الرئيس السوداني عمر البشير
الرئيس السوداني عمر البشير

ملأت الشائعات الشارع السوداني وعمت مجالس الساسة تكهنات حول مستقبل البلاد بعد كشف النقاب عن محاولة انقلاب قام بها قادة كبار في الجيش الأسبوع الماضي، وذلك عقب عودة الرئيس عمر البشير من رحلة خارجية أجرى خلالها عملية جراحية.
 
فقد ذكرت أجهزة الأمن السودانية أنها أحبطت فجر الخميس الماضي محاولة انقلاب عسكري خططت له "مجموعة من القيادات العسكرية البارزة المحسوبة على الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها البشير"، مستغلين الخلافات السياسية بين زعماء حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
 
واعتقلت السلطات إثر المحاولة الفاشلة 13 مدنيا وعسكريا أبرزهم مدير جهاز المخابرات السابق المستشار الأمني للرئيس البشير الفريق صلاح قوش الذي أعفي من منصبه في أبريل/نيسان الماضي، ونائب مساعد العملية العسكرية لاستعادة منطقة هجليح النفطية من قبضة قوات جنوب السودان العميد محمد إبراهيم عبد الجليل واللواء عادل الطيب.
 
تداعيات المحاولة
 
وقالت مصادر عسكرية إن حالة من التذمر العام انتشرت في صفوف الجيش وميليشيات الدفاع الشعبي الموالية للحكومة بعد اعتقال القيادات العسكرية المتهمة بالتخطيط لمحاولة الانقلاب، فيما نفى مسؤولون في حزب المؤتمر الوطني ضلوع أي من قيادات الحزب في مخطط الانقلاب، واستبعدوا حدوث انشقاقات داخل الحزب الحاكم.
 
وعقد المكتب التنفيذي لقيادة الحزب الحاكم اجتماعا طارئا للوقوف على الوضع الأمني عقب المحاولة.
 
وكشف عضو المكتب قطبي المهدي كشف قطبي عن عزم الحزب إجراء إصلاحات واسعة داخل أجهزة الحزب على خلفية المحاولة الانقلابية، مضيفا أن "الأحداث الأخيرة وما جرى خلال مؤتمر الحركة الإسلامية جعل القيادات تدرك خطورة الأمور".
 
فهل تؤثر المحاولة الانقلابية والخلافات السياسية وحتى صحة البشير التي تحوم حولها شكوك، على مستقبل حزب المؤتمر الوطني ورئيس الجمهورية؟
 
مستقبل البشير والمؤتمر الوطني
 
جاء نظام البشير إلى السلطة بانقلاب عسكري في 30 يونيو/حزيران 1989 على حكومة الصادق المهدي التي انتخبت عام 1986، وجرت انتخابات حامت حول نزاهتها كثير من الشكوك ثبتت البشير في الحكم. وأعيد انتخاب الرئيس البشير عام 2010 لخمس سنوات في انتخابات قال الاتحاد الأوروبي إنها لم تتوخ المعايير الدولية.
 
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق البشير في 2009 بتهمة ارتكاب جرائم وأخرى ضد الإنسانية في إقليم دارفور غربي السودان المضطرب منذ عام 2003.
 
وأخفق النظام في الحفاظ على وحدة البلاد بانفصال الجنوب في يوليو/تموز 2011، وذهبت ثروة السودان النفطية إلى الدولة الجديدة، مما خلق أزمة اقتصادية طاحنة لا يزال السودان يعاني من تداعياتها وسيظل لسنوات مقبلة، حسب المراقبين.
 
ومع اتساع نطاق السخط الشعبي احتجاجا على غلاء المعيشة والضائقة الاقتصادية، وبروز دعوات لإسقاط النظام، بدأ البعض بالحديث عن خليفة البشير في الانتخابات المقبلة. وكشف صحافيون مقربون من الحزب الحاكم أن نائبي الرئيس علي عثمان محمد طه والحاج آدم ومساعده نافع علي نافع ووزير شؤون الرئاسة بكري حسن صالح من أبرز المرشحين لخلافة البشير.
 
فيما أشار نائب رئيس البرلمان السوداني القيادي في المؤتمر الوطني هجو قسم السيد إلى أهمية البدء في إجراءات اختيار خليفة للبشير استعدادا للانتخابات الرئاسية المقررة في 2015. وأوضح أن من واجب الحزب أن يختار شخصية مقبولة تنال ثقة الشعب السوداني، معللا ذلك بأن البشير لا يعتزم الترشح مرة أخرى للرئاسة.
 
وفي المقابل، أفاد مساعد الأمين العام للمؤتمر الشعبي المعارض علي الحاج محمد خلال لقاء عبر مع قناة "الحرة"، بأن القوى السياسية المعارضة تناقش في الوقت الراهن مسودة دستور انتقالي يمكن بمقتضاه معالجة جميع القضايا التي تواجه البلاد.
 
وأشار إلى أن أغلب القوى السياسية الأخرى "ضد النظام وتنادي بإسقاطه".
 
صحة عمر البشير
 
وأسهم سفر البشير للعلاج والغموض الذي يكتنف حالته الصحية بتعزيز الحديث عن إيجاد بديل له. فقد جرت ترتيبات رسمية تسلّم بموجبها النائب الأول علي عثمان محمد طه إدارة شؤون البلاد خلال فترة سفر الرئيس، تحسبا لأي طارئ.
 
يقول الخبير الإعلامي القيادي في الحزب الحاكم ربيع عبد العاطي لموقع "راديو سوا" أن البشير الآن بصحة جيدة "وليس هناك من يقول إن صحته معتلة لدرجة أن يستبدل الآن"، وإذا حدث أمر طارئ له فإن الأمور ستسير وفقا للدستور، نافيا أن يكون هناك أي حديث بشأن البحث عن بديل.
 
غير أن الصحافي والكاتب السياسي طلحة جبريل إن البشير يعاني مشاكل صحية خطيرة "لأنه أجرى عمليتين جراحيتين في الدوحة والرياض" خلال ثلاثة أشهر لاستئصال ورم في الحلق، حسب قوله.
 
وقال مساعد الأمين العام للمؤتمر الشعبي المعارض علي الحاج محمد إن كل الاحتمالات واردة ومفتوحة في ظل عدم معرفة حقيقة مرض البشير وخطورته.
 
ويشير دستور البلاد إلى أن آلية نقل السلطة تتم عبر تولي النائب الأول للرئيس زمام الأمور لفترة زمنية محددة إلى حين انتخاب رئيس جديد.
 
وأوضح عبد العاطي أن الصيغة التي ينتخب بها الرئيس السوداني من قبل الحزب، تتم من خلال الترشح عبر المؤسسات يليها الطعن والتعديل والتداول، ومن ثم التوصل إلى قرار غالب بإختيار شخص ما تنطبق عليه الشروط والمواصفات ليقدم إلى الرئاسة، وهي مراحل مؤسسية لإنضاج القرار والإجماع عليه لوضعه موضع التنفيذ، على حد وصفه.
 
وأسقط الشعب السوداني حكومتين عسكريتين في أكتوبر/تشرين الأول 1964 وأبريل/نيسان 1985، دون أن يكون لديه تصور للبديل، بل انطلقت ثورته من مبدأ الحرية والعدالة والديمقراطية والشفافية، ومن يدري فقد يعيد التاريخ نفسه الآن.

القتال في الفاشر قد يطلق العنان لصراع قبلي دموي . أرشيفية
القتال في الفاشر قد يطلق العنان لصراع قبلي دموي . أرشيفية

حذر مسؤولون كبار في الأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي، الجمعة، من أن نحو 800 ألف شخص في مدينة الفاشر السودانية معرضون "لخطر شديد ومباشر" في ظل تفاقم أعمال العنف والتهديد "بإطلاق العنان لصراع قبلي دموي في جميع أنحاء دارفور".

واندلعت الحرب في السودان قبل عام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، ما أحدث أكبر أزمة نازحين في العالم.

وقالت، روزماري ديكارلو، مسؤولة الشؤون السياسية بالأمم المتحدة، لمجلس الأمن المؤلف من 15 عضوا إن الاشتباكات بين قوات الدعم السريع وأفراد من قوات الدفاع الشعبي المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية تقترب من الفاشر عاصمة شمال دارفور.

وذكرت ديكارلو "القتال في الفاشر قد يطلق العنان لصراع قبلي دموي في جميع أنحاء دارفور"، مرددة تحذير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي أطلقه، الاثنين.

وقالت الأمم المتحدة إن ما يقرب من 25 مليون نسمة، أي نصف عدد سكان السودان، بحاجة إلى المساعدة، وفر نحو ثمانية ملايين من منازلهم.

وقالت أديم وسورنو، مديرة قسم العمليات والمناصرة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "يشكل العنف خطرا شديدا وفوريا على 800 ألف مدني مقيمين في الفاشر".

وأضافت "ويهدد ذلك بإثارة مزيد من العنف في أجزاء أخرى من دارفور حيث يوجد أكثر من تسعة ملايين شخص في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية".

وقالت هيئة عالمية معنية بالأمن الغذائي تدعمها الأمم المتحدة أواخر الشهر الماضي إن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء فوري "لمنع حدوث خسائر في الأرواح على نطاق واسع والانهيار التام لسبل العيش وتجنب أزمة جوع كارثية في السودان".

وتعهد مانحون بتقديم أكثر من ملياري دولار للسودان الذي مزقته الحرب في مؤتمر عقد في باريس، الاثنين.