مع الساعات الأولى لصباح الاثنين، استيقظ السودانيون على تحركات عسكرية، وأنباء عن اعتقال رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، وعدد من الوزراء وأعضاء مجلس السيادة الانتقالي.
وبعد ساعات، أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في بيان، حل مجلس السيادة الانتقالي، الذي كان يرأسه، وحل مجلس الوزراء، وإنهاء تكليف ولاة الولايات ووكلاء الوزراء، وهو ما وصفته القوى المدنية بـ"الانقلاب".
تأتي هذا التحركات بعد أسابيع من الصراع بين مكوني السلطة، المدنيين والعسكريين، مما انعكس كذلك على الشارع الذي انقسم أيضا بين مطالبين بحكومة عسكرية وآخرين يتمسكون بحكم مدني.
وعقب بيان البرهان، قالت وزيرة الخارجية السودانية في الحكومة المحلولة، مريم الصادق المهدي، إن "هذا الانقلاب ردة كاملة، ومحاولة أحد المكونات فرض رؤيته ورأيه بقوة السلاح".
وأضافت المهدي، القيادية في حزب الأمة، بتصريحات لموقع قناة "الحرة": "كنا نظن الخير بالمكون العسكري وننأى به عن الانقلاب وخاصة بعد تأييده للثروة". وتابعت: "ظللنا نتحدث مع جميع الجهات للابتعاد عن الانقلاب، لعلمنا بهشاشة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد".
واعتبر قال رئيس مكتب رئيس الوزراء، آدم حريكة، لموقع قناة "الحرة" أن ما حدث "انقلاب"، مضيفا أن هذه "عودة إلى الحكم العسكري مرة ثانية".
وذكر حريكة أن عسكريين ذهبوا لمنزل رئيس الوزراء صباح اليوم، واعتقلوه واقتادوه إلى مكان مجهول، وليس هناك أي تواصل بينهم منذ ذلك الوقت.
ويرى الخبير الاستراتيجي في مركز السياسات الدولية، أمين إسماعيل المجذوب، أن هذا البيان يؤسس لمرحلة جديدة للفترة الانتقالية، ويلغي المرحلة السابقة، ويفض الشراكة مع المكون المدني.
وأضاف المجذوب في تصريحات لموقع "الحرة" أن هذا البيان يعني أنه أصبح هناك سلطة واحدة تدير البلاد، هي المجلس العسكري.
واعتبر أن القبض على حمدوك وباقي الوزراء والمسؤولين أمر متوقع، لإبعادهم عن قواعدهم الشعبية وحتى لا يؤججوا الاحتجاجات، متوقعا الإفراج عنهم بعد عدة أشهر عندما تهدأ الأوضاع.
من جانبه، قال الأمين العام للجبهة الوطنية السودانية، نزار عبد العزيز، إن هذا القرارات مغامرة غير مدروسة العواقب من العسكر وبعض السياسيين الانتهازيين.
وأضاف عبد العزيز، في تصريحات لموقع "الحرة"، أن "ما حدث انقلاب عسكري غير مقبول وفض للشراكة مع المكون المدني وتمزيق للوثيقة الدستورية والثورة".
وذكر أن "البرهان وجنرالات الجيش جزء من النظام السابق، نظام البشير والإخوان"، وتابع "كنا نريد أن نزيلهم ونرجع السودان إلى ما قبل 1989.
"استجابة لنداء الآلاف"
وكانت وزارة الإعلام قالت إن قوات عسكرية مشتركة اعتقلت رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، واقتادته إلى مكان مجهول بعد رفضه إصدار بيان مؤيد "للانقلاب".
وذكرت الوزارة أن قوات عسكرية اعتقلت أعضاء بمجلس السيادة الانتقالي من المكون المدني، وعددا من وزراء الحكومة الانتقالية، واقتادتهم إلى جهات غير معلومة.
