تحول اليوم الذي كان من المفترض أن يتولى فيه مدني قيادة مجلس السيادة الحاكم في السودان، الذي حله الجيش مؤخرا، إلى أكثر الأيام دموية منذ استيلاء العسكريين على الحكم في 25 أكتوبر الماضي.
ووفقا للجنة الأطباء المركزية، وهي مجموعة مسعفين مؤيدين للحكم المدني، فقد قتل 15 متظاهرا معارضا للحكم العسكري، الأربعاء، 11 شخصا من بينهم امرأة قتلوا بالرصاص في ضاحية العاصمة الشمالية وحدها.
وقالت لجنة أطباء السودان المركزية، في صفحتها على فيسبوك: "القوات الانقلابية تستخدم الرصاص الحي بكثافة في مناطق متفرقة في العاصمة الخرطوم وعشرات الإصابات بالرصاص الحي بعضها حالات حرجة".
يقول عمار حمودة، القيادي بقوى الحرية والتغيير، إن ما حدث منذ صباح الأربعاء "فضح بوضوح جميع الادعاءات بشأن التحول للحكم المدني واحترام حقوق الإنسان"، قائلا: "نحن في حالة أقرب إلى جيوش الاحتلال. هذه التصرفات لا تصدر من جهة لها علاقة بالشعب السوداني".
وقال شهود لوكالة فرانس برس إن قوات الأمن أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع في منطقة بحري، شمال شرق العاصمة التي قطعت عنها كل خدمات الاتصالات الهاتفية والإنترنت.
وأضاف حمودة لموقع "الحرة": "أقل ما يقال عما حدث، خصوصا في مدينة بحري، إنه لا يليق بالإنسانية والفطرة السليمة. جرائم مكتملة الأركان متمثلة في استعمال مفرط للقوة وقمع في مواجهة احتجاجات سلمية".
ونقلت رويترز عن أحد المتظاهرين قوله: "لم نشهد عنفا في بحري مثل اليوم حتى في ظل النظام القديم" وأضاف أن الهواء كان مشبعا بالغاز المسيل للدموع وأن قوات الأمن استخدمت الرصاص المطاطي والحي.
يقول عثمان الميرغني رئيس تحرير صحيفة "التيار" السودانية: "الأربعاء كان دمويا وقاسيا جدا، بالنظر إلى العدد الكبيرممن قتلوا خلال الاحتجاجات في مكان واحد".
وكانت نقابة الأطباء اتهمت القوى الأمنية بمطادرة المتظاهرين حتى داخل المستشفيات، وإطلاق الغاز المسيل للدموع باتجاه الجرحى وسيارات الإسعاف.
وفي المقابل تقول الشرطة إنها لا تفتح النار، كما سبق وأن قال القائد العسكري عبد الفتاح البرهان إن الاحتجاجات السلمية مسموح بها وإن الجيش لا يقتل المحتجين. فيما أعلن التلفزيون الرسمي فتح تحقيق حول مقتل متظاهرين الأربعاء.
ويرى حمودة أن ما حدث يهدف إلى "عرقلة استكمال أهداف الثورة وإسقاط الانقلاب الذي قطع الطريق على التحول المدني والديمقراطي".
ويتوقع الميرغني أن تؤدي احتجاجات الأربعاء إلى تعقيد الوضع والاحتقان الشعبي، قائلا لموقع "الحرة": "كلما زادت الدماء ازدادت مشاركة الجماهير في المظاهرات".
"إسقاط الانقلاب"
وعن موقف قوى الحرية والتغيير، وهي التحالف المدني السياسي الذي تقاسم السلطة مع الجيش منذ الانتفاضة ضد عمر البشير في 2019، قال حمودة: "سنواجه إلى جانب الشعب الانقلاب حتى إسقاطه، وذلك عبر الاحتجاجات في الشوارع والإضراب السياسي والعصيان المدني وجميع الوسائل السلمية".
وأضاف "لا توجد نقاط للالتقاء بين مشروع البرهان ومشروع الشعب السوداني في الثورة والدولة المدنية".
وبدلا من أن ينزل السودانيون إلى الشوارع احتفالا باليوم الذي كان من المفترض أن يتولى فيه مدني قيادة مجلس السيادة الحاكم الذي حله البرهان في 25 أكتوبر الماضي، قبل أن يعلن تشكيل مجلس جديد قبل نحو أسبوع، تدفق الآلاف للهتاف قائلين: "لا لحكم العسكر"، "السلطة سلطة الشعب" و"الشعب يريد المدنيين".
وسبق أن نزل عشرات آلاف السودانيين إلى الشوارع مرتين في 30 أكتوبر وفي 13 نوفمبر احتجاجا على سيطرة الجيش على الحكم. وقد بدأ القمع بدأ منذ اليوم الأول للاحتجاجات غير أنه بلغ مستوى جديدا الأربعاء.
والخميس، ذكر شاهد لفرانس برس أن قوات الأمن السودانية قنابل غاز مسيل للدموع على عشرات المحتجين في الضواحي الشمالية للخرطوم.
وقد عادت الاتصالات الهاتفية، صباح الخميس، بعد انقطاع تقوم به السلطات عادة بالتزامن مع التظاهرات المعارضة لسيطرة القوات المسلحة على السلطة، الأمر الذي يؤثر على جهود الجماعات المؤيدة للديمقراطية لشن حملة مسيرات مناهضة للجيش وإضرابات وعصيان مدني.
مصير التسوية
وتأتي هذه التطورات على الأرض بينما قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الأربعاء، في مؤتمر صحافي، عقده في نيروبي، في مستهل جولة إفريقية: "من الحيوي استعادة الشرعية التي كانت تتسم بها المرحلة الانتقالية (...) إذا أعاد الجيش الأمور إلى مسارها وفعل ما هو ضروري، أعتقد أنه من الممكن استئناف دعم المجتمع الدولي الذي كان قويا للغاية".
وعقب استيلاء الجيش على السلطة الشهر الماضي، علقت الولايات المتحدة مساعدات، قيمتها 700 مليون دولار.
ويرجح الميرغني أن تسفر دموية الأربعاء إلى عقوبات جديدة تزيد من تردي الأوضاع الاقتصادية في السودان.
ومؤخرا قامت مساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإفريقية، مولي في، بجولات مكوكية بين ممثلي القوى المدنية، ومن بينهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي أقاله الجيش ووضعه قيد الاقامة الجبرية، وبين العسكريين.
تحاول في التوصل إلى تسوية تتيح العودة إلى المرحلة الانتقالية المفترض أن تقود إلى سلطة منتخبة ديمقراطيا، عام 2023.
وعلى تويتر، قالت مولي: "أحزنتني تقارير عن أعمال عنف وخسائر في الأرواح اليوم في السودان. ندين العنف ضد المتظاهرين السلميين، وندعو إلى احترام حقوق الإنسان في السودان وحمايتها".
ويعلق حمودة قائلا: "حتى الآن لا يوجد أي تواصل، نحن نرفع شعار لا تفاوض لا شراكة لا شرعية، هذا انقلاب كامل يستخدم أقصى درجات العنف، ويقتل الناس، ويمارس الدموية في يوم واحد".
والأسبوع الماضي، عقدت قوى الحرية والتغيير أول مؤتمر صحفي منذ استيلاء العكسر على الحكم، وأعلنت فيه رفضها إجراء أي مفاوضات مع الجيش، وعبرت عن تمسكها بموقفها.
لكن الميرغني يلفت النظر إلى الانشقاقات بداخل قوى الحرية والتغيير، قائلا إنها تعاني من "الانقسام وأكثر من لسان يتحدث باسمها".
وأضاف "الجسم الرئيس للحرية والتغيير يدعو للتفاوض والحوار لحقن دماء الشباب والوصول إلى تسوية تنهي هذه الأزمة".
وفي المقابل، توجد مجموعة ترفض رفضا تاما الحوار والمفاوضات، وتدعو لمواصلة المظاهرات لحين إسقاط المكون العسكري، ويمثل تلك المجموعة تجمع المهنيين والحزب الشيوعي، على حد قول الميرغني.
ويصف الميرغني موقف المجموعة الثانية بـ"غير المنطقي"، موضحا بقوله: "المكون العسكري هو جزء من الشراكة في الوثيقة الدستورية المعترف بها داخليا وخارجيا".
وأضاف "هذا المكون هو المسؤول في الأساس عن الشق الأهم في البلاد، وهو الحفاظ على الأمن وحراسة الثورة"، كما يقول الميرغني.
وفي إشارة إلى القادة العسكريين الذين قاموا بالاستيلاء على السلطة وانتهكوا الوثيقة الدستورية، قال الميرغني: "المكون العسكري لا يعني مجموعة ضباط بعينهم، بل المؤسسات العسكرية بما يشملها من جيش وشرطة وقوات الدعم السريع (...) لا يمكن أبدا تجاوز دور هذه القوات في الوضع الراهن".
ماذا بعد؟
أما المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التجمع السلمي، كليمون فولي، قال في تغريدة على تويتر: "القادة العسكريون سيحاسبون على هذه الانتهاكات".
غير أن ما فعله القادة العسكريين ينم عن عدم اعتزامهم العودة إلى الوراء؛ ففي الأسبوع الماضي أعاد قائد الجيش تعيين نفسه على رأس المجلس السيادي، أعلى سلطة خلال المرحلة الانتقالية، بعد أن أعاد تشكيله مستبعدا منه ممثلي قوى الحرية والتغيير.
ورغم ذلك يجدد البرهان للدبلوماسية الأميركية التزامه بالانتقال الديمقراطي واعتزامه إجراء انتخابات عامة في 2023، مكررا القول بإنه لم يفعل سوى "تصحيح مسار الثورة".
كما أخبرها أن خطوات الإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين تم اعتقالهم أثناء السيطرة على السلطة قد بدأت، وفقا لوكالة السودان للأنباء. بينما لن يشمل ذلك الإفراج عمن يواجهون اتهامات جنائية.
ويعلق الميرغني على هذه التطمينات التي قالها البرهان، قائلا: "ليس هناك ضمانات لهذه التأكيدات لأنه بسهولة جدا يمكن التذرع بأي حجج أمنية أو غيرها".
ويقول الميرغني إن معظم الوساطات فشلت. بينما تبرز وساطة داخلية من بعض الأعضاء في قوى الحرية والتغيير، مضيفا "يجري بحثها الآن، وهي في انتظار الرد النهائي للعسكريين".
إلا أن حمودة يقول إن "البرهان يفعل عكس ما يتحدث به مع الجهات الرسمية العالمية مثل الأمم المتحدة والدول والمنظمات الغربية، يتحدث عن الانتقال الديمقراطي بينما يُقتل السودانيون لمجرد احتجاجهم بسلمية في الشوارع"، على حد قوله.
وأضاف "نحن في طريق العودة إلى الشمولية والديكتاتورية".
