استمرار المظاهرات المناهضة للانقلاب في السودان
استمرار المظاهرات المناهضة للانقلاب في السودان

يثير الموقف المتشدد الذي ينتهجه المكون العسكري تجاه البعثة الأممية ومبادراتها لحل الأزمة في السودان، مخاوف المراقبين من زيادة تعقيد المشهد السياسي في البلاد.

خلال الساعات الماضية، ذكر نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو في بيان "رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) يجب أن يكون مسهلا وليس وسيطا بين الأطراف".

وأضاف أن المجلس لا يعادي ولا يقاطع المجتمع الدولي لكنه "يرفض التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد".

وأرجع المستشار الإعلامي السابق لرئيس الحكومة فايز السليك، هذا الموقف المتشدد من المكون العسكري تجاه التحركات الأممية إلى أنه "يرفض أي حل سلمي لحلحلة الأزمة في البلاد".

وأوضح السليك في حديثه مع موقع "الحرة" أن أي مبادرة أممية أو حل سلمي سينص على إنهاء الانقلاب وإلغاء الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الجيش وعودة الحكم المدني، وهو ما يرفضه العسكريون، علي حسب رأيه.

"سيزيد الأمور تعقيدا"

ولفت إلى أن ما يقوم به ممثل الأمين العام في السودان هي تحركات وليست واسطة، لتقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية.

وأكد أن موقف المكون العسكري "المتشدد" سيزيد الأمور تعقيدا، ويجعل الجيش في مواجهة مع الشعب السوداني المطالب بالديمقراطية والانتقال المدني للسلطة.

في المقابل، قال المحلل السياسي، اللواء عبد الهادي عبد الباسط، إن "معظم الشخصيات الوطنية في السودان ترفض وجود البعثة الأممية وممثل الأمين العام في السودان، لأنها جاءت من وراء ظهر الشعب بناء على طلب رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك".

وذكر عبدالباسط في حديثه مع موقع "الحرة" أن ذلك يظهر بوضوح "في المظاهرات الحاشدة التي خرجت أمام مقر البعثة، وطالبتها بمغادرة البلاد".

ويرى أن سبب الرفض لتحركات المبعوث الأممي لأنها "تعقد المشهد السياسي في السودان ولا تقدم أي حلول".
رسالة للبعثة الأممية

الأربعاء الماضي، تظاهر آلاف السودانيين المؤيدين للمؤسسة العسكرية، ضد مبادرة الأمم المتحدة الأخيرة لحل الأزمة السياسية في السودان.

وتجمع المحتجون أمام مكتب مقر بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في السودان (يونيتامس) في الخرطوم. وحملوا لافتات كتب عليها "تسقط الأمم المتحدة" وآخرون طالبوا ممثل الأمم المتحدة في الخرطوم فولكر بيرثس  بـ"العودة إلى ديارهم".

"رسالة للبعثة الأممية"

أكد السليك أن الجيش أراد توجيه رسالة للبعثة الأممية عبر المتظاهرين المؤيدين له يطالبها ب"مغادرة البلاد"، مؤكدا أن المكون العسكري هو من دعم هذه المظاهرة ولم يتعرض لها كما يفعل مع الاحتجاجات الأخرى.

وكانت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في السودان "يونيتامس" قد بدأت محادثات مع الفصائل السودانية المختلفة. 

وفي العاشر من يناير، أعلن ممثل الأمم المتحدة في الخرطوم فولكر بيرثس رسميا إطلاق مبادرة يقوم بمقتضاها بلقاءات ثنائية مع الأطراف المختلفة، في مسعى لحل الأزمة السياسية في البلاد.

وأشار بيرثس إلى أن "الأمم المتحدة لن تأتي بأي مشروع أو مسودة أو رؤية لحل، ولن نأتي حتى باقتراح لمضمون الأمور الرئيسية المختلف عليها، ولن نتبنى مشروع لأي جانب،" بحسب وكالة فرانس برس.

ونشرت البعثة، الأربعاء، على تويتر عن ستيفاني خوري، مديرة مكتب الشؤون السياسية "يتمحور دورنا في المرحلة الحالية من المشاورات حول عملية سياسية لـ السودان في الاستماع لأصحاب المصلحة السودانيين والإنصات الفاعل لوجهات نظرهم وتوثيق رؤاهم ومقترحاتهم".

وكان مجلس السيادة الحاكم في السودان أعلن، في وقت سابق، ترحيبه بمبادرة الأمم المتحدة، أما ائتلاف قوى الحرية والتغيير، كتلة المعارضة الرئيسية في السودان، فقد أعلن أنه سيقبل بالمبادرة إذا كان الهدف هو "استعادة الانتقال الديمقراطي".

ويشهد السودان احتجاجات متواصلة تتخللها اضطرابات وأعمال عنف منذ الانقلاب العسكري الذي نفذه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر حين أطاح بالمدنيين الذين تقاسموا مع الجيش السلطة بعد سقوط الرئيس السابق عمر البشير.

ولعبت الضغوط الدولية دورا كبيرا في عودة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك قبل تقديم استقالته الشهر الماضي.

وتقول لجنة الأطباء المركزية التي تشكّل مجموعة أساسية في معارضة الانقلاب العسكري، إن 76 متظاهرا قتلوا في احتجاجات، العديد منهم بالرصاص، منذ وقوع الانقلاب.

وشكّل قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، الأسبوع الماضي، حكومة "لتصريف الأعمال" مؤلفة من شخصيات غير معروفة.

"ليس غريبا"

ويرى القيادي في حزب الأمة القومي، صديق الصادق المهدي، أنه لا يوجد مبرر لموقف المكون العسكري من البعثة الأممية، مشيرا إلى أنها كانت شاهدة على الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، كما لعب دورا في اتفاق السلام، بالإضافة إلى دورها في الأعمال الإنسانية في البلاد.

وذكر المهدي، عضو المجلس المركز لقوى الحرية والتغيير، أنه ليس غريبا أن تقوم البعثة بهذه التحركات أو تطرح مبادرة لحل الأزمة، وأضاف أنها تسعي لجمع الأطراف السودانية وتقريب وجهات النظر للتوصل لحل للأزمة بأيدي سودانية.

من جانبه، يقول القيادي في قوى الحرية والتغير، حيدر الصافي، أن جميع الأطراف تبارك هذا التحركات الأممية، لكنها ترى أن أي مبادرة لحلحة الأزمة في البلاد يجب أن تكون سودانية.

وأشار الصافي في حديثه مع موقع "الحرة" أن الأزمة في البلاد وصلت إلى درجة كبيرة من التعقيد، مؤكدا أن المتظاهرون في الشارع يرفضون المكون العسكري ويطالبون برحيله، كما أن القوى المدنية منقسمة على نفسها.

والأسبوع الماضي، التقى كلّ من المبعوث الخاص الأميركي إلى القرن الإفريقي ديفيد ساترفيلد، ومساعدة وزير الخارجية الأميركي مولي في، البرهان في الخرطوم، ووجها دعوة إلى "حوار وطني جامع وحكومة من أشخاص أكفاء يديرها مدني".

وأكد المبعوثان الأميركيان أن واشنطن "لن تستأنف المساعدات للسودان قبل وقف العنف والعودة إلى حكم بإدارة مدنية كما يريد السودانيون"، بحسب ما أفادت السفارة الأميركية في الخرطوم.

والثلاثاء، نشر حساب مكتب الشؤون الافريقية التابع للخارجية الأميركية، على موقع تويتر أن القادة العسكريين في السودان "التزموا علنا بالحوار لحل الأزمة الحالية، ومع ذلك، فإن أفعالهم والمزيد من العنف ضد المتظاهرين واحتجاز نشطاء المجتمع المدني، تروي قصة مختلفة وستكون لها عواقب".

وذكر عبد الباسط، أن "أي جهود دولية لا تصب في إطار مساعي العسكريين لإجراء الانتخابات في 2023 هي مرفوضة وغير مرحب بها من قبل الجيش"، مشيرا إلى أنه تم رفض المبادرات الأميركية والأوروبية لأنها "لم تقدم شيئا في هذا الإطار".

مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم - صورة أرشيفية - رويترز
مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم - صورة أرشيفية - رويترز

قال مصدران عسكريان لرويترز، السبت، إن الجيش السوداني سيطر على المقر الرئيسي للبنك المركزي مع مواصلة تقدمه في العاصمة ضد قوات الدعم السريع.

وجاء ذلك بعد يوم من سيطرة الجيش بالكامل على القصر الرئاسي بالعاصمة.

ومُني الجيش بانتكاسات لفترة طويلة لكنه حقق مكاسب في الآونة الأخيرة واستعاد أراض في وسط البلاد من القوات شبه العسكرية.

في غضون ذلك، عززت قوات الدعم السريع سيطرتها في الغرب مما قد يدفع البلاد نحو تقسيم فعلي. وتعمل قوات الدعم السريع على تشكيل حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها، رغم أن من المتوقع ألا تحظى باعتراف دولي واسع.

وبعد ساعات، قالت قوات الدعم السريع إنها موجودة في محيط القصر الرئاسي وإنها شنت هجوما أسفر عن مقتل العشرات من جنود الجيش في داخله.

وذكرت مصادر عسكرية أن مقاتلي الدعم السريع على بعد نحو 400 متر. وأضافت أن قوات الجيش تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة قتل عددا من الجنود بالإضافة إلى مجموعة عاملين بالتلفزيون الرسمي.

ونقلت وكالة السودان للأنباء عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، قوله إن هذه المعركة ماضية ولن تتوقف، مؤكدا أن "القوات المسلحة تستمد روح الاستمرار في هذه المعركة من المواطنين والشعب السوداني".

وأضاف "لن نتراجع ولن نتأخر، وسنقف مع المواطن حتى النهاية".

وكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت سريعا على القصر الرئاسي في الخرطوم، إلى جانب بقية المدينة، بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 بسبب خلافات حول اندماج القوة شبه العسكرية في الجيش.

ونشر الجيش مقاطع مصورة تظهر جنوده يكبرون ويهللون داخل القصر الذي تحطمت نوافذه الزجاجية وغطت جدرانه ثقوب الرصاص.

ورحب عدد كبير من السودانيين بالأنباء حول سيطرة الجيش على القصر الرئاسي.

وقالت قوات الدعم السريع في وقت متأخر، الخميس، إنها انتزعت السيطرة على قاعدة رئيسية من الجيش في شمال دارفور، وهي منطقة تقع بغرب البلاد.

وأدى الصراع إلى ما تصفه الأمم المتحدة بأكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ تسبب في مجاعة في عدة مناطق وانتشار أمراض في أنحاء البلاد التي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة.

واندلعت الحرب وسط صراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قبل انتقال كان مخططا إلى الحكم المدني بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019.

وتسببت الحرب بمقتل وإصابة عشرات الآلاف ونزوح وتهجير الملايين داخل البلاد وخارجها، وخسائر مادية واقتصادية فادحة بمختلف القطاعات.