محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير أمام المحكمة الدولية يثير الجدل
محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير أمام المحكمة الدولية يثير الجدل

أثارت الأنباء المتواترة عن نية المجلس السيادي في السودان، تسليم الرئيس السابق عمر البشير، إلى المحكمة الجنائية الدولية جدلا كبير في السودان، ومخاوف من زيادة الاحتقان بين الأطراف السياسية.

وكان مسؤول سوداني رفيع كشف عن مشاورات تجرى حاليًا بشأن حسم مصير مثول البشير وبقية المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفقا لوكالة الأنباء الألمانية.

وأكد عضو المجلس السيادي السوداني محمد حسن التعايشي، عزم الخرطوم تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وربط التعايشي التسليم بإرسال وفد من المحكمة الجنائية الدولية إلى الخرطوم للتوقيع مع الحكومة على بروتوكول ضمان لمحاكمة المطلوبين. 

ويرى المحامي والناشط حاتم إلياس، عضو قوى الحرية والتعبير، أن تسليم البشير والمتهمين في جرائم حرب في درافور هو بمثابة عودة للسودان إلى المجتمع الدولي وتشريعاته، وتعزيز للشرعية الجنائية الدولية.

ذاكرة سيئة

وأضاف إلياس في حديثه مع موقع قناة "الحرة" أن البشير يمثل ذاكرة سيئة في تاريخ السياسة السودانية، وأن تسليمه للمحكمة الدولية هو بمثابة تخلص من هذه الصفحة السيئة.

وكانت المحكمة الدولية أصدرت مذكرات اعتقال بحق الرئيس السابق، عمر البشير، واثنين من مساعديه بتهم ارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي وجرائم حرب وضد الإنسانية أثناء النزاع في إقليم دارفور غرب البلاد، الذي استمر بين 1989 و2004 وأسفر عن 300 ألف قتيل وملايين النازحين.

بينما رفض الفريق حنفي عبدالله، رئيس مركز السياسات الدولية في السودان، تسليم البشير إلى المحكمة الدولية بدعوى أنها "محاكم مسيسة وموجهة ضد إفريقيا فقط، ويظهر ذلك من خلايا القضايا التي أثيرت، ورفض الكثير من الدول التوقيع على وثيقة المحكمة الدولية".

وأضاف عبدالله في تصريحات لموقع "الحرة" أنه "من الأفضل محاكمة البشير داخل السودان"، وأكد أن القضاء السوداني قادر على البت في مثل هذه القضايا.

وأشار عبدالله إلى أن مثل هذه القضايا لها بعد محلي وبعد دولي لذلك يجب أن تتم المحاكمات داخليا، وقال "لا أمانع أن يتم الاستعانة ببعض المستشارين الدوليين أثناء هذه المحاكمات، ولكن تكون المحاكمات في الداخل السوداني"۔

وفي فبراير الماضي أعلنت الحكومة السودانية التي تولت السلطة بعد الإطاحة بالبشير في أبريل 2019 موافقتها على "مثول" المطلوبين لدى المحكمة أمامها.

ولعقد، تجاهل الرئيس السوداني عمر البشير مذكرات التوقيف الدولية الصادرة بحقه.

انقسام المشهد السياسي

وخلال الساعات الماضية، أعلن حزب الأمة القومي من خلال رئيس المكتب السياسي، محمد المهدي حسن، عن موافقته على تسليم السودان، لكنه قال إنه يفضل أن تكون المحاكمة داخليا عبر محكمة (هجين) من القضاء السوداني والإفريقي والجنائية، بحسب صحيفة السوداني الدولية.

ويثير هذا الخلاف المخاوف بشأن تأثيراته على المشهد السياسي في السودان، والمرتبك بفعل الأزمات الاقتصادية، والمشاركة في عملية إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية بين المكونين المدني والعسكر، بالإضافة إلى الأزمات الحدودية مع إثيوبيا.

وقال السفير خالد موسى إن هناك شبه اتفاق بين المكون السياسي والعسكري على تسليم البشير للمحكمة الدولية، لكنه أشار إلى أن الجانب العسكري يفضل عدم تسليمه حتى لا يحدث تشكيك في المنظومة القضائية السودانية.

وأكد موسى في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن تسليم البشير سيزيد تعقيدات المشهد السياسي، وأنه سينقسم إلى فسطاطين، أولهما يطالب بعدم تسليمه ويثق في عدالة ونزاهة القضاء السوادني وقدرته على تطبيق موقف عدم الإفلات من العقاب، والثاني الذي يرى ضرورة تسليمه، وأن العدالة الدولية أولى بهذه الجرائم

لكنه قال إن "الانقسام الأكثر خطورة سيكون داخل المؤسسة العسكرية السودانية، الذي يوجد بها بعض الجيوب الرافضة لعملية التسليمة، باعتباره قائد سابق للقوات المسلحة، وتطالب بمحاكمته داخلية"، مشيرا إلى أن هذا سيؤثر بشكل كبير على المشهد السياسي السوداني المرتبك بالفعل.

ارتياح شعبي

ويرى عبدالله أن تسليم البشير سيشعل الفتنة داخليا، وسيزيد احتقان المشهد السياسي المرتبك بفعل الأزمات الاقتصادية والمشاركة في الحكم.

لكن إلياس يؤكد أنه لا يرى وجود خلاف في المشهد السياسي حول تسليم البشير، وأنه لن يسبب أي احتقان أو خلاف بين القوى السياسية، مشيرا إلى أن ذلك لا يشكك في نزاهة وقوة القضاء السوداني، الذي بدأ يتعافى.

وقال: "تقديم البشرية للعدالة الجنائية هو تعزيز للعدالة الدولية. وأنه بمثابة تحذير أنه لو ظهر أي نموذج مثل البشير فأي دولة سيلقى مصيره".

وذكر الدكتور حيدر الصافي، عضو المجلس المركزي للحرية والتعبير، إن قضية تسليم البشير يؤثر عليها الرأي العام السوداني، الذي لن يقبل بأن لا يسلم باعتباره رمز للنظام السابق وبسبب دوره في تعقيد ملف دارفور.

وأوضح الصافي في تصريحات لموقع "الحرة" أن تسليم البشير سيسبب ارتياح شعبي بأن النظام السابق سقط ولن يعود، مشيرا إلى أن تسليمه سيكشف عن الكثير من الأسرار عن فترة حكمه، التي لازالت طي الكتمان.

محكمة مختلطة

والبشير الذي حكم البلاد ثلاثين عاما موجود في سجن كوبر بالعاصمة السودانية الخرطوم وتجري محاكمته. وقد صدر أول حكم في حقه في قضية فساد في ديسمبر وقضى بسجنه عامين. كما يحاكم مع 27 شخصاً آخرين بتهمة تدبير انقلاب 1989 الذي أطاح بالحكومة المنتخبة آنذاك.

وفي أكتوبر الماضي، زارت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، الخرطوم. 

ونقلت سونا عن المدعية العامة قولها إن "الزيارة تهدف إلى شيئين الأول هو الاجتماع بالمسؤولين السودانيين حول عمل المحكمة الجنائية الدولية في دارفور وكيفية تنسيق التكامل بين عمل المحكمة وعمل الجهاز القضائي السوداني حول موضوعات ذات صلة بدارفور، والثاني هو كيفية الحصول على تعاون السلطات السودانية في جمع المعلومات ذات الصلة بقضية السيد عبد الرحمن (كوشيب)" أحد المطلوبين للمحكمة والذي سلم نفسه في يونيو الفائت في دولة افريقيا الوسطى المجاورة لدارفور.

ويرى موسى أن السيناريو الأرجح هو تكوين محكمة مختلطة تضم قضاة سودانيون وقضاة من المحكمة الدولية ومع توفير كافة الإمكانات لها

لكن المتحدث باسم المحكمة الجنائية الدولية، فادي العبدالله، استبعد في فبراير الماضي، إجراء محاكمة مختلطة للرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، وقال إن نظام محكمة لاهاي ليس فيه ما يشير إلى مشاركتها في محاكم مختلطة.

وجاء توضيح العبدالله في تصريحات لقناة الحرة، ردا على ما تناولته تقارير إعلامية حول حضور المحكمة الدولية إلى الخرطوم واحتمال محاكمة البشير أمام محكمة مختلطة.

قوة من الجيش السوداني بمنطقة الشجرة في جنوب الخرطوم -أرشيفية
قوة من الجيش السوداني بمنطقة الشجرة في جنوب الخرطوم - (إكس)

أظهر تقرير أممي حديث نشر، الجمعة، أن مستوى الدمار في العاصمة السودانية الخرطوم "يفوق التصور"، وذلك بعد نحو عامين من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وقال محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان إن الخرطوم تعيش وضعا كارثيا، مسلطا الضوء على الأوضاع المروعة التي يواجهها المدنيون في المناطق المتضررة.

وتحدث رفعت إلى صحفيين في جنيف، الجمعة، عقب زيارة استغرقت أربعة أيام للعاصمة السودانية وضواحيها، مشيرا إلى أنه زار مناطق لم يكن الوصول إليها ممكنا من قبل، وشاهد بأم عينه حجم الدمار والمعاناة التي يعيشها الناس في هذه المناطق.

وأضاف: "أستطيع أن أقول لكم إن محطات الكهرباء نُهبت، وأنابيب المياه دُمرت. أنا لا أتحدث عن مناطق معينة، بل أتحدث عن كل مكان ذهبت إليه. لقد كنت في مناطق حروب في ليبيا واليمن والعديد من مناطق الصراع الأخرى. ومستوى الدمار الذي رأيته في بحري والخرطوم لا يمكن تصوره. لم يكن هناك استهداف لمنازل الناس فقط، ولا للمناطق الإدارية، ولا للمناطق العسكرية، بل لكل البنية التحتية الأساسية التي يمكن أن تحافظ على حياة الناس".

وأعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء التقارير التي تفيد بنزوح المدنيين من العاصمة السودانية الخرطوم بسبب العنف والمخاوف من عمليات القتل خارج نطاق القانون، في أعقاب التغيرات التي طرأت مؤخرا بشأن السيطرة الفعلية على العاصمة.

وضع صعب ومعقد

وأشار المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إلى أن الوضع العام في السودان لا يزال معقدا وصعبا، حيث يفر المدنيون من أجل سلامتهم في بعض المواقع، ويحاولون العودة إلى ديارهم في مواقع أخرى، وغالبا إلى مناطق دمرت فيها الخدمات الأساسية بسبب الصراع، وحيث يواجهون أيضا خطر مخلفات المتفجرات والقذائف غير المنفجرة.

وأوضح أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يعمل على الوصول إلى السكان في مدينة كادقلي، عاصمة جنوب كردفان، من خلال تسهيل إرسال قافلة مساعدات إنسانية تحمل إمدادات التغذية والصحة وتطهير المياه. ولكن القافلة لا تزال متوقفة في الأبيض، عاصمة شمال كردفان، بسبب انعدام الأمن والعقبات البيروقراطية.

وقال دوجاريك إن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أعرب عن غضبه، الخميس، إزاء التقارير التي تتحدث عن تصاعد الهجمات على المطابخ المجتمعية والمساحات الآمنة التي يديرها المتطوعون في السودان، وشدد على ضرورة حماية ودعم العاملين في المجال الإنساني.

وذكّر بأن القانون الدولي الإنساني يُلزم جميع الأطراف بالسماح وتسهيل الإغاثة الإنسانية، بسرعة، وبلا عوائق، وبحياد، للمدنيين المحتاجين، بغض النظر عن الموقع أو انتماء هؤلاء المدنيين.

حاجة إلى التمويل

وأشار رفعت إلى الحاجة الملحة لتوفير التمويل الإنساني للأدوية والمأوى ومياه الشرب والتعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى ضمان وصول إنساني غير مقيد للمتضررين من الصراع. ونبه إلى أن محدودية الوصول الإنساني ونقص التمويل أدت إلى معاناة هائلة، خاصة بالنسبة للنساء.

وأكد أن العديد من المنظمات غير الحكومية أوقفت أو قللت عملياتها بسبب نقص التمويل، وأن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يوجد أكثر من 11 مليون نازح داخلي.

ودعا رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة إلى التركيز على إعادة البناء، مشيرا إلى أن ترميم الخرطوم والمناطق الأخرى سيستغرق وقتا، لكن من الممكن توفير مأوى وسبل عيش كريمة بمجرد توفر الموارد اللازمة.

وأوضح أن خطة استجابة المنظمة الدولية للهجرة في السودان تسعى للحصول على 250 مليون دولار لمساعدة 1.7 مليون شخص، لكن لم تتم تغطية سوى 9% من الأموال المطلوبة حتى يناير 2025.

وتسببت الحرب بمقتل وإصابة عشرات الآلاف ونزوح وتهجير الملايين داخل البلاد وخارجها، وخسائر مادية واقتصادية فادحة بمختلف القطاعات.