وقال مكتب رئيس الوزراء إنه "تم اختطاف حمدوك وزوجته فجر اليوم الاثنين 25 أكتوبر 2021 من مقر إقامتهما بالخرطوم، وتم اقتيادهما لجهة غير معلومة من قبل قوة عسكرية. كما اعتقلت القوات الأمنية، بالتزامن، عدداً من أعضاء مجلس السيادة والوزراء وقيادات سياسية".
وأضاف المكتب في بيانه: "ما حدث يمثل تمزيقاً للوثيقة الدستورية وانقلاباً مكتملاً على مكتسبات الثورة التي مهرها شعبنا بالدماء بحثاً عن الحرية والسلام والعدالة".
وحمّل البيان "القيادات العسكرية في السودان المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة رئيس حمدوك وأسرته". وقال: "تتحمل هذه القيادات التبعات الجنائية والقانونية والسياسية للقرارات الأحادية التي اتخذتها".
انقطاع الإنترنت
وانقطعت خدمة الإنترنت تماما في البلاد، وفق ما ذكر صحفي في وكالة "فرانس برس"، مشيرا أيضا إلى أن الهواتف المحمولة أصبحت تستقبل الاتصالات فقط ولا يمكن إجراء أي مكالمات من خلالها.
وقطع رجال بزي عسكري الطرق التي تربط وسط العاصمة السودانية بكل من خرطوم بحري وأم درمان، المدينتان المحاذيتان للعاصمة.
وكان البرهان ذكر في بيانه، أن المرحلة الانتقالية قامت على أساس التراضي بين مكونات الشراكة المدنية والعسكرية، ولكن التراضي انقلب إلى "صراع وانقسامات" مما ينذر بخطر شديد، بحسب تعبيره.
وقال إن هذه القرارت استجابة لنداء آلاف "المحتشدين أمام القيادة العامة"، وإنها تأتي عن قناعة بأن شباب وأهل السودان يستحقون وطنا يسوده السلام والحرية والعدالة.
ووعد بإشراك الشباب والشابات من خلال "برلمان ثوري يقف على تحقيق أهداف ثورته". وختم خطابه بتوجيه الشكر لجيران السودان على دعمهم المستمر، ولشعب السودان، وللقوات النظامية على دورها في حفظ الأمن.
ودافع الخبير الاستراتيجي، اللواء عبد الهادي عبد الباسط، عن هذه القرارات قبل صدور بيان البرهان، وقال إن ما حدث في السودان، اليوم، هي إجراءات استثنائية، لتصحيح الفترة الانتقالية وتشكيل حكومة مستقلة، وليست انقلابا، بحسب تعبيره.
وأضاف في تصريحات سابقة لقناة "الحرة" أن ما يحدث الآن ليس انقلابا من قوة عسكرية على حكومة منتخبة أو مفوضة، بل هو خلاف بين شق العسكري وشق مدني "يحاول الاستئثار بالسلطة" على حد قوله.
واتهم عبد الهادي الشق المدني في الحكومة بممارسة "دكتاتورية مدنية"، وأنه أوصل البلاد إلى "الدرك الأسفل" بالملفات الاقتصادية والاجتماعية، وبارتكاب "أخطاء كارثية"، مضيفا أن ما حدث نتيجة متوقعة لمقدمات واضحة.
تجميد الوثيقة الدستورية
وأعلن البرهان تعليق العمل ببعض المواد في الوثيقة الدستورية، وشدد على الالتزام باتفاق جوبا للسلام. كما قرر تجميد عمل لجنة إزالة التمكين حتى يتم مراجعة طريقة عملها، كما أعلن حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد.
وكانت الوثيقة الدستورية أشبه بالدستور المؤقت للسودان خلال الفترة الانتقالية بعد سقوط نظام البشير، وتم التوقيع عليها في أغسطس 2019، وهي تنظم الحكم خلال المرحلة بين المدنيين والعسكريين.
ويقول عبد العزيز إن البرهان علق بعض المواد في الوثيقة، فقط حتى لا يتم تجميد اتفاق جوبا على إثرها، وبعض التزاماته مع الحركات المسلحة. وأشار إلى أن إعلان حالة الطوارئ يعني منع أي مظاهرات أو تجمعات.
لكن المهدي قالت، إنه جمد المادتين 11و12 المتعلقتان بمجلس السيادة وتكوينه وسلطاته، والمادتان 15 و16 المتعلقتان بتشكيل مجلس الوزراء وطريقة تكوينه وسلطاته، والمادة 24 هي المعنية بالمجلس التشريعي وتشكيله.
وأكدت أن "تجميد المادة 71 من الوثيقة الدستورية تعني فض الشراكة بين المكونين المدني والعسكري".
أما عن موقف الشعب تجاه هذه القرارات، فيقول المجذوب: "أنا شاهد عيان على الملايين التي نزلت إلى الشارع رفضا للقرارات، بالإضافة إلى دعوات الإضرابات والعصيان المدني".
وأكد أنه يجب على "المجلس العسكري" اتخاذا إجراءات اقتصادية وأمنية بسرعة لتثبيت هذه القرارات ويؤيدها الشعب، مشيرا إلى أن الشعب لا يهتم بمن يحكم، يهمه الأوضاع الاقتصادية.
وعقب انتشار هذه الأنباء، توافد الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع في الخرطوم، وقطعوا الطرق وحرقوا الإطارات للمطالبة بالإفراج عن المسؤولين المعتقلين. وتوجهوا إلى مقر القيادة العامة للجيش.
ووصف تجمع المهنيين السودانيين، أحد المحركين الأساسيين للانتفاضة التي أسقطت عمر البشير عام 2019، الاعتقالات بـ"الانقلاب".
وفي بيان نشره على حسابه على "تويتر"، دعا التجمع إلى "المقاومة الشرسة للانقلاب العسكري الغاشم". وناشد "الجماهير الخروج إلى الشوارع واحتلالها وإغلاق كل الطرق بالمتاريس والإضراب العام عن العمل وأي تعاون مع الانقلابيين والعصيان المدني في مواجهتهم".
كذلك نادت نقابة الأطباء ونقابة المصارف إلى "العصيان المدني". وقطع متظاهرون في بعض أنحاء الخرطوم طرقا وأحرقوا إطارات احتجاجا. بينما قطع الجيش جسورا تربط الخرطوم بالمناطق المجاورة.
إدانات دولية
أما بالنسبة لرد المجتمع الدولي، فقد دعت السفارة الأميركية في الخرطوم، الاثنين، "جميع الفاعلين الذين يعرقلون الانتقال في السودان إلى التراجع والسماح للحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون بمواصلة عملها لتحقيق أهداف الثورة".
وندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، "بأكبر قدر من الحزم بمحاولة الانقلاب" في السودان ودعا إلى "احترام مكانة رئيس الوزراء والقادة المدنيين".
كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى الإفراج عن قادة السودان المدنيين وشدد على وجوب "تجنّب العنف وسفك الدماء".
وسارعت الأمم المتحدة ومنظمات الى التنديد بـ"محاولة الانقلاب" و"سيطرة الجيش"، مطالبة باحترام "الميثاق الانتقالي" الذي نص على تقاسم السلطة بين مدنيين وعسكريين منذ 2019 لمرحلة انتقالية تنتهي بتسليم السلطة بشكل كامل الى المدنيين.
ويعتقد المجذوب أن البرهان لم يكن ليقدم على هذه الخطوة لو لم يحصل على ضوء أخضر من بعض الجهات الإقليمية والدولية.
أما عبد العزيز فيرى أن هذه مجرد إدانات غير كافية، وطالب بخطوات ملموسة مثل فرض عقوبات على "الانقلابيين".
وذكر عبد العزيز: "نتمنى ألا ينفرط عقد السودان بعد هذه الاحداث، لأنه توجد 5 جيوش في البلاد، لا يمكن أن تتفق جميعا مع البرهان".
