الاحتجاجات مستمرة في السودان.
الاحتجاجات مستمرة في السودان.

مصطفى هاشم - واشنطن

آخر ما شوهد لقصي حمدتو سليمان كان فراره ومحاولته الهرب من مجزرة راح ضحيتها العشرات، في ظل الفوضى تفرق عن أصدقاءه وظل مفقودا منذ ذلك اليوم.

تخرج قصي، 23 عاما،مؤخرا من كلية القانون جامعة النيلين، وكان أحد سكان حي جبره في العاصمة السودانية الخرطوم، شارك في الاعتصام أمام مقر القيادة العامة، قبل أن تقتحم قوات أمنية مقر الاعتصام وتطلق الرصاص الحي وتعم الفوضى.

من حينها وأسرة قصي تدور حول نفسها، "ذهبنا لكل أقسام الشرطة والمستشفيات، والسجون والمخابرات والأمن العام، ننشر صوره في المظاهرات وفي أماكن كثيرة وصفحات عديدة على فيسبوك وحسابات على تويتر"، بحسب ابن عمه محمد البصيلي لـ"موقع الحرة".

يضيف "أخبرنا أصدقاؤه أنه كان يجري معهم، وأخبرنا آخرون أنه كان يساعد في نقل المصابين إلى مستشفى المعلم، لكنهم أجمعوا أنه استطاع الخروج من مقر الاعتصام وأنهم رأوه خارجه".

منذ عدة أيام ظهر أحد المفقودين منذ فض الاعتصام، بعد أن وُجد في الشارع مقيد اليدين "كان فاقد الذاكرة، ولكن بعد ترددنا عليه رأى صورة قصي وتذكره وقال إنه كان محتجزا معه، لكنه لا يعلم في أي مكان ولا لأي جهاز أمني تبع مقر اجتجازهما".

يضيف أنهم ذهبوا مجددا إلى كل مراكز الاحتجاز والمقار الأمنية المعروفة "وسألناهم، جميعهم ينفون أنه موجود لديهم، بل ينكرون تماما أنهم اعتقلوا أي شخص من الأساس".  

وأعلنت مبادرة "مفقود" في 26 يوليو الماضي عن ظهور ثلاثة أشخاص من قائمة المفقودين لدى المبادرة، "حيث أكدت لنا أسرة أثنين من العائدين أنهم كانوا قيد الاعتقال، وقد تعرضوا للتعذيب طوال هذه المدة، وقد عانى أحد المفقودين من حالة فقدان للذاكرة و إضطراب نفسي". 

من مجموعة مفقود على فيسبوك

​​يقول مؤسس مبادرة "مفقود" وائل مبارك لـ"موقع الحرة" إن "القاسم المشترك بين المفقودين الذين تم العثور عليهم هو فقدان الذاكرة والحالة النفسية السيئة جدا".

وأعلنت لجنة التحقيق التابعة للنيابة العامة، التي كوّنت بتكليف من المجلس العسكري الحاكم، عن نتائج تحقيقاتها، السبت الماضي، فيما يخص فض الاعتصام، لكنها لم تشر إلى المفقودين، رغم أنه "لا يزال هناك 17 مفقودا بحسب آخر قائمة قمنا بتحديثها، معظمهم من الشباب"، وأن أعمارهم تتراوح بين "15 عاما وحتى الثلاثينيات من العمر"، بحسب مبارك.

لكن عضو "لجنة الانتهاكات والقتلى" التابعة لتجمع المهنيين السودانيين، المحامي سمير شيخ الدين، يقول إن عدد المفقودين فعليا "يبلغ 36 شخصا بعد أن تم العثور على العشرات، لكن الرقم الموثق هو بالفعل 17 شخصا".

ويوضح أن "الرقم 36 حسب إفادات شهود عيان وروايات حاضرين عن فقدان واختفاء بعض من كانوا معهم في الاعتصام، لكن لم يتم إدراج بياناتهم لعدم الوصول لعناوينهم وذويهم، بسبب أنهم من الأقاليم وليسوا من سكان الخرطوم". 

واستطاعت مبادرة "مفقود" التي تأسست بعد خمسة أيام فقط من فض الاعتصام، المساهمة في معرفة مصير مئة شخص كان مفقودا حتى الآن، مشيرا إلى أن معظم الذين تم التوصل إليهم كان بعد إعادة خدمة الإنترنت للعمل​. 

​​وعاد الإنترنت بشكل جزئي في التاسع من يوليو الحالي بعد أسابيع من قطع الإنترنت وبالتحديد منذ حملة القمع الدموية في الثالث من يونيو لفض اعتصام نظمه المتظاهرون أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم للمطالبة بنقل السلطة إلى المدنيين، أو ما سماه ناشطون "مجزرة 29 رمضان". 

يقول مبارك إن "الكثيرين فقدوا هواتفهم في المجزرة، وكانت ميليشيات الدعم السريع تصنع رعبا في كل المدن، وفيه ناس كتير كانوا خايفين وقاعدين عند أصدقائهم وأقاربهم بعيد، وكان الإنترنت مقطوع".

وللمبادرة مجموعة على فيسبوك فيها أكثر من 56 ألف عضو يتابعون المنشورات ويساهمون بنشر أخبار المفقودين وصورهم والمساهمة في الوصول إلى أماكن تواجدهم.  

وأضاف مبارك: "لدينا فريق ميداني يذهب للمستشفيات والمشارح، وإذا فيه هناك ناس مجهولي الهوية نصورهم أو نجيب الوصف والمناطق الذين أتو منها، ننشر الأخبار والناس بتعملها شير"، وقال: "كثير من المفقودين وجدناهم في المشارح، وفيه ناس كانوا مصابين".

وقتل نحو 140 شخصا منذ الثالث من يونيو، بحسب أطباء مقربين من الحركة الاحتجاجية، بينما تتحدث السلطات عن مقتل 80 شخصا تقريبا.

هائمون في الشوارع

يرى عضو لجنة الانتهاكات والقتلى المنضوية تحت تجمع المهنيين السودانيين، المحامي سمير شيخ الدين في حديثه مع "موقع الحرة" أن هناك ثلاثة احتمالات ومصائر للمفقودين، وهي: أن يكون من بينهم شباب أصيبوا بأزمات وصدمات نفسية مروعة وهم هائمون في الشوارع حاليا، وهذا وجدناه بالفعل، أو أنه لا زالت هناك جثث في النيل لم يتم العثور عليها ضمن ما تم العثور عليه، أو أن يكونوا معتقلين في أماكن احتجاز سرية، أو الاحتمالات الثلاثة معا".

​​وتقدم عدد من المحامين في 22 يوليو الماضي بمذكرة للنائب العام نيابة عن أسر المفقودين والذين يعتبرهم بأنهم مختفين قسريا، يطالبون فيها بالإعلان عن مصيرهم ومسؤولية السلطات عن سلامتهم.

مذكرة من أهالي المفقودين تطالب بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن تواجد ومصير "المختفين قسريا".

​​وطالبت المذكرة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن مصير وموقع "المواطنين المختفين قسريا"، لكن لم يتم الاستجابة لمطلبهم حتى الآن. 

وقال شيخ الدين إن "أسر المفقودين الـ17 على اتصال وتنسيق مع اللجنة القانونية من المحامين ولديهم اجتماع مشترك السبت القادم لتأسيس لجنة من أسر المفقودين ستكون تابعة للتحالف الديمقراطي للمحامين الذي هو أحد مكونات تجمع المهنيين السودانيين". 

الحرب في السودان تسببت في تشريد أكثر من 8.5 مليون شخص
الحرب في السودان تسببت في تشريد أكثر من 8.5 مليون شخص / أرشيفية

أصدرت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بيانا أكدت فيه أن السودان لم  يعتذر للإمارات بشأن تصريحات أدلى بها المندوب السوداني في الأمم المتحدة، واتهم فيها الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في الحرب الدائرة حاليا مع الجيش.

وأكدت الوزارة في بيانها الذي نشرته وكالة السودان للأنباء "سونا" أن ما تم تداوله على بعض المواقع والصفحات الإلكترونية حول "اعتذار سفير السودان في أبوظبي للسلطات الإماراتية بشأن خطاب مندوب السودان في الأمم المتحدة، الحارث إدريس، عار تماما عن الصحة".

وقالت إن ما تم تداوله هو "خبر كاذب ومجهول المصدر"، وكان مفاده أن "سفير السودان في أبوظبي قدم اعتذارا (...) عما ورد في الخطاب الذي ألقاه المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة في اجتماع مجلس الأمن" قبل أيام.

وأضافت أن "الخبر المعني عار تماما عن الصحة"، وأن "الخطاب الذي ألقاه السفير، الحارث إدريس، في الاجتماع هو الموقف الرسمي للسودان حول ما بحثه اجتماع مجلس الأمن".

وفي وقت سابق، الثلاثاء، علق المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، على السجال بين المندوبين الإماراتي والسوداني في مجلس الأمن بسبب "استمرار الحرب في السودان".

وقال قرقاش: "في الوقت الذي تسعى فيه الإمارات إلى تخفيف معاناة الأشقاء السودانيين يصر أحد أطراف الصراع على خلق خلافات جانبية وتفادي المفاوضات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية" على حد تعبيره.

وأضاف: "اهتمامنا وقف الحرب والعودة للمسار السياسي.. اهتمامهم تشويه موقفنا عوضا عن وقف هذه الحرب".

والثلاثاء، حمّل سفير السودان لدى الأمم المتحدة الإمارات المسؤولية عن استمرار الحرب الدائرة في بلاده، في اتّهام سارع المندوب الإماراتي لنفيه.

ومنذ أشهر يتهم الجيش المدعوم من الحكومة، أبوظبي بدعم معسكر الخصم.

وكان السودان قد طلب في أبريل اجتماعا طارئا لمجلس الأمن الدولي للنظر في هذه الاتهامات، لكن الطلب لم يستتبع بأي خطوات.

والثلاثاء، كرر السفير السوداني، الحارث إدريس، الاتهامات خلال انعقاد جلسة عادية للمجلس لبحث الوضع في بلاده.

وقال السفير إن "اعتداءات كثيرة تشنها ميليشيا الدعم (السريع) بأسلحة إماراتية تستهدف القرى والبلدات بشكل متعمد وممنهج".

وأضاف "يتعين على الإمارات أن تنأى بنفسها عن السودان.. إنه الشرط الضروري الأول لإرساء الاستقرار في السودان"، معتبرا أن دعم أبوظبي لقوات الدعم السريع هو "السبب الرئيسي لاستمرار الحرب".

في هذا الإطار دعا السفير السوداني مجلس الأمن الدولي إلى "مشي مسافة الميل المتبقي، وهو إدانة دولة الإمارات".

والثلاثاء، نفى السفير الإماراتي، محمد عيسى حمد بوشهاب، صحة الاتهامات التي اعتبر أنها "سخيفة"، ووصف مرارا السفير السوداني بأنه "ممثل القوات المسلحة السودانية".

وقال "نرى أن هذا يمثل انتهاكا معيبا من أحد الأطراف المتحاربة في السودان لهذا المجلس.. استغلال هذا المنبر لنشر اتهامات زائفة ضد الإمارات (...) لتشتيت الانتباه عن الانتهاكات الخطيرة التي تحدث على الأرض"، وفق ما نقل عنه الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة.

وكان السفيران يجلسان بجانب بعضهما بعضا في اجتماع مجلس الأمن.

وفي قرار تبناه الأسبوع الماضي دعا مجلس الأمن إلى وضع حد لـ"حصار" تفرضه قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في إقليم دارفور.

كما دعا كل الدول الأعضاء إلى الامتناع عن أي "تدخل خارجي" وإلى احترام الحظر المفروض على الأسلحة، من دون ذكر أي بلد بالتحديد.

وفي تقرير نشر في يناير، ندد خبراء كلفهم المجلس مراقبة نظام العقوبات بانتهاكات للحظر المفروض على الأسلحة، وأشاروا إلى بلدان عدة بينها الإمارات المتهمة بتسليح قوات الدعم السريع.

ومنذ أبريل 2023 يشهد السودان حربا بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بشأن خلاف حول خطة الانتقال إلى حكم مدني.

وتسببت الحرب بمقتل وجرح عشرات الآلاف ونزوح وتهجير الملايين، وتقول الأمم المتحدة إن نحو 25 مليون شخص، أي نحو نصف عدد سكان السودان، يحتاجون إلى مساعدات، فيما تلوح المجاعة في الأفق.