سودانيون ينددون في مسيرة بتاريخ 1 أغسطس 2019 بقتل الطلاب في الأبيض
سودانيون ينددون في مسيرة بتاريخ 1 أغسطس 2019 بقتل الطلاب في الأبيض

أعلن المجلس العسكري الحاكم في السودان، الجمعة، توقيف تسعة عناصر من قوات الدعم السريع على خلفية مقتل أربعة طلاب بالرصاص في مظاهرات بمدينة الأبيض الإثنين، بينما تواردت احتمالية قدوم "أخبار سارة" مع انتهاء المفاوضات بين المجلس العسكري وقادة الاحتجاج الجمعة. 

وأعلن الفريق الركن شمس الدين كباشي في مؤتمر صحافي الجمعة أنه تم "يوم أمس الأول اعتقال سبعة أفراد من الدعم السريع وتم رفضهم على الفور من الخدمة العسكرية وتم تسليمهم إلى السلطات القضائية".

وأضاف المتحدث باسم المجلس العسكري الذي يدير البلاد منذ الإطاحة بعمر البشير في إبريل "بالأمس أيضا تم اعتقال اثنين من العسكريين الذين يتبعون الدعم السريع واتخذ في مواجهتهم نفس الإجراءات".

وبخصوص المفاوضات، قال المفاوض في حركة الاحتجاج إبراهيم الأمين في المؤتمر الصحافي ذاته "توصلنا إلى توافق تام لمعظم ما ورد في هذه الوثيقة" الدستورية التي تحوي نقاطا خلافية.

وقوات الدعم السريع الذي يقودها الجنرال محمد حمدان دقلو، واسعة الانتشار والنفوذ ويخشاها الناس على نطاق واسع في السودان، وقد اتهمها المحتجون مرارا بارتكاب انتهاكات.

جاء هذا الإعلان غداة مقتل أربعة متظاهرين بالرصاص خلال مسيرة في أم درمان قرب الخرطوم، خلال تظاهرات شارك فيها الآلاف في ارجاء البلاد تنديدا بمقتل ستة متظاهرين بينهم أربعة طلاب الاثنين في الأُبيّض في وسط البلاد.

وتوصل تحقيق رسمي سابق إلى تورط 8 عناصر شبه عسكرية، بينهم عناصر في قوات القمع السريع، بتفريق الاعتصام أمام مقر القيادة العامة في العاصمة بتاريخ 3 يونيو والذي أسفر عن مقتل 127 متظاهرا، بحسب لجنة الأطباء المركزية.

 لكن الفريق أول دقلو ينفي أية مسؤولية، منددا بمحاولة لتشويه صورة قوات الدعم السريع. فض اعتصام المحتجين في 3 يونيو أمام مقر قيادة القوات المسلحة في الخرطوم .

ونزل الخميس آلاف السودانيين إلى الشوارع للتنديد بالعنف وتحت شعار "القصاص العادل" لمقتل المتظاهرين الستة في الأبيض، بينهم أربعة طلاب مدرسة، كانوا يحتجون على النقص في الخبز والوقود.

وانطلقت الحركة الاحتجاجية في السودان في ديسمبر الماضي للاحتجاج أساسا على مضاعفة سعر الخبز ثلاث مرات في بلد اقتصاده مستنزف. ومنذ ذلك الحين، تسبب قمع الاحتجاجات بمقتل 250 شخصا على الأقل، وفقا للجنة الأطباء المركزية.

وأدى مقتل المتظاهرين في الأبيض إلى تعليق جولة مفاوضات كانت مقررة الثلاثاء بين قادة الاحتجاجات والعسكريين حول تقاسم السلطة.

مواصلة المفاوضات

وبخصوص المفاوضات، قال المفاوض في حركة الاحتجاج إبراهيم الأمين في المؤتمر الصحافي ذاته: "توصلنا إلى توافق تام لمعظم ما ورد في هذه الوثيقة" الدستورية التي تحوي نقاطا خلافية.

واستأنفت المفاوضات مساء الخميس لحل المسائل العالقة في الاتفاق الخاص بانتقال السلطة. وأكد الوسطاء أن المفاوضات ستتواصل مساء الجمعة، في حين ذكر وسطاء في الاتحاد الاتحاد الإفريقي قدوم "أخبار سارة" بعد مفاوضات الجمعة. 

ومن المفترض أن تسمح هذه المفاوضات بحل المسائل العالقة في "الإعلان السياسي" الذي وقعه قادة الجيش وقادة تحالف الحرية والتغيير في يوليو، وينص على تشكيل مجلس عسكري مدني مشترك يؤسس لإدارة انتقالية تقود البلاد لمرحلة تستمر 39 شهرا.

وتتضمن المباحثات "الحصانة المطلقة" التي يطالب بها جنرالات الجيش و"صلاحيات مجلس السيادة" المشترك و"مظاهر الانتشار العسكري" في مختلف مدن البلاد.

 

السودان يشهد هجمات على المدنيين بحسب الأمم المتحدة
أشياء متناثرة في سوق الجنينة، عاصمة غرب دارفور (أرشيف)

تبدو الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور في السودان، وكأنها مدينتان في مدينة واحدة، حيث تنتشر في أجزاء منها مقابر جماعية ومركبات مدرعة مهجورة وأطفال بلا مأوى، بينما تتواجد في مناطق أخرى مطاعم وأسواق، وسيارات حديثة الصنع يطلق عليها اسم "كينجانجيا"، أي "المسروقة" باللهجة المحلية، بسبب عدم وجود لوحات أرقام عليها.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بزعامة، محمد حمدان دقلو في منتصف أبريل من العام المنصرم، شهدت مدينة الجنينة "مجزرتين كبيرتين"، وفقا لتقرير لصحيفة "غارديان" البريطانية.

وقال التقرير، إن "الجثث المتحللة في الشوارع، بقيت لمدة وصلت إلى 10 أيام في كلتا المجزرتين، حيث كانت الكلاب والدجاج  تأكل لحومها".

ولا تزال بقايا جثث الموتى موجودة حتى الآن، يدوسها الناس أثناء قيامهم بأعمالهم اليومية، وفق الصحيفة.

وقد أصبحت بعض المناطق في وسط المدينة شبه مهجورة بعد أن كان النازحون بسبب الصراع في أماكن أخرى من دارفور، يتجمعون في المباني الحكومية فيها، فيما تحمل المباني آثار الحرائق وثقوب الرصاص على جدرانها، نتيجة القتال.

تأكيد أميركي.. الجيش السوداني و"الدعم السريع" ارتكبوا جرائم حرب
أكدت سفيرة الولايات المتحدة المتجولة للعدالة الجنائية العالمية بيث فان شاك أنه استنادا إلى مراجعة دقيقة للحقائق وتحليل قانوني، خلص وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مؤخرا إلى أن أفراداً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبوا جرائم حرب.

ولمدة شهرين من منتصف أبريل، ثم مرة أخرى لمدة أسبوع في أوائل نوفمبر، عانت الجنينة من القتال الذي تطور بسرعة على الخطوط القبلية، مما أدى إلى تأليب قبائل المساليت (غير العربية) وغيرهم من السكان غير العرب، لدعم الجيش ضد قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها، حسب "غارديان".

ولقي أكثر من 10 آلاف شخص حتفهم في المدينة – معظمهم من قبائل المساليت –  بينما فر آلاف آخرون غرباً عبر الحدود إلى تشاد.

وفرضت الميليشيات العربية المتحالفة مع قوات الدعم السريع، حصارا على المدينة في مايو.

"انتهاكات مروعة"

وفي 15 يونيو، أدى تعذيب وقتل زعيم قبائل المساليت في ولاية غرب دارفور، خميس أبكر، على أيدي حلفاء قوات الدعم السريع، حسبما زُعم، إلى نزوح آلاف الأشخاص إلى تشاد.

وبحلول 22 يونيو، أفادت نقابة المحامين في دارفور بسقوط الجنينة، وذلك قبل أن تقع اشتباكات أخرى في أوائل نوفمبر، والتي انتهت بفرار آخر الجنود المتبقين من الجيش السوداني، مما مثل انتصارا لقوات الدعم السريع في المدينة.

وفي الأشهر التالية، بدأت تفاصيل الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها في المدينة بالظهور.

ففي 13 يوليو، اكتشف تحقيق للأمم المتحدة مقبرة جماعية لعشرات المدنيين من المساليت بالقرب من الجنينة، حيث يُزعم أنهم قُتلوا جميعًا على أيدي قوات الدعم السريع في الفترة ما بين 13 و21 يونيو .

واختار بعض المساليت التوجه نحو ما اعتبروه الأمان النسبي لحامية الجيش بالقرب من بلدة أرداماتا بدلاً من تشاد، ووصفوا تعرضهم لإطلاق النار بينما كانوا على الطريق المؤدي إلى تلك البلدة في 13 يونيو .

وقالت فاطمة، التي لم ترغب في الكشف عن لقب عائلتها: "ظهر العرب من العدم وبدأوا في إطلاق النار علينا.. كان الناس يقفزون في النهر مع أطفالهم لتفادي الرصاص"، لافتة إلى أن ابنها فقد ذراعه أثناء إطلاق النار.

ذكرى استقلال السودان.. بلينكن يطالب بوقف "الحرب الوحشية" وإعادة الحكم للمدنيين
بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الثامنة والستين لاستقلال السودان، ومع بداية عام جديد، أكد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الاثنين، الولايات المتحدة "تلقي بالا للمعاناة المستمرة للشعب السوداني بسبب الصراع الذي لا داعي له بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية".

وفي نفس السياق، قال أبكر هارون، عضو مجموعة مكلفة بدفن جثث الضحايا، إن المهمة استغرقت أياما، مضيفا: "في إحدى المرات، أتذكر أنني كنت أعمل من الساعة 8 صباحًا حتى 6 مساءً مع زملائي لدفن الناس في مقبرة بحي الشاطئ".

أما سامية عثمان (اسم مستعار)، فقالت إنها أحصت 117 جثة أمام بيتها، مردفة: "كنا نقفز فوق الجثث للوصول إلى منازلنا".

كما قُتل مدنيون عرب في أعمال العنف، حيث قضى العديد منهم في قصف دبابات الجيش التي لا تزال مهجورة في الأحياء العربية.

وقال عامل في الهلال الأحمر السوداني – وهو ليس من العرب – إن عدد الضحايا غير معروف، لأن "المجتمعات العربية لديها نظامها الخاص لجمع الموتى".

كما قُتل المئات من المساليت في أرداماتا، في 5 نوفمبر، عقب انسحاب الجيش الكامل من منطقة الجنينة.

وذكر شهود أن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها تجولت من منزل إلى منزل بحثاً عن أي أشخاص من قبائل المساليت.

وقال جمال بدوي، أحد زعماء المساليت من أرداماتا، إن "236 شخصاً قتلوا في منطقته وحدها".

وقال رجل آخر ساعد في الدفن، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن "الجثث كانت مكدسة فوق بعضها البعض".

ويحكم ولاية غرب دارفور في الوقت الحالي إدارة "قريبة من قوات الدعم السريع"، وفق الصحيفة، حيث يحاول المحافظ الجديد، التيجاني كرشوم، "استرضاء السكان".

وقد دعا أولئك الذين فروا عبر حدود تشاد إلى العودة، ووفر لهم الكهرباء والمياه الجارية بشكل ثابت، وهو ما لا يتوفر في المناطق التي يسيطر عليها الجيش في كثير من الأحيان،

كما فرض المحافط حظر تجول صارما ليلاً من الساعة 7 مساءً حتى 7 صباحًا، حيث عادت الحياة الطبيعية غير المستقرة إلى المدينة على الرغم من الفظائع الأخيرة. فقد استؤنفت حفلات الزفاف في عطلات نهاية الأسبوع، في حين يتم بناء المنازل في الأحياء العربية. 

ومع ذلك، فإن وجود الأطفال المشردين يعد بمثابة تذكير بالماضي القريب، إذقال موظف سابق في وحدة حماية الطفل التابعة لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور، إن معظمهم إما أصبحوا أيتاما بعد أن فقدوا آباءهم العام الماضي، أو أطفال عائلات فرت عبر تشاد لكنهم عادوا دون آبائهم بسبب "الوضع المروع" في مخيمات اللاجئين.

وقال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الجمعة الماضي، إن طرفي الحرب الأهلية في السودان "ارتكبا انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، بما في ذلك الهجمات العشوائية على مواقع مدنية، مثل المستشفيات والأسواق ومخيمات النازحين".

وفي ديسمبر الماضي، خلصت الولايات المتحدة، إن الأطراف المتحاربة في السودان "ارتكبت جرائم حرب"، معتبرة أن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها "متورطة في التطهير العرقي" في غرب دارفور.

وحينها، أكدت سفيرة الولايات المتحدة المتجولة للعدالة الجنائية العالمية، بيث فان شاك، أنه استنادا إلى مراجعة دقيقة للحقائق وتحليل قانوني، خلص وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مؤخرا إلى أن أفراداً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبوا جرائم حرب.

كما أكد بلينكن أن أعضاء قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معهم ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية وتطهيراً عرقياً في دارفور.

وحاليا، يأتي التهديد الأكبر في الجنينة من الجو، ففي الوقت الذي يكافح فيه لوقف تقدم قوات الدعم السريع، شن الجيش حملات قصف على الأراضي التي تسيطر عليها تلك الميليشيات، مما أدى إلى نزوح جماعي جديد للسكان المدنيين.

وقالت ليني كريستيان، من برنامج الأغذية العالمي: "الوضع في السودان اليوم أقل ما يوصف به أنه كارثي".

وتابعت: "لقد تأثر ملايين الأشخاص بالنزاع ويكافحون من أجل إطعام أسرهم. إننا نتلقى بالفعل تقارير عن أشخاص يموتون جوعا، لكن تحديات الوصول تجعل من الصعب للغاية الدخول إلى المناطق التي يحتاج فيها الناس إلى مساعدتنا العاجلة".