مخاوف من تداعيات المحاور على الانتقال الديموقراطي في السودان
مخاوف من تداعيات المحاور على الانتقال الديموقراطي في السودان

زادت في الآونة الأخيرة حدة الاستقطابات بين الكتل السياسية السودانية على خلفية المحاور وعلاقات السودان الخارجية، وسط مخاوف من تداعياتها على عملية الانتقال السياسي، خصوصا في ظل التدهور الاقتصادي الحاد الذي تشهده البلاد، والتعثر الملازم للعملية السلمية.

ورغم العزلة الدولية في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير ومحاولته مسك العصا من الوسط، بدا نظامه ميالا إلى تركيا وقطر بحكم التقارب الفكري، وكان للدوحة دور ملموس في عدد من القطاعات أبرزها عملية السلام في دارفور.

حرب اليمن ودعم سخي

وربما من البديهي بعد إسقاط النظام، أن تنأى الأطراف الانتقالية وإن ظاهريا، عن ذلك الحلف، مع الميل إلى نقيضه المباشر وهو الحلف الإمارتي السعودي. الذي قد تكون اقتضته أيضا مشاركة قوات الدعم السريع في حرب اليمن، ويقود هذه القوات محمد حمدان حميدتي، نائب رئيس مجلس السيادة الحالي.

هذا ناهيك عن وعود إماراتية سعودية بتوفير دعم مالي سخي يعين السودان على تجاوز أزمته الاقتصادية.

"اختطاف مراكز القرار"

ذلك التقارب، أثار حنق أطراف سودانية، اعتبرته مقلقا، ويشكل انتهاكا للوثيقة الدستورية التي تنص على ضرورة "تحسين علاقات السودان الخارجية وبنائها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة والبعد عن المحاور".

المتحدث السابق باسم تجمع المهنيين محمد الأمين عبد العزيز اتهم "تكتلات بداخل قوى الحرية والتغيير باختطاف مراكز القرار".

وقوى الحرية والتغيير هي تحالف قاد الاحتجاجات التي أسقطت البشير في 11 أبريل 2019، وهي مكونة من عدة كتل أبرزها تجمع المهنيين.

تنديد.. وفصل من التحالف

وقبل أشهر قام عبد العزيز الأمين بزيارة مثيرة للجدل إلى قطر، قال إنها جاءت في إطار "إعادة تشكيل مراكز القرار داخل الحرية والتغيير، للمحافظة على قوى الثورة موحدة".

لكن خطوته تلك قوبلت بتنديد كبير من قبل قوى الحرية انتهت بفصله من سكرتارية الصحفيين بتجمع المهنيين.

وأعرب محمد الأمين عن استغرابه الشديد من القرار، وقال لموقع الحرة: "كانت زيارتي للدوحة متزامنة مع زيارة نفر من القيادات بقوى الحرية والتغيير الى العاصمة القطرية لكن لم تتم إدانتهم واتهامهم بهذه الزيارة مطلقاً!".

وأضاف أن "أصابع التخوين التي توجه إلينا ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، علما بأن هذه الأصابع تتجنب الإشارة لكل من قام علنا بزيارة محور الرياض- أبوظبي-القاهرة".

وتقود السودان سلطة انتقالية مكونة من شقين؛ عسكري ومدني، ممثلين بمجلسي سيادة ووزراء. ومدة الفترة الانتقالية ثلاث سنوات، تنتهي بانتخابات ديمقراطية، حسب الوثيقة الدستورية.

"خصم من الرصيد الثوري"

وكان سياسيون ومراقبون قد حذروا من أن لعبة المحاور يمكن أن تعيق التحول الديمقراطي في السودان، بحكم أن المحاور لها أجندة خاصة، حسب قول المحلل السياسي حسن بركية لموقع الحرة، الذي أوضح أن "قصة المحاور مع السودان واحدة من أهم الملفات لأنها تعمل بكل ما تملك لتعظيم مكاسبها الخاصة، خصما من الرصيد الثوري".

 

وعلى الرغم من محاولة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك النأي بحكومته عن صراعات المحاور، "إلا أنه تم اختراق واستمالة أحزاب وقيادات من الحرية والتغيير لصالح محور الرياض- أبوظبي"، حسب بركية.

وأضاف المحلل السياسي السوداني أن "الشق العسكري مسلم بالكامل لمحور الرياض- أبوظبي الداعم لقوات الدعم السريع وحركة تحرير السودان بقيادة منى أركو مناوي، من أجل الحرب في ليبيا واليمن"، رغم نفي المجوعتين لهذه الاتهامات بشدة.  

وعن قطر، قال بركية "تعمل بكل ما تملك لإيجاد أرضية في الواقع السوداني لأنها خسرت كثيرا بذهاب نظام البشير. وهي تملك أموالا طائلة وتحاول دائما التأثير". 

"وعي وتركيز شديدان"

وتشير عدة تقارير إلى لجوء قيادات من النظام السوداني السابق إلى تركيا، بهدف زعزعة استقرار السودان وإفشال حكومته الانتقالية عبر جهات موالية لهم بالداخل ما زالت تسيطر على مفاصل بالدولة. 

ويقول سياسيون متابعون للشأن السوداني إن تعامل السلطة الانتقالية مع المحورين القطري والإماراتي "بوعي وتركيز شديدين"، يظل الضامن الوحيد لانتقال ديمقراطي سلس في السودان.

 

 


 

الرئيس الإيراني استقبل وزير الخارجية السوداني في طهران
أصبحت السودان هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين (أرشيفية-تعبيرية) | Source: ar.irna.ir

مع اشتعال الصراع الأهلي في السودان منذ عامين، يرى معهد "غيت ستون" للسياسات الخارجية الدولية، أن الدولة الأفريقية أصبحت هدفا رئيسيا للأنظمة الاستبدادية في روسيا وإيران والصين.

وذكرت المؤسسة البحثية الأميركية أنه مع تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا في العقود الأخيرة، ظهرت دول أجنبية بديلة تتنافس اليوم لتعزيز سيطرتها على الدول الأفريقية الرئيسية، وعلى رأسها السودان.

واندلعت المعارك في الخرطوم، في 15 أبريل 2023، بسبب الخلاف بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي، الحليفين السابقين، على خطة سياسية مدعومة دوليا للانتقال بالسودان إلى حكم مدني.

وذكر المعهد أن انحدار السودان السريع إلى حرب شاملة أثبت أنه كارثي بالنسبة للشعب السوداني الذي طالت معاناته، حيث تقدر الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 15 ألف شخص قتلوا خلال أعمال العنف في العام الماضي، رغم أن وكالات الإغاثة تعتقد أن الرقم أعلى بكثير.

وبالإضافة إلى ذلك، أُجبر أكثر من 8.6 مليون شخص على ترك منازلهم، في حين يقال إن 25 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، مع تحقيق السودان رقماً قياسياً في أكبر عدد من الأطفال النازحين في العالم، بحسب المعهد.

وبينما تسبب الصراع في دمار واسع النطاق في السودان، فأوضح المعهد أنه أتاح أيضًا فرصة لعدد من الأنظمة الاستبدادية للسعي إلى توسيع نفوذها داخل البلد الذي مزقته الصراعات.

وذكر المعهد أنه قبل الحرب كانت روسيا قد بدأت بالفعل محاولات لتأسيس موطئ قدم في السودان من خلال مجموعة فاغنر شبه العسكرية التي كانت تحت قيادة زعيمها السابق، يفغيني بريغوجين، بمثابة الجيش الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأوضح المعهد أن مرتزقة فاغنر عملوا في الغالب مع قوات الدعم السريع، وأفادت التقارير أن فاغنر زودت السودان بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، بما في ذلك شاحنات عسكرية ومركبات برمائية وطائرتي هليكوبتر للنقل.

وفي المقابل، مُنحت روسيا إمكانية الوصول إلى ثروات الذهب في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا، ما مكن موسكو من التحايل على العقوبات الغربية لتمويل غزوها الحربي في أوكرانيا، بحسب المعهد.

ومنذ وفاة بريغوجين في حادث تحطم طائرة غامض، العام الماضي، أوضح المعهد أن موسكو أجرت تغييرًا جذريًا في مشاركتها في الصراع السوداني، حيث يقدم الكرملين الآن للقوات المسلحة السودانية المتحالفة مع الإسلاميين بقيادة البرهان دعما عسكريا "غير محدود".

وفي المقابل، تأمل موسكو، بحسب المعهد، أن يلتزم الزعيم السوداني بالاتفاق المبرم، في عام 2020، للسماح لروسيا بإنشاء قاعدة بحرية في بورت سودان، وهي خطوة من شأنها أن تمكن البحرية الروسية من تهديد طرق التجارة الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر بشكل مباشر.

دولة أخرى اهتمت لسنوات عديدة قبل الصراع بالسودان وهي الصين، بحسب المعهد الذي أوضح أنها كانت واحدة من أهم شركاء الاستثمار في السودان، حيث استثمرت بكين ما يقدر بنحو 6 مليارات دولار في قطاعات الطاقة والزراعة والنقل في البلاد منذ عام 2005. كما أبدت الصين اهتمامًا وثيقًا بالأصول البحرية السودانية مثل ميناء بورتسودان، الذي تأمل أن يصبح يومًا ما عنصرًا حيويًا في مبادرة طريق التجارة العالمية "الحزام والطريق".

وذكر المعهد أنه في حين حاولت الصين الحفاظ على درجة من الحياد في الصراع السوداني، فإن الدعم الروسي المتزايد للبرهان والقوات المسلحة السودانية قد أرسى الأسس لدخول نظام استبدادي معادٍ آخر إلى الصراع، وهو إيران.

ويرى المعهد أنه نظراً للدعم الحيوي الذي قدمته إيران لروسيا في جهودها الحربية في أوكرانيا، فربما كان من المحتم أن يمهد التدخل الروسي في السودان الطريق في نهاية المطاف لنشر المعدات العسكرية الإيرانية في ساحة المعركة السودانية.

ووفقا للتقارير الأخيرة، فإن تيار الحرب بدأ يتحول لصالح القوات المسلحة السودانية، بعد أن بدأت في استخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع، في وقت سابق من العام الجاري. كما تم استخدام المركبات الجوية بدون طيار التي تم الحصول عليها حديثًا للاستطلاع ورصد المدفعية خلال انتصارات الجيش الأخيرة في أم درمان، عبر نهر النيل من العاصمة الخرطوم.

وأكد مسؤولون إيرانيون لوكالة "رويترز" للأنباء أن القوات المسلحة السودانية بدأت في استخدام الطائرات بدون طيار في حربها ضد قوات الدعم السريع. وجاء وصول الطائرات الإيرانية بدون طيار إلى السودان بعد زيارة قام بها علي صادق، وزير الخارجية السوداني بالإنابة، العام الماضي، التقى خلالها بكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين.

ووفقا للمعهد، لدى النظام الإيراني تاريخ طويل من التعاون مع الخرطوم، حيث يستخدم الحرس الثوري الإيراني السودان بانتظام كقاعدة لشحن الأسلحة إلى المنظمات التابعة له مثل حماس وحزب الله خلال حكم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير.

ويرى المعهد أنه من المؤكد أن نشر الطائرات الإيرانية بدون طيار في السودان، جنباً إلى جنب مع تورط روسيا المتزايد في الصراع السوداني، لابد أن يكون سبباً للقلق بالنسبة لصناع السياسات الغربيين نظراً للأهمية الجغرافية للبلاد في البحر الأحمر.