فكرة قضاء يوم كامل هناك "مخيفة بعض الشيء".

وأضاف "لكن إن شاء الله، كل شيء سيكون على ما يرام"، مؤكداً أنه سيذهب للحصول على "مظلّة وبعض مرشات المياه".

يشارك في الحج أكثر من مليون ونصف مليون مسلم هذه السنة، ويعدّ أحد أكبر التجمّعات الدينية في العالم.

وبعد الوقوف على عرفة يتوجه الحجاج عند الغروب إلى المزدلفة حيث يجمعون الحصى لرمي الجمرات في منى.

ويُمثل الحج إلى مكة مكاسب مالية للسعودية، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، والتي تسعى إلى تقليص اعتمادها على النفط من خلال تطوير السياحة الدينية خصوصاً.

وإلى جانب الحج، هناك أيضاً مناسك العمرة التي تكون بقصد الزيارة ويمكن أداؤها على مدار العام، وقد جمعت 13,5 مليون معتمر في العام الماضي، مع سعي السلطات للوصول إلى 30 مليون معتمر بحلول العام 2030.

وشارك في العام 2023 أكثر من 1,8 مليون شخص، جاء نحو 90 في المئة منهم من خارج المملكة، معظمهم من الدول الآسيوية والعالم العربي.