الاحتجاجات ضد الحكم العسكري في السودان
الاحتجاجات ضد الحكم العسكري في السودان

لم توقف عودة رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، على رأس الحكومة في السودان، الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي تطالب بخروج الجيش من المشهد السياسي، الأمر الذي يضعه بمواجهة اختبار صعب لإقناع القوى المدنية بقبول الاتفاق الذي وقعه مع الجيش وعاد بموجبه إلى منصبه.

ورفضت أحزاب سياسية بارزة قرار رئيس الوزراء عبد الله حمدوك توقيع اتفاق مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، واتهمه بعضهم  بـ"الخيانة" وتوفير  غطاء سياسي لاستيلاء الجيش على السلطة.

"عودة العلاقة شبه مستحيلة"

وأكد المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين، الوليد علي، أن عودة العلاقة بين حمدوك والقوى الثورية بعد هذا الاتفاق مستحيلة، مشددا على رفض المكون المدني للاتفاق مع البرهان.

ويرى علي في حديثه لموقع "الحرة" أن الاتفاق السياسي جرى "تحت أمر وسيطرة عسكرية"، وقال إن هذا الاتفاق أعطى "شرعية دولية للانقلاب". وطالب  بانسحاب الجيش من المشهد السياسي بالكامل، مؤكدا أن استمرار المكون العسكري في السلطة يمنع تداولها سلميا.

وقال بيان لتجمع المهنيين إن "اتفاق البرهان حمدوك يعني القبول بأن المجلس العسكري وصي على العملية السياسية وهذه انتكاسة خطيرة"، وحذر البيان من عودة الجيش للانقلاب مرة ثانية عند نهاية الفترة الانتقالية. 

وقال عبد السلام، والد أحد قتلى الاحتجاجات، لرويترز: "شبابنا دول إللي ماتوا، ماتوا من أجل حكومة مدنية ديمقراطية والاتفاق دا اتفاق مرفوض لدى الشعب السوداني".

وكان البرهان قد أعلن في 25 أكتوبر حالة الطوارئ في البلاد وحل مجلس السيادة الذي كان يترأسه، والحكومة برئاسة، عبدالله حمدوك، الذي جرى توقيفه لفترة وجيزة، ثم وضعه قيد الإقامة الجبرية في منزله، وأوقف معظم وزراء الحكومة من المدنيين وبعض النشطاء والسياسيين.

والأحد الماضي، استجاب البرهان للضغوط الدولية وأعاد حمدوك إلى رئاسة الحكومة، وفق اتفاق سياسي جديد.

وبموجب بنود الاتفاق سيرأس حمدوك حكومة تكنوقراط خلال مرحلة انتقال سياسي من المتوقع استمرارها حتى 2023 وستتقاسم السلطة مع الجيش.

وبُنيَ هذا الاتفاق على أساس اتفاق سابق لتقاسم السلطة بين الجيش والقوى السياسية المدنية بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في 2019، عندما اتفقا على ذلك الترتيب حتى إجراء الانتخابات. وأجهض الانقلاب تلك الشراكة، وعمل الجيش منذ ذلك الحين على تعزيز موقفه من خلال تعيينات ونقل موظفين في وظائف عليا بالدولة.

"موقف غير واقعي"

يقول المحلل السياسي، حاتم إلياس، إن هناك انقساما بين القوى المدنية بشأن الاتفاق السياسي الجديد، موضحا أن بعض المتظاهرين غير المنتمين للأحزاب يرون أن عودة حمدوك هزيمة للانقلاب، وأن حمدوك قادر على ترتيب المشهد السياسي من جديد.

واعتبر إلياس في حديثه مع موقع "الحرة" أن مطلب المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة بخروج الجيش من المشهد السياسي، أمر "غير واقعي" ومتطرف؛ لأن الجيش جزء من المشهد السياسي التاريخي.

وأشار إلى أن سبب قبول حمدوك لهذا الاتفاق هو أن الوضع في السودان كان على شفا حرب أهلية.

كان حمدوك أكد  في أول ظهور بعد عودته إلى منصبه، أن أولويته هي "وقف إراقة الدماء".

وتعليقا على هذا الاتفاق، قال مبعوث الأمم المتحدة إلى السودان، فولكر بيرثيز، الجمعة، إن الاتفاق الذي أبرم في السودان لإعادة تنصيب رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، في أعقاب الانقلاب العسكري، ليس كاملا، لكنه أنقذ البلاد من الانزلاق إلى حرب أهلية.

وأضاف بيرثيز أن طرفي الاتفاق شعرا بضرورة تقديم "تنازلات مريرة" لتجنيب البلاد مخاطر مزيد من العنف والفوضى والعزلة الدولية". وذكر خلال تصريحات عبر تقنية الفيديو "لم يكن من الممكن استبعاد تصور من شأنه أن يقرب السودان إلى ما شهدناه في اليمن أو ليبيا أو سوريا".

ومنذ قرارات 25 أكتوبر، تشهد السودان مظاهرات في مختلف أنحاء البلاد، رفضا للانقلاب العسكري، وللمطالبة بعودة الحكومة المدنية، وشهدت دعوات للعصيان المدني والاعتصام. وخلال هذه المليونيات سقط نحو 42 قتيلا.

"احتقان الشارع"

ورغم عودة حمدوك لم تتوقف هذه الاحتجاجات في شوارع الخرطوم ومناطق أخرى. وهتف المتظاهرون في منطقة أم درمان "حكم العسكر ما يتشكر" و"المدنية خيار الشعب"، فيما ردد محتجون في شارع الستين بوسط الخرطوم "الشعب يريد إسقاط النظام"، بحسب فرانس برس.

مدير مركز الدارسات الدولية، الفريق حنفي عبدالله، يرى من جهته أن هذه الاحتجاجات تعبير عن احتقان الشارع بسبب القتلى الذين سقطوا في المظاهرات خلال الأيام الماضية، وليس رفضا للاتفاق السياسي بين حمدوك والبرهان.

وأضاف عبدالله أن هذه المظاهرات ستختفي تدريجيا مع إجراء التحقيقات في مقتل المتظاهرين وإعلان النتائج، واستكمال تشكيل الحكومة وتعيين الولاة.

وأشار إلى أن حمدوك قادر على إقناع المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير بتأييد الاتفاق، مشيرا إلى أن المطالبة بخروج الجيش من المشهد هو تخبط سياسي يتعارض مع الاتفاق الذي أيده المجتمع الدولي.

وعقب عودته، أصدر حمدوك قرارات بإطلاق سراح بعض المعتقلين، وإقالة قائد الشرطة ومساعده، وأعلن أنه سيراجع التعيينات والإعفاءات التي أجراها الجيش.

من جانبه، يرى إلياس أن الأمر ليس بهذه السهولة، مؤكدا أن الأمر يحتاج إلى مصالحة مدنية مدنية، وأن تقتنع الأحزاب التي أبعد ممثلوها من السلطة بعد الانقلاب، بأسباب حمدوك "المنطقية" لقبول الاتفاق السياسي.

لكن المتحدث باسم تجمع المهنيين استبعد حدوث توافق بينهم وبين حمدوك، مرجعا ذلك إلى أنه لا يملك من السلطة شيئا لتحقيق مطالب المتظاهرين، بحسب قوله.

وأكد علي استمرار مظاهراتهم الأسبوعية، وقال: "نحن مستعدون لمعركة طويلة، سيتم التصعيد فيها إلي إضرابات وتعطيل كامل للحياة المدنية".

ودعا تجمع المهنيين السودانيين، لتظاهرات يوم الثلاثاء 30 نوفمبر في الخرطوم، رفضا للاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك.

بدوره، قال المستشار الإعلامي السابق لرئيس الحكومة، فايز السليك، إن الاتفاق بشكله الحالي لن يرضي أحدا من القوى السياسية مهما حاول حمدوك، إلا إذا كان تمهيدا لاتفاق أشمل، مشيرا إلى أن هذا الاتفاق استبعد القوى السياسية الفاعلة في الشارع مثل الحرية والتغيير من المشهد السياسي.

قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو (تلغرام)
قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو (تلغرام)

اعتبر قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، أن الحرب في السودان "لا تزال في بدايتها"، متعهدا بعودة قواته إلى العاصمة بعد أن انسحبت منها إثر التقدم الذي أحرزه الجيش في الخرطوم ومناطق أخرى.

وقال دقلو، في تصريحات صوتية بمناسبة عيد الفطر، إن الانسحاب الذي حصل في الأيام السابقة من أم درمان "كان قرارا جماعيا وتقديرا من القيادة وإدارة العمليات"، متعهدا بـ"العودة إلى الخرطوم بقوات أشد قوة".

وتأتي تصريحات دقلو المعروف باسم "حميدتي"، بعد إعلان الجيش السوداني، السبت، سيطرته على سوق رئيسية في مدينة أم درمان كانت تستخدمها قوات الدعم السريع لشن هجمات خلال الحرب المستعرة منذ نحو عامين.

وأعلن الجيش السوداني أيضا انتصاره على قوات الدعم السريع في الخرطوم، مؤكدا السيطرة على معظم أنحاء العاصمة.

وحذر قائد قوات الدعم السريع عناصره في أرجاء السودان من "الالتفات للشائعات"، متوعدا بطرد خصومه "خارج الخرطوم وخارج بحري"، وكافة الولايات.

وشدد دقلو على رفضه القاطع لأي تفاوض أو اتفاق، قائلًا: "لا يوجد معهم أي اتفاق ولا أي نقاش، سواء سري ولا علني، لا نقاش غير البندقية".

يأتي ذلك بعد أن استبعد قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أي مصالحة مع قوات الدعم السريع، وذلك في بيان مصور صدر السبت، تعهد فيه بسحق القوات شبه العسكرية.

وقال البرهان إنه "لا تفاوض ولا مساومة"، مؤكدا التزام الجيش بـ"استعادة الوحدة الوطنية والاستقرار".

وأضاف أن من الممكن منح العفو للمقاتلين الذين يلقون أسلحتهم، خاصة أولئك الموجودين في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع.

وتابع: "أبواب الوطن مفتوحة لكل من يحكم عقله ويتوب إلى الحق من الذين يحملون السلاح، فالعفو عن الحق العام ومعالجة الأمر العسكري ما زال ممكنا ومتاحا".

وسيطر الجيش بالفعل على معظم مدينة أم درمان، التي تضم قاعدتين عسكريتين كبيرتين. ويبدو أنه عازم على بسط السيطرة على كامل منطقة العاصمة، التي تتألف من 3 مدن هي الخرطوم وأم درمان وبحري.

واندلعت الحرب في خضم صراع على السلطة بين الطرفين قبل انتقال كان مزمعا إلى الحكم المدني.

الإمارات نفت تسليح قوات الدعم السريع في السودان (Reuters)
محكمة العدل الدولية تحسم أمرها في دعوى السودان ضد الإمارات
قالت محكمة العدل الدولية، الجمعة، إنها ستنظر في دعوى رفعها السودان وطالب فيها باتخاذ تدابير طارئة ضد الإمارات، متهما إياها بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وذلك من خلال تسليح قوات شبه عسكرية.

ودمرت الحرب أجزاء كبيرة من الخرطوم وأجبرت أكثر من 12 مليون سوداني على النزوح من ديارهم وجعلت نحو نصف سكان البلاد، البالغ عددهم 50 مليون نسمة، يعانون من الجوع الحاد.

ومن الصعب تقدير العدد الإجمالي للقتلى لكن دراسة نشرت العام الماضي قالت إن عدد القتلى ربما وصل إلى 61 ألفا في ولاية الخرطوم وحدها خلال أول 14 شهرا من الصراع.

وزادت الحرب من عدم الاستقرار في المنطقة حيث شهدت دول الجوار، ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، نوبات من الصراع الداخلي على مدى السنوات القليلة الماضية.

وفي يناير الماضي، اتهمت الخارجية الأميركية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب، كاشفة أن أفراد من الدعم وميليشيات عربية متحالفة معها ارتكبوا "جرائم ضد الإنسانية وتطهيرا عرقيا".