قبائل البجا تهدد بحركات تصعيدية جديدة في شرق السودان
قبائل البجا تهدد بحركات تصعيدية جديدة في شرق السودان

عادت أزمة شرق السودان إلى الواجهة مرة ثانية بعد تهديدات من المحتجين بحركات تصعيدية جديدة، وسط أزمة سياسية تعيشها البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر.

وأعلن المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، الجمعة، أنهم سيعلنون جدول تصعيد كبير خلال الساعات القادمة؛ احتجاجا على عدم إلغاء مسار الشرق في اتفاق جوبا قبل المهلة المحددة.

وأكد أمين شباب المجلس الأعلى لنظارات شرق السودان والعموديات المستقلة، كرار عسكر، لموقع "الحرة" أن شرق السودان مقبل على شتاء ساخن بسبب التصعيد ضد مجلس السيادة، لعدم تنفيذ مطالبهم وإلغاء مسار الشرق.

وكان المجلس حدد في مطلع نوفمبر الماضي، يوم الرابع من ديسمبر موعداً لتنفيذ مطالبهم وإلغاء مسار الشرق أو العودة إلى عمليات الإغلاق مرة ثانية.

"تهديدات بعودة الإغلاق"

أعلن أمين الإعلام بالمجلس الأعلى لنظارات البجا، عثمان كلوج، عن بدء العد التنازلي لإعادة إغلاق شرق السودان لعدم تنفيذ مطالبهم، مشيرا إلى أن الموانئ البحرية والطريق القومي ستغلق اعتبارا من السبت أو الأحد، محذرًا شركات الملاحة واتحاد العمل وغرف النقل والموردين والمصدرين وشركات التعدين من تبعات القرار، بحسب صحيفة "السوداني".

تعود الأزمة عندما أغلق محتجون ينتمون إلى قبائل البجا، التي تعيش في شرق السودان، ميناء بورتسودان وبعض الطرق التي تربط شرق البلاد ببقية أجزائها، لمدة 46 يوما احتجاجا على مسار الشرق في اتفاق جوبا، الذي وقعته الحكومة الانتقالية مع الجماعات المسلحة في البلاد، قبل أن يرفعوا إغلاقهم بعد انقلاب 25 أكتوبر.

ويقول المحتجون إن المجموعات التي وقعت على الاتفاق لا تمثل شرق السودان.

وتسبب الإغلاق في انقطاع وصول الاحتياجات الأساسية بما في ذلك القمح والوقود والأدوية إلى أنحاء البلاد. وأغلقت بعض المخابز أبوابها بالعاصمة السودانية في ظل شح الدقيق.

وذكر المستشار القانوني للتنسيقية العليا لكيانات شرق السودان والمجلس الأعلى للبجا، أحمد موسى عمر، أنه في 4 نوفمبر قرر المجلس منح الحكومة شهرا لحل أزمتهم وتنفيذ مطالبهم.

وأضاف عمر في حديثه مع موقع "الحرة" أنه خلال هذا الشهر تم تشكيل لجنة برئاسة نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو، واتخذت عدة خطوات إيجابية لحل المشكلة، لكن المهلة انتهت قبل التوصل لحل، مشيرا إلى أنهم خلال الساعات الماضية التقوا بممثلي مجلس السيادة، الذين طلبوا عدة أيام أخرى لاتخاذ قرارات تساعد في حل الأزمة.

"الحكومة غير جادة"

بدوره، يعتقد الصحفي والمحلل السياسي، عبد القادر باكاش، أن الحكومة في الخرطوم "غير راغبة وغير جادة" في إلغاء مسار الشرق، مرجعا ذلك إلى أن الالغاء يعني إقامة منبر تفاوضي جديد ربما باستحقاقات أكبر في السلطة والثروة.

وأشار إلى أن المسار يمثل جزء من اتفاقية الجبهة الثورية وربما يفتح إلغائه باباَ لإلغاء بنود أو مسارات أخرى من الاتفاقية، وهو ما قد يسبب مشكلات أكثر للحكومة، بالإضافة إلى انشغال الحكومة بانقسامات داخلية.

يعيش السودان أزمة سياسية كبيرة، منذ 25 أكتوبر، بعد إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، حل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ، واعتقال رئيس الحكومة، عبدالله حمدوك. وتحت الضغوط الدولية والداخلية، اضطر البرهان إلى إعادة حمدوك لمنصبه، لكن ذلك لم يوقف المظاهرات في الشارع المطالبة بانسحاب المكون العسكري من السلطة.

ويرى باكاش أن الأزمة ليست في إلغاء المسار فحسب بل يطالب المجلس الأعلى لنظارات البجا الحكومة برد حقوق الإقليم في الثروة والسلطة بقدر أكبر مما ورد في اتفاق جوبا، كما يطالب أن يكون التفاوض مع أهل الشرق عبر أحزابه السياسية الجماهيرية المعروفة وليس "عبر تنظيمات غير مكتملة الهياكل تم إنشاؤها بغرض إضفاء صبغة قومية على تفاوض الحكومة مع الحركات المسلحة" .

ويضم إقليم شرق السودان ثلاث ولايات، هي: البحر الأحمر، وكسلا والقضارف، ويعتبر استراتيجيا كونه يحدّ إريتريا ومصر وإثيوبيا ويمتد فيه ساحل على البحر الحمر طوله 714 كيلومترا توجد عليه مرافىء نفطية.

كما يضم الإقليم خمسة أنهر وأكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون هكتار من الأراضي الزراعية.

وتشكّل هذه الموارد عناصر مهمة لبلاد تعاني من اقتصاد متداع نتيجة سنوات الحكم الطويلة وسوء الإدارة والعقوبات في عهد الرئيس السابق، عمر البشير، الذي أطيح به في 2019.

"يهددون فقط"

من جانبه، يرى المستشار الإعلامي السابق لرئيس الحكومة، فايز السليك، أن مطالب شرق السودان عادلة، لكن يتم استغلالها لأغراض سياسية، مشيرا إلى أن الموقعين على الاتفاق لا يمثلون كل تكتلات الشرق، لكن في الوقت نفسه نسب تمثيل الإقليم في الحكومة معقولة ويمكن البناء عليها.

وأرجع السليك في حديثه مع "الحرة" عدم إلغاء المسار حسب الاتفاق إلى أن المكون العسكري يخشى من خسارة دعم الموقعين على الاتفاق من الشرق، خاصة في ظل الضغط الذي يتعرض لها داخليا وخارجيا بعد الانقلاب الفاشل.

وأكد أن البرهان يمكن أن يصل إلى تفاهمات مع المحتجين في الشرق؛ لأنهم بينهم قواسم مشتركة كثيرة، مشيرا إلى أن مجلس نظارات البجا لا يبتعد كثيرا عن خط المكون العسكري.

وبحسب منسق الشباب في مجلس النظارات، فإن تصعيدهم قد يشمل المظاهرات والاحتجاجات وإغلاق للطرق والموانئ، وقد يتطور الأمر إلى إعلانهم حق تقرير المصير من جانب واحد.

لكن السليك يرى أن مجلس النظارات يهدد فقط ولن يصعد بإغلاق الطرق والموانئ كما حدث في الماضي، مشيرا إلى أن ما حدث كان بدعم من المكون العسكري.

وأكد المنسق القانون لمجلس النظارات أنهم يفكرون في تأجيل الإضراب والإغلاق بسبب الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى أن الإجراءات التي اتخذتها للجنة الجديدة كانت مبشرة.

الجيش السوداني حقق تقدما واضحا خلال الأشهر الأخيرة في حربه ضد الدعم السريع - رويترز
الجيش السوداني حقق تقدما واضحا خلال الأشهر الأخيرة في حربه ضد الدعم السريع - رويترز

استعاد الجيش السوداني خلال الأيام الماضية مناطق استراتيجية في الخرطوم، كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، من بينها القصر الجمهوري وسفارات ومقار حكومية وجامعات.

وسيطر الجيش على القصر الجمهوري والبنك المركزي وسط أنباء عن معارك من أجل استعادة مطار الخرطوم.

وطرح هذا التقدم تساؤلات بشأن إمكانية عودة الحياة الطبيعية، ولو بشكل نسبي، للعاصمة التي تعاني من الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين.

وتدير الحكومة السودانية شؤونها من مدينة بورتسودان الساحلية، وربما تقرر حال تمكنت قوات الجيش من تأمين العاصمة، الحكم مجددا من الخرطوم.

قال محللون سودانيون للحرة إن خطوة استعادة الجيش لتلك المناطق والمباني الاستراتيجية، تمثل إشارة قوية على إمكانية عودة الحياة مجددا إلى العاصمة، لتصبح الخرطوم العاصمة الفعلية بدلا من بورتسودان.

ما تبعات تقدم الجيش؟

الكاتب والصحفي السوداني، عثمان ميرغني، قال إن تقدم الجيش في الخرطوم له تأثير كبير على الأوضاع العسكرية وعلى إمكانية عودة المواطنين لمنازلهم، بجانب تأثيره الكبير سياسيا ودوليا.

شرح ميرغني لموقع الحرة قائلا إن "استعادة مدينة الخرطوم والمقار الرئيسية مثل القصر الجمهوري. وقدرة الجيش على إكمال تحرير ولاية الخرطوم بما فيها من جيوب قليلة للدعم السريع في جنوب وشرق الخرطوم وأقصى غرب أم درمان، يعني عمليا انتهاء التمرد بصورة كاملة في 3 ولايات هي سنار والجزيرة والخرطوم".

يُذكر أن الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع اندلعت في أبريل 2023، بعد خلافات بشأن عملية الانتقال الديمقراطي.

ورغم توقيع اتفاقيات عدة لوقف إطلاق النار، إلا أن القتال استمر، مما أدى إلى سقوط آلاف القتلى ونزوح الملايين.​

المحلل السوداني، محمد تورشين، أوضح لموقع الحرة، أن الجيش استعاد مقار البعثات الدبلوماسية للدول وللاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وُصفت بـ"العاصمة البديلة".. ما أهمية بورتسودان؟
في 27 أغسطس الماضي، كان الخروج النادر لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من العاصمة الخرطوم حيث تشتد المعارك مع قوات الزعم السريع، وحينها ظهر في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر شرقي البلاد.

وبالأمس فقط، شهدت المدينة اشتباكات هي الأولى على أراضيها منذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل الماضي، حيث أشارت وكالة "فرانس برس" عن شهود عيان إلى أن الجيش اشتبك مع عناصر ميليشيا قبلية.

وقال: "يعني ذلك أنها بداية لاستكمال السيطرة على الخرطوم في الأيام المقبلة. وسيكون تأثير ذلك بلا شك كبيرا جدا على الحياة العامة باعتبار أن هذا التقدم سوف يسمح بعودة أجهزة الدولة من العاصمة، بعدما عملت الحكومة بشكل مؤقت من بورتسودان".

هل تعود الحياة إلى العاصمة؟

في الأيام العادية، تكتظ الخرطوم ومناطق المال والأعمال والمقار الحكومية التي سيطر عليها الجيش مؤخرا، بالمواطنين الذين يصلون من مناطق في الخرطوم ومن مدن أخرى، للعمل والجامعات.

ويقول ميرغني للحرة إن الجيش استعاد السيطرة على مناطق وسط الخرطوم، حيث توجد عدة جامعات تضم نحو مئتي ألف طالب، مضيفا أن "إعادة الجامعات لوضعها الطبيعي يتطلب إعداد المقار واستعادة طواقم التدريس، ويحتاج ذلك لعدة أشهر".

تورشين أشار إلى وجود مقار جامعات مثل النيلين والخرطوم توقفت منذ أكثر من عامين بسبب الحرب.

وقال إن سيطرة الجيش على تلك المناطق يعني أن الحرب مع قوات الدعم السريع "ستنتقل إلى أطراف العاصمة ثم أطراف السودان بشكل عام".

وداعا بورتسودان؟

الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، ألحقت أضرارا جسيمة بالبنية التحتية وأجبرت أكثر من 12 مليون شخص على النزوح سواء داخل البلاد أو خارجها، بجانب إعلان خبراء في أغسطس 2024 وقوع المجاعة في منطقة واحدة من إقليم دارفور وزاد العدد في ديسمبر إلى 5 مناطق، مع توقعات بتفشيها في مزيد من المناطق.

السودان.. مقتل طاقم تلفزيوني خلال "معارك القصر الرئاسي"
أكدت مصادر رسمية في مقتل ثلاثة من أفراد طاقم تلفزيون السودان الحكومي، إضافة إلى نقيب في الإعلام العسكري، جراء قصف نفذته طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع صباح اليوم الجمعة، استهدف محيط القصر الجمهوري في العاصمة الخرطوم.

وقُتل عشرات الآلاف على الرغم من أن تقديرات القتلى غير مؤكدة.

وفر مئات الألوف إلى مصر وتشاد وجنوب السودان، وعبرت أعداد أقل إلى إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى.

"عودة المواطنين إلى منازلهم أحد أهم ما يدور بذهن النازحين الذين يعانون في مناطق داخل أو خارج السودان. يستعجلون العودة سريعا بمجرد سماع أنباء عن استعادة الجيش للخرطوم"، وفق حديث ميرغني للحرة.

ويوضح الكاتب السوداني أن فكرة "وجود عاصمة بديلة يؤثر بشكل كبير على الصورة الذهنية للدولة في الخارج وعلى قدرتها على التعاطي دبلوماسيا، ومع مغادرة أغلب السفارات إلى دول الجوار وبقاء القليل جدا في بورتسودان، تعني عودة الخرطوم عودة تلك السفارات واستعادة المسار الدبلوماسي الطبيعي".

وكان قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) توعد قبل أيام من توسيع الجيش سيطرته في الخرطوم، باستمرار القتال في العاصمة والقصر الجمهوري، لكن الخبير في الشؤون الأمنية والعلاقات الدولية، إبراهيم مطر، قال لقناة الحرة إن خطاب "حميدتي كان لرفع معنويات جنوده لا أكثر".

الحرب.. إلى أين؟

قوات الدعم السريع تمركزت خلال الأيام الأولى من الحرب في أحياء بأنحاء العاصمة، وأحرزت تقدما سريعا بحلول نهاية عام 2023 لتحكم قبضتها على دارفور وتسيطر على ولاية الجزيرة جنوبي الخرطوم، وهي منطقة زراعية مهمة.

بحلول مارس الجاري، استعاد الجيش بعض السيطرة بتقدمه في أم درمان، إحدى المدن الثلاث التي تشكل العاصمة الكبرى، لكن قوات الدعم السريع تقدمت مرة أخرى لاحقا في ولايات سنار والنيل الأبيض والقضارف.

واندلعت معارك ضارية حول مدينة الفاشر، معقل الجيش في شمال دارفور.

وقال ميرغني للحرة إن الولايات مثل كردفان ودارفور التي يسيطر عليها الدعم السريع حاليا "أمرها أسهل كثيرا جدا من ولايات الوسط التي استعادها الجيش".

فيما قال مطر أيضًا إن المسار في دارفور "أسهل مما واجهه الجيش في ولايات الوسط مع وجود سكان ومباني عالية، هناك قوات مدربة حاربت الدعم السريع من قبل".

ولفت إلى أن تلك القوات التابعة للجيش تحركت بالفعل وأغلقت نحو "90 بالمئة من خطوط الإمداد من ليبيا وتشاد أمام الدعم السريع، وبذلك تم تطويق قواته".

وأضاف أنه في معركة مثل دارفور "سيبتعد الجيش عن استخدام الطيران، إلا نادرا، ستكون عمليات مشاة ومسيرات ولديه القوات والتقنية في معركة لن تأخذ كثيرا من الوقت، ولكن لن تكون سهلة".