FILE PHOTO: People wait outside currency exchange bureau in Khartoum, Sudan February 28, 2021. REUTERS/Mohamed Nureldin…
منذ أغسطس 2019، يتولى السلطة في السودان مجلس السيادة.

بالتزامن مع احتجاجات على إصلاحات اقتصادية مدعومة من صندوق النقد، ظهر رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، على التلفزيون الرسمي، مشيدا "بصبر" "ومكابدة" الشعب السوداني الذي يعاني نسبة تضخم 380 في المئة ونقصا في الوقود والخبز وواردات أخرى.

وبينما تحظى الحكومة الانتقالية في السودان بإشادات دولية بفضل إصلاحات اقتصادية، كان آخرها التوصل لاتفاق لتخفيف كبير للديون، يتواصل تدهور الأوضاع المعيشية.

والأربعاء، خرج مئات الأشخاص إلى الشوارع في عدد من المدن السودانية، مطالبين بتنحي الحكومة على خلفية إصلاحات مدعومة من صندوق النقد الدولي، يعتبرونها قاسية جدا، في وقت لا تبدو فيه أن الأوضاع تتحسن بشكل ملموس بعد عامين على إطاحة الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019.

ومنذ أغسطس 2019، يتولى السلطة في السودان، البالغ قرابة 45 مليون نسمة، مجلس السيادة.

وتم تشكيل المجلس العسكري - المدني المؤلف من 14 عضوا، إلى جانب مجلس وزراء تكنوقراط، لقيادة السودان، خلال فترة انتقالية، بعد أن أطاح الجيش البشير بعد شهور من الاحتجاجات الشعبية.

يقول عثمان الميرغني رئيس تحرير صحيفة "التيار" السودانية لموقع "الحرة": "السبب الرئيس هو المدنيين، أي مجلس الوزراء المسؤول عن الحكم التنفيذي، فهو لا يمتلك رؤية واضحة لما يجب إتمامه على مستوى التنمية والمشروعات التي تتصل بالمواطن مباشرة".

وأضاف "المجلس دائما يركز على القضايا السياسية وتلك المتصلة بالشأن الخارجي، وفي المقابل أهمل التعامل مع الشأن الداخلي، والتخطيط، وإقامة مشروعات ومحاولة تشجيع قطاعات المجتمع، تحديدا القطاع الخاص، من أجل العمل والإنتاج".

وتحاول الحكومة إصلاح اقتصاد عانى لعقود من سوء الإدارة، والنزاعات الداخلية، وعقوبات دولية وعزلة تحت حكم البشير.

واتفاق تخفيف أعباء الديون الذي أُعلن عنه، الثلاثاء، يعني أن السودان سيتمكن من الحصول على تمويل جديد بعدة مليارات الدولارات قد يساعد على تخفيف أزمة النقد الأجنبي.

إلا أن الميرغني يحمَل المدنيين وحدهم، دون العسكريين، مسؤولية السخط الشعبي، قائلا: "هم يمثلون الجهة التنفيذية، حسب الوثيقة الدستورية. الحكومة هي المسؤولة لأنه بيدها القلم وتستطيع إصدار واتخاذ القرارات التنفيذية التي تتعلق بمصير السودان".

وتحدد الوثيقة الخطوط العريضة لشكل الحكومة الانتقالية، وتم التوصل إليها بعد محادثات توسط فيها الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا، وجرى تعليقها أحيانا بسبب أعمال عنف في شوارع العاصمة الخرطوم ومدن أخرى.

هيمنة الجيش

وعلى العكس من ذلك، يقول خالد التيجاني رئيس تحرير صحيفة "إيلاف" السودانية لموقع "الحرة" إن شيئا ما تغير في مهمة الفترة الانتقالية بهدف إطالتها "عبر تحالفات داخلية"، على حد قوله.

وأوضح قائلا: "عندما بدأت الفترة الانتقالية، كانت هناك ثنائية متناقضة بين العسكريين والمدنيين، ولكن حصل نوع من التحالفات داخل النخبة الحاكمة الجديدة؛ بين بعض العسكريين وبعض المكونات المدنية.

وما نتج عن هذه التحالفات الجديدة، بحسب التيجاني، هو هيمنة العسكريين "على كثير جدا من الصلاحيات المفترض أنها تدخل ضمن نطاق الحكومة المدنية، سواء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية أو إدارة الاقتصاد أو في عملية السلام".

وأضاف "أصبح شكل الحكم مدنيا، ولكن الواقع يقول إن المؤسسة العسكرية بشقيها (القائد الأول للقوات المسلحة والدعم السريع)، تسيطر عليه.

وفي مايو الماضي، أعلنت واحدة من امرأتين فقط في مجلس السيادة الحاكم في السودان استقالتها، متهمة الحكومة الانتقالية بتجاهل أصوات المدنيين.

وقالت عائشة موسى، في بيان، عبر الفيديو، بثته وكالة السودان للأنباء: "أصبح المكون المدني في السيادي وفي كل مستويات الحكم مجرد جهاز تنفيذي لوجستي، لا يشارك في صنع القرار، بل يختم بالقبول فقط لقرارات معدة مسبقا".

وعن قرارات الحكومة الاقتصادية، قال التيجاني: "الأوضاع الاقتصادية متردية جدا، نتيجة للسياسات الحكومية التي تتبنى برنامجا للإصلاح الاقتصادي يراقبه خبراء صندوق النقد الدولي".

وأضاف "التكلفة الاجتماعية لهذا البرنامج عالية؛ كما أن عملية التحرير الاقتصادي لم يفض عنها مشروعات للحماية الاجتماعية للمساعدة في تخفيف هذه الإجراءات".

ويسعى السودان إلى تخفيف يشمل ما لا يقل عن 50 مليار دولار من ديونه الخارجية التي يدين بها لمؤسسات مالية دولية ودائنين ثنائيين رسميين ودائنين تجاريين.

وحصل السودان بالفعل على قروض من الولايات المتحدة وبريطانيا لسداد متأخرات مستحقة للبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي. وحوالي 85 هي المئة من الديون هي متأخرات.

ويقول اليتجاني: "هناك مشروع ممول من البنك الدولي وبعض المانحين في المجتمع الدولي، من المفترض أن يغطي 6 مليون ونصف أسرة (حوالى 80 في المئة من السودانيين) لكن ما تم تغطيته حتى الآن لا يتجاوز 2 في المئة فقط، مما أدى إلى احتقان اجتماعي".

واندلعت احتجاجات الأربعاء غداة إعلان صندوق النقد منح السودان 2,5 مليار دولار قرض للسودان، والنظر في تخفيف ديونه الخارجية بحوالي 50 مليار دولار .

وتزايد السخط الشعبي على قرارات الحكومة الأخيرة برفع الدعم عن البنزين والديزل، مما تسبب في زيادة أسعاره بأكثر من الضعف.

انشقاقات قوى الحرية والتغيير 

وفضلا عن الضغوطات الاقتصادية يتحدث الميرغني عن التجاذبات السياسية بقوى الحرية والتغيير أو ما يعرف بالحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، قائلا: "أثرت كثيرا على أداء الجهاز التنفيذي. قوى الحرية والتغيير مسؤولة عن اختيار وترشيح الوزراء ودعم الحكومة، فعندما تنقسم على نفسها تؤثر على قدرة الحكومة في العمل".

وفي نفس السياق يقول التيجاني إن انشقاقات قوى الحرية والتغيير نتيجة "للصراعات والتحالفات المستجدة" داخل مجلس السيادة.

كما أشار إلى خلافات بين القادة العسكريين في الحكومة الانتقالية في السودان (القوات المسلحة الدعم السريع)، رغم أن بيانا مشتركا للجيش وقوات الدعم السريع، في يونيو الماضي، نفى ما وصفها بـ"شائعات الخلافات".

وكان البشير منح قوات الدعم السريع الصفة العسكرية، ولكنها ظلت منفصلة عن القوات المسلحة.

وينظر الكثيرون في البلاد بارتياب لقوة الدعم السريع التي يقودها الفريق أول محمد حمدان دقلو نائب رئيس مجلس السيادة، والتي خرجت من عباءة ميليشيا الجنجويد في صراع دارفور خلال أوائل الألفينات.

الجيش السوداني حقق تقدما واضحا خلال الأشهر الأخيرة في حربه ضد الدعم السريع - رويترز
الجيش السوداني حقق تقدما واضحا خلال الأشهر الأخيرة في حربه ضد الدعم السريع - رويترز

قالت مصادر تابعة للجيش السوداني، الثلاثاء، إن وحدات من القوات "بدأت هجوما على منطقة جبل أولياء" شمالي الخرطوم، التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب.

وأضافت في تصريحات لـ"الحرة"، أن المعارك التي تدور الآن "ستقطع الطريق الوحيد الذي تبقى لقوات الدعم السريع للاستفادة منه للانسحاب من العاصمة".

وأكد مصدر عسكري على أن الجيش "دمر نحو 26 سيارة تابعة للدعم السريع، وقتل العشرات من عناصرها".

وأكدت قيادات في حكومة ولاية الخرطوم، رصدها لحركة انسحابات واسعه لقوات الدعم السريع من أحياء شرق ووسط مدينة الخرطوم، حيث توالى خروج العناصر من أحياء الرياض المنشية واركويت وناصر والمعمورة.

وفي سياق متصل، اتهمت قوات الدعم السريع في بيان، الثلاثاء، الجيش السوداني بارتكاب "مجزرة" باستخدام الطيران الحربي، بعد قصف سوق منطقة طرا بولاية شمال دارفور.

وجاء في بيان أن الهجوم تسبب في "مقتل وجرح المئات، بينهم نساء وأطفال".

واستعاد الجيش السوداني خلال الأيام الماضية مناطق استراتيجية في الخرطوم، كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، من بينها القصر الجمهوري وسفارات ومقار حكومية وجامعات.

يُذكر أن الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اندلعت في أبريل 2023. ورغم توقيع التوصل لاتفاقيات لوقف إطلاق النار، فإن القتال استمر، مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى ونزوح الملايين.​

الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، ألحقت أضرارا جسيمة بالبنية التحتية وأجبرت أكثر من 12 مليون شخص على النزوح سواء داخل البلاد أو خارجها.

وقُتل عشرات الآلاف على الرغم من أن تقديرات القتلى غير مؤكدة. وفر مئات الألوف إلى مصر وتشاد وجنوب السودان، وعبرت أعداد أقل إلى إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى.