لقطة من مسلسل أبو عمر المصري
لقطة من مسلسل أبو عمر المصري

تسبب مسلسل "أبو عمر المصري" بأزمة دبلوماسية بين مصر والسودان، استدعت على إثرها وزارة الخارجية السودانية السفير المصري بالخرطوم وأبلغته احتجاجا رسميا بسبب "تشويه" صورة السودان.

وتتهم الخرطوم المسلسل بتصوير السودان خاصة "كردفان والدمازين" كملاذ آمن للإرهاب والمتشددين، من خلال انتقال الشخصية الرئيسية "فخر الدين" التي يؤديها النجم أحمد عز إلى داخل السودان وتحوله إلى كادر في جماعة متطرفة.

ودشن نشطون سودانيون هاشتاج "#مسلسل_ابوعمرالمصري_يسيء_للسودان"، عبروا في عن مواقفهم الرافضة للصورة التي ظهرت فيها بلادهم.

​​ووصل الأمر ببعض المغردين إلى انتقاد النظام السياسي المصري، والمسؤولين السودانيين الذين وافقوا على تصوير جزء من أحداث المسلسل في السودان.

ورغم أن الشركة المنتجة للمسلسل ليست مملوكة للدولة، والتنويه في مقدمة كل حلقة أن "أماكن وأحداث وشخصيات المسلسل من وحي خيال صناع العمل"، فإن هذا لم يمنع السلطات السودانية من مطالبة نظيرتها المصرية بإيقافه.

وأشار بيان الخارجية السودانية إلى أن "وزير الخارجية بالإنابة، السفير محمد عبد الله إدريس تناول أمر هذا المسلسل الرديء، وطلب إيقاف محاولات العبث والتشكيك في علاقات البلدين الشقيقين، وذلك خلال لقائه مع وزير الخارجية المصري السفير سامح شكري منتصف شهر مايو الجاري بأديس ابابا".

وقال البيان إن "سفارتنا بالقاهرة احتجاجا رسميا لدى وزارة الخارجية المصرية. وقد استدعت الوزارة يوم 16 مايو الجاري السفير المصري بالخرطوم وأبلغت سفارته احتجاجا رسميا كما سلمت مذكرة بذلك لسلطات بلاده".

وشهدت الفترة الماضية توترا في العلاقات بين مصر والسودان بسبب تحول موقف السودان إلى جانب إثيوبيا في ملف سد النهضة الإثيوبي، إلى جانب ملف جماعة الإخوان المسلمين واتهام مصر للسودان بإيواء عناصر الجماعة الهاربين، فضلا عن نزاع مستمر بين البلدين على مثلث حلايب وشلاتين الحدودي. 

حذف بعض المشاهد

لم تعقب الخارجية المصرية على الاحتجاج السوادني، لكن شبكة قنوات (أون) التلفزيونية التي تعرض المسلسل أصدرت بيانا قالت فيه إن العمل "بني على وحي وخيال مؤلفه ولم يتضمن مشاهد أو تلميحات للدولة السودانية أو حكومتها أو الشعب السوداني الشقيق". 

لكن رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد أعلن حذف بعض المشاهد التي أثارت غضب السودان.

وقال "لا أرى أي مبرر لغضب الإدارة السودانية من المسلسل على وجه الإطلاق. الإرهاب يمكن أن يكون في أي مكان في مصر أو السودان، وقد يجد في أي مكان ملاذا آمنا، ولا أظن أن هذا يدعو للغضب الشديد".

ويقدم المسلسل رحلة 20 عاما من حياة المحامي الذي يؤدي شخصيته فخر الدين الذي ينتهي به الطريق إلى السقوط في براثن الإرهاب.

وينشأ بطل المسلسل يتيما فقيرا، ويتخرج من كلية الحقوق في تسعينيات القرن الماضي في القاهرة، ثم يحاول إحقاق الحق ونصرة الضعيف والمظلوم بالطرق القانونية، ما يوقعه في مشاكل وملاحقات ويتعرض للظلم، إلى أن يضطر للهروب من مصر، فيتحول إلى إنسان قابل للتحول الفكري تستخدمه المنظمات الإرهابية.

وبني العمل على قصص أبطال حقيقيين، أوردهما الأديب المصري عز الدين شكري فشير في روايتيه "مقتل فخر الدين" و"أبو عمر المصري" والأولى صدرت عام 2009، وتدور حول المصري فخر الدين، المحامي الحالم الذي يلقى مصرعه على يد قوة غامضة، أما الثانية فتتناول كيف يُصنع الإرهابي، وتحكي رحلة أبو عمر المصري منذ اللحظة التي قُتل فيها فخر الدين زميله المحامي الذي كان يدافع معه عن قضايا المضطهدين، حيث جمعتهما السيناريست مريم نعوم، في مسلسل واحد.

أزمة المؤلف

أزمة أخرى تسبب فيها المسلسل، ويبدو أنه سيواجه القضاء، بعد أن أزال المسلسل اسم مؤلف الروايتين اللتين بنيت عليهما قصة المسلسل. 

وقال فشير على حسابه على تويتر "​فوجئت بإزالة اسمي من بوسترات مسلسل "ابوعمر المصري" وإعلاناته ثم من مقدمة المسلسل نفسه، بحيث أصبح يبدو وكأنه من تأليف كاتبة السيناريو، وذلك في مخالفة صريحة للقواعد المعمول بها ونقضا لنصوص العقد المبرم بيني وبين الشركة المنتجة، والذي تم بمقتضاه تحويل روايتي "مقتل فخرالدين" و "أبوعمر المصري" إلى هذا المسلسل".

وكان فشير قد دعا لمصالحة وطنية بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن دعوته قوبلت بحملة تشويه له من قبل وسائل إعلام مصرية قريبة من النظام، وأيضا محسوبين على جماعة الإخوان. 

وكشف فشير اتخاذه إجراءات قضائية ضد منتجي المسلسل قائلا "مع تقديري لأسرة المسلسل وتمنياتي لهم بالنجاح، فقد شرعت في اتخاذ الإجراءات القانونية لإلزام الشركة المنتجة باحترام حقوق التأليف الخاصة بالروايتين".

​​و

مع الذكرى الأولى لفض اعتصام القيادة الدموي في الخرطوم، مواكب احتجاجية ومطالبات بلجنة تحقيق دولية
مع الذكرى الأولى لفض اعتصام القيادة الدموي في الخرطوم، مواكب احتجاجية ومطالبات بلجنة تحقيق دولية

لا يزال الكشف عن طلاسم جريمة فض اعتصام السودانيين أمام مقر الجيش وسط الخرطوم، يوم الثالث من يونيو 2019، هاجسا يؤرق مضجع أهالي الضحايا. 

فبعد عام على سقوط عشرات القتلى في الهجوم، يتمسك أهالي الضحايا بأمل كشف مرتكبي العملية، ويطالبون بتحقيق دولي يؤدي الى محاسبة المسؤولين عن قتل أحبائهم.

كشه عبد السلام كشه، هو والد عبد السلام الذي كان في الخامسة والعشرين من عمره عندما قتل في عملية نفذها رجال يرتدون زيا عسكريا قبل عام من اليوم. يقول لوكالة فرانس برس "نطالب بلجنة تحقيق دولية لضمان حق الشهداء".

كان آلاف المعتصمين يتجمعون أمام مقر قيادة الجيش منذ أسابيع طويلة، مطالبين بحكومة مدنية وبحكم ديموقراطي بعد إطاحة الجيش بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019.

وفي ذلك اليوم، فتح مسلحون النار على المعتصمين وفضوا الاعتصام بالقوة، ما خلّف 128 قتيلا بين المتظاهرين، وفق تحالف الحرية والتغيير الذي قاد الاحتجاجات. بينما تتحدث الأرقام الرسمية عن مقتل 87 شخصا.

وشكلت الحكومة الانتقالية، التي تولت السلطة في البلاد في صيف 2019 بعد مفاوضات شاقة مع المحتجين، لجنة تحقيق مستقلة في أحداث الثالث من يونيو 2019، لكن اللجنة لم تعلن نتائج عملها بعد.

"نرفض هذه اللجنة"

عند مدخل منزل عائلة كشه الذي يبعد حوالى خمسمئة متر عن مقر قيادة الجيش ووزارة الدفاع، علّقت صورة لعبد السلام. ويقول الوالد الذي له ابنان آخران وابنة "نحن نرفض هذه اللجنة".

ويتذكر  والد عبد السلام مثل هذا اليوم من العام الماضي قائلا "أسرعت إلى مكان الاعتصام بعد أن تلقيت اتصالات هاتفية عدة قالت لي إن ابني قد مات". وعثر على ابنه في وقت لاحق وقد أصيب برصاصات عدة في أنحاء جسده.

وتقول آمنه بحيري، والدة عبد السلام، "لن نعفي عمّن أهدر دم الشهداء ولن نتنازل عن حقهم".

وكانت منظمة العفو الدولية طالبت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بإجراء تحقيق دولي في أحداث الثالث من يونيو.

"لابسينو نحن وشاح"

وخرج العشرات، الأربعاء، في تظاهرة في شوارع الخرطوم على الرغم من منع التجمعات في إطار إجراءات الوقاية من فيروس كورونا المستجد، وحملوا صور الضحايا الذين سقطوا في عملية فض الاعتصام، وبينهم عبد السلام. وهتفوا "دم الشهيد ما راح لابسينو نحن وشاح".

في سبتمبر 2019، شكل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لجنة مستقلة برئاسة المحامي الحقوقي المخضرم نبيل أديب. وكان من المفترض أن تقدم اللجنة تقريرها خلال ثلاثة أشهر، ولكنها طلبت في ديسمبر الماضي تمديد المهلة ثلاثة أشهر أخرى.

ويقول أديب لفرانس برس "لم تكن الأشهر الثلاثة كافية"، مضيفا "هذه جريمة فيها عدد كبير من المتهمين فضلا عن الملابسات السياسية" التي أحاطت بها. وأعرب عن أسفه لأن ثلاثة أشهر أخرى "ضاعت بسبب كورونا".

وتكرّر آمنة وهي تنظر الى صور لابنها عرضتها داخل المنزل، فيما صوتها يختنق بالدموع "أنا غير معترفة بهذه اللجنة"، مضيفة ان هذه اللجنة "لن تأتي بحق الشهداء".

"شخصيات نافذة"

وقال حمدوك في كلمة بثها التلفزيون الرسمي بمناسبة الذكرى "إنني أؤكد لكم جميعا أن تحقيق العدالة الشاملة والقصاص لارواح شهدائنا الأبطال (...) خطوة لا مناص ولا تراجع عنها". 

ويقول نبيل أديب "هذه جريمة بشعة حركت ضمير الشعب"، متابعا "الاتهام فيها قد يطال شخصيات نافذة"، من دون أن يذكر مزيدا من التفاصيل.

ويشير إلى إن اللجنة استمعت إلى شهادات عدة، مؤكدا أنه تم إعطاء ضمانات للشهود بأنه لن يتم الكشف عن أسمائهم.

ويضيف أديب "استمعت اللجنة كذلك إلى اتهامات بحصول حوادث اغتصاب في مكان فضّ الاعتصام".

لا حصانة لمرتكبيها

وقالت منظمة "فيزيشنز فور هيومان رايتس" (أطباء من أجل حقوق الإنسان)، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من الولايات المتحدة مقرا، في تقرير لها صدر في مارس، "الانتهاكات التي ارتكبت في الثالث من يونيو 2019 يمكن أن تكون جرائم دولية وتشمل جرائم ضد الإنسانية، ولا يجب أن تكون هناك حصانة" لمرتكبيها.

وقال التقرير إن الانتهاكات شملت "عمليات قتل وتعذيب واغتصاب وعنف جنسي واختفاءات وأعمالا أخرى غير إنسانية".

واتهمت تقارير وعائلات ضحايا قوات الردّ السريع السودانية بتنفيذ العملية.

"تخطيط عملياتي رسمي"

وقال تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" في نوفمبر الماضي إن "أعداد القوات التي قادت عملية الهجوم على الاعتصام (...) يدلّ على أن الفضّ تمّ بتخطيط عمليّاتي رسمي".

في ذلك الوقت، كان مجلس عسكري تسلّم السلطة بعد سقوط البشير. وقد نفى بشكل قاطع تورط أي جهة أمنية أو عسكرية رسمية.

لكن والدة عبد السلام كشة تقول بإصرار "أنا أتهم كل المؤسسات العسكرية، لأنها هي من فضت الاعتصام".

ولا يستبعد المحامي نبيل أديب إمكان إجراء محاكمات عسكرية لبعض المتهمين. ويقول "الاتهام أمام المحاكم الجنائية لا يمنع أن يتقدم المدعي العسكري بطلب لتقديم عسكريين إلى محاكمات عسكرية".

ويضيف  "يجب أن تمنح اللجنة كل المساعدات، بما في ذلك الزمن، حتى تنجح في تقديم اتهامات متماسكة".