مظاهرات انطلقت الاثنين، وقتل فيها 7 متظاهرين، وعميد بالشرطة. أرشيف
مظاهرات انطلقت الاثنين، وقتل فيها 7 متظاهرين، وعميد بالشرطة. أرشيف

أثار إعلان مجلس السيادة السوداني عن قرار مجلس الأمن والدفاع تأسيس "قوة خاصة لمكافحة الإرهاب ومجابهة التهديدات" تساؤلات حول أهداف هذه القوة، في وقت تستمر فيه التظاهرات المطالبة بالحكم المدني، وسط قمع قوات الأمن لها.

وأعلن مجلس السيادة في بيان نشره على صفحته بفيسبوك، الاثنين، عن تأسيس القوة، وذلك بعد جلسة طارئة لمجلس الأمن والدفاع برئاسة عبد الفتاح البرهان في القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم.

وجاء الاجتماع الطارئ غداة قمع الأجهزة الأمنية لمظاهرات انطلقت الاثنين، وقتل فيها 7 متظاهرين، وعميد بالشرطة، وأصيب فيها العشرات بجروح، حيث "استمع المجلس إلى تقارير الأجهزة  الأمنية حول الوضع الأمني وتطورات الأحداث".

وفي البيان، "تأسف المجلس على الفوضى التي نتجت جراء الخروج عن شرعية التظاهر السلمي واتباع  منهج العنف وبروز تيارات مقيدة لحرية ممارسة الحياة، وتتعدى على الممتلكات العامة، كظاهرة خطيرة تهدد الأمن والسلم الوطني والمجتمعي وتتجاوز الخطوط الحمراء لسيادة الدولة".

إحكام السيطرة والتحكم

وتعليقا على قرار إنشاء هذه القوة الجديدة، قال الباحث السياسي الرشيد إبراهيم في حديثه لموقع "الحرة" إن "هذا القرار من الناحية السياسية يعني أن هناك توجهات حكومية في الفترة المقبلة نحو إحكام السيطرة والتحكم في القضايا ذات الطبيعة الأمنية".

وأضاف أنه "تم تصنيف أعمال القتل التي تحدث أثناء المظاهرات، والتي راح ضحيتها مدنيون وعسكريون (...) على أنها أعمال إرهابية، وبالتالي فإن مستوى التهديد والخطر كبير، مما تطلب صدور مثل هذا القرار".

وأوضح إبراهيم أن القرار يأتي "وسط مجموعة ترتيبات سياسية وسط استمرار حالة الطوارئ، التي تتيح للأجهزة الأمنية حرية الحركة والتعامل مع التهديدات (...) وهذا القرار سيساهم بضبط الأوضاع".

وحث المجلس في بيانه "الشعب السوداني على التحلي بالمسؤولية الجماعية تجاه أمن وسلامة البلاد وعدم الالتفات للشائعات المغرضة تجاه أجهزة الدولة النظامية والأمنية وعزل الاستهداف الممنهج الذي تقوده فئة غير وطنية" دون تسميتها.

استهداف الخلايا الإرهابية

وبعيدا عن التظاهرات، يرى المحلل السياسي عمسيب عوض أن القرار يستهدف الخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم داعش في السودان.

وقال عوض في حديثه لموقع الحرة إنه "في الفترة الماضية تم ضبط عدة خلايا إرهابية"، وقد حدثت اشتباكات دامية بينها وبين قوات الأمن.

وفي أكتوبر الماضي، أعلنت السلطات السودانية مقتل عسكري وأربعة مسلحين متطرفين في اشتباكات اندلعت في منطقة جبرة بجنوب العاصمة الخرطوم، أثناء تنفيذ قوة أمنية-عسكرية مشتركة مداهمة لمخبأين بعد أسبوع على مقتل خمسة ضباط خلال مداهمة مماثلة في المنطقة نفسها.

وقال جهاز المخابرات العامة في بيان أوردته وكالة الأنباء الرسمية "سونا" إنه وفي إطار "متابعة جيوب خلايا تنظيم داعش الإرهابي من قبل جهاز المخابرات العامة ومشاركة القوات المسلحة والدعم السريع والشرطة (...) قامت القوات المشتركة بمداهمة موقعين في منطقة جبرة".

وأضاف عوض أن "مكافحة الإرهاب كانت واحدة من المهام الموكلة بشكل كبير جدا خلال فترة النظام السابق إلى جهاز الأمن".

وأشار إلى أن قرار تأسيس القوة لا يرتبط بالتظاهرات، وقال "لا أرجح أن تكون هذه الوحدة لقمع التظاهرات، لكنها معنية بمكافحة الإرهاب وتحديدا تنظيم داعش".

وتابع أن "هناك عدد كبير جدا من القوات الأمنية التي تعمل في الشارع لقمع المظاهرات، وذلك يشمل قوات الجيش والشرطة والأمن والدعم السريع" وبالتالي فلا حاجة إلى قوة جديدة أو إضافية لقمع التظاهرات.

العودة بالأذهان إلى فترة البشير

من جانبه يقول القيادي في قوى الحرية والتغيير، مأمون فاروق إن قرار تأسيس القوة "يعود بالأذهان إلى وحدة العمليات التي كانت تتبع لجهاز الأمن إبان حكم نظام البشير لقمع المتظاهرين".

وأضاف فاروق في حديثه لموقع "الحرة" قائلا "واضح أن المجلس العسكري قرر أن يتعامل مع كل التظاهرات بعنف، والقمع دليل واضح على ذلك".

وتابع أن مجلس السيادة يتبع نهجا "لقمع المتظاهرين والتعامل معهم بعنف، وهذا شيء مؤسف، أن يتعامل الأمن مع تظاهرات وثورة سلمية وشباب يطالبون بحقوقهم، وقمع التظاهرات واستخدام العنف المفرط يزيد من تعقيد المشهد، ويضيق فرص الوصول إلى حل".

وأشار إلى أن القمع يهدد "فرص التفاوض وكل المبادرات التي تطرح الآن بغية الوصول إلى حل" للأزمة السياسية في السودان، وتأسيس القوة يؤدي إلى مزيد من إراقة الدماء وتصعيد للعنف.

وفي سياق متصل، أعلنت الخارجية الأميركية، الاثنين، أن مبعوثين أميركيين توجها إلى الخرطوم لمطالبة السلطات "بوضع حد للعنف" ضد المتظاهرين.

وقال المتحدث باسم الوزارة، نيد برايس، في منشور على تويتر "نحن قلقون من التقارير عن تصاعد العنف ضد المتظاهرين في السودان".

وكان مجلس السيادة أشاد بعيد اجتماعه "بالحنكة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية، والتزامها بالقواعد والأساليب والأدوات المشروعة، وكذلك التحلي بضبط النفس، والتصرف بحكمة حيال المواقف ضمانا لحماية المدنيين"، وفقا للبيان.

وثمن المجلس "المجهودات التي بذلتها عناصر المخابرات العامة في تفكيك الخلايا الإرهابية بعمليات استباقية ضد المخططات التي تستهدف أمن واستقرار الوطن".

كما أشاد المجلس أيضا"بالدور المتعاظم الذي ظلت تضطلع به قوات الشرطة لاستتباب الأمن (...) وسعيها المستمر لتطوير قدراتها وأساليبها لمواجهة الأحداث".

قوة من الجيش السوداني بمنطقة الشجرة في جنوب الخرطوم -أرشيفية
قوة من الجيش السوداني بمنطقة الشجرة في جنوب الخرطوم - (إكس)

أظهر تقرير أممي حديث نشر، الجمعة، أن مستوى الدمار في العاصمة السودانية الخرطوم "يفوق التصور"، وذلك بعد نحو عامين من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وقال محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان إن الخرطوم تعيش وضعا كارثيا، مسلطا الضوء على الأوضاع المروعة التي يواجهها المدنيون في المناطق المتضررة.

وتحدث رفعت إلى صحفيين في جنيف، الجمعة، عقب زيارة استغرقت أربعة أيام للعاصمة السودانية وضواحيها، مشيرا إلى أنه زار مناطق لم يكن الوصول إليها ممكنا من قبل، وشاهد بأم عينه حجم الدمار والمعاناة التي يعيشها الناس في هذه المناطق.

وأضاف: "أستطيع أن أقول لكم إن محطات الكهرباء نُهبت، وأنابيب المياه دُمرت. أنا لا أتحدث عن مناطق معينة، بل أتحدث عن كل مكان ذهبت إليه. لقد كنت في مناطق حروب في ليبيا واليمن والعديد من مناطق الصراع الأخرى. ومستوى الدمار الذي رأيته في بحري والخرطوم لا يمكن تصوره. لم يكن هناك استهداف لمنازل الناس فقط، ولا للمناطق الإدارية، ولا للمناطق العسكرية، بل لكل البنية التحتية الأساسية التي يمكن أن تحافظ على حياة الناس".

وأعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء التقارير التي تفيد بنزوح المدنيين من العاصمة السودانية الخرطوم بسبب العنف والمخاوف من عمليات القتل خارج نطاق القانون، في أعقاب التغيرات التي طرأت مؤخرا بشأن السيطرة الفعلية على العاصمة.

وضع صعب ومعقد

وأشار المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إلى أن الوضع العام في السودان لا يزال معقدا وصعبا، حيث يفر المدنيون من أجل سلامتهم في بعض المواقع، ويحاولون العودة إلى ديارهم في مواقع أخرى، وغالبا إلى مناطق دمرت فيها الخدمات الأساسية بسبب الصراع، وحيث يواجهون أيضا خطر مخلفات المتفجرات والقذائف غير المنفجرة.

وأوضح أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يعمل على الوصول إلى السكان في مدينة كادقلي، عاصمة جنوب كردفان، من خلال تسهيل إرسال قافلة مساعدات إنسانية تحمل إمدادات التغذية والصحة وتطهير المياه. ولكن القافلة لا تزال متوقفة في الأبيض، عاصمة شمال كردفان، بسبب انعدام الأمن والعقبات البيروقراطية.

وقال دوجاريك إن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أعرب عن غضبه، الخميس، إزاء التقارير التي تتحدث عن تصاعد الهجمات على المطابخ المجتمعية والمساحات الآمنة التي يديرها المتطوعون في السودان، وشدد على ضرورة حماية ودعم العاملين في المجال الإنساني.

وذكّر بأن القانون الدولي الإنساني يُلزم جميع الأطراف بالسماح وتسهيل الإغاثة الإنسانية، بسرعة، وبلا عوائق، وبحياد، للمدنيين المحتاجين، بغض النظر عن الموقع أو انتماء هؤلاء المدنيين.

حاجة إلى التمويل

وأشار رفعت إلى الحاجة الملحة لتوفير التمويل الإنساني للأدوية والمأوى ومياه الشرب والتعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى ضمان وصول إنساني غير مقيد للمتضررين من الصراع. ونبه إلى أن محدودية الوصول الإنساني ونقص التمويل أدت إلى معاناة هائلة، خاصة بالنسبة للنساء.

وأكد أن العديد من المنظمات غير الحكومية أوقفت أو قللت عملياتها بسبب نقص التمويل، وأن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يوجد أكثر من 11 مليون نازح داخلي.

ودعا رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة إلى التركيز على إعادة البناء، مشيرا إلى أن ترميم الخرطوم والمناطق الأخرى سيستغرق وقتا، لكن من الممكن توفير مأوى وسبل عيش كريمة بمجرد توفر الموارد اللازمة.

وأوضح أن خطة استجابة المنظمة الدولية للهجرة في السودان تسعى للحصول على 250 مليون دولار لمساعدة 1.7 مليون شخص، لكن لم تتم تغطية سوى 9% من الأموال المطلوبة حتى يناير 2025.

وتسببت الحرب بمقتل وإصابة عشرات الآلاف ونزوح وتهجير الملايين داخل البلاد وخارجها، وخسائر مادية واقتصادية فادحة بمختلف القطاعات